لا يسع القادم إلى بانغكوك من العالم العربي إلا أن يرى التشابه المريب بين المشهد السياسي التايلندي ونظيره المصري. عندما تشاهد عشرات الآلاف من المتظاهرين يهتفون ضد الحكومة التايلندية في نهاية آذار/ مارس فإن مشاهد الثلاثين من حزيران/ يونيو في مصر العام الماضي تعود الى الذاكرة. وقد تظن لأول وهلة أن هذه المظاهرات مدفوعة بالقيم الديمقراطية، ولكن بعد التمعن تكتشف أنها، في المجمل، مثلها مثل الحالة المصرية، نكوص إلى الوراء بدلا من النهوض إلى الأمام.’ فالمعارضة التايلندية كانت قد قاطعت وشوشت على العملية الانتخابية التي جرت في شباط 2014وبعد ذلك لجأت إلى القضاء لإعلانها لاغية. وبذلك كافأ القضاء المعارضة على عرقلة الانتخابات. وأعلنت المعارضة صراحة أنها ضد ‘الديمقراطية’ (أو شرعية الصندوق بالقاموس المصري) وطالبت بهيئة معينة لفترة انتقالية. وكان القضاء التايلندي قد أفشل في تشرين الثاني/ نوفمبر العام الماضي محاولة الحكومة والحزب الحاكم دمقرطة البرلمان عبر تعديل دستوري يجعل كل أعضاء البرلمان منتخبين. حيث’ينص الدستور الحالي بأن يكون’نصفهم معينين من قبل القضاء. وهو دستور تم وضعه بعد الانقلاب العسكري في أيلول 2006. ولكن القضاء التايلندي أعلن التعديل الدستوري الديمقراطي ‘انقلابا على الديمقراطية’. ومن المثير أن أسباب الانقلاب المعلنة في عام 2006 مشابهة للأسباب المصرية وهي: الاستقطاب الشديد في المجتمع، وتفتيت وحدة الشعب، والفساد، وإساءة الحكم، والتخطيط لاستعمال العنف، والتدخل في عمل مؤسسات الدولة، وما إلى ذلك. ومثلما نسمع اليوم من بعض المصريين، قال قائد الجيش التايلندي في حينه إن الحالة التايلندية خاصة لا مثيل لها وإن الجيش فعل ذلك من أجل الشعب. وفي الحالتين ألغى النظام الجديد الدستور القائم وعيّن لجنة لوضع دستور جديد على وجه السرعة. وفي الحالتين أقرّ الشعب الدستور في استفتاء عام بعد أن قمع النظام المعارضين. ” ومثل مصر تتداخل العوامل الطبقية والايديولوجية بالمراهنة على تدخل الجيش لصالح أحد الفرقاء بعد أن قام بذلك قبل سنوات قليلة. إذ عاد الى سدة الحكم في العملية الانتخابية حزب يعتمد على أصوات الناخبين الفقراء من الأطراف (خاصة الجنوب). وترأس الحكومة منذ آب/ اغسطس 2011 شقيقة الرئيس المخلوع عام 2006 والذي كان قد فاز أيضا بأصوات هؤلاء الفقـــــــراء. معنى ذلك أن الانقـــــلابات العسكرية لا تنجح باقتلاع جزء كبــــير من المجتـــمع حتى لو قمعته إلى حين. ومع قيام المعارضة المهزومة انتخــــابيا بإفشال الحسم الانتخابي في العام الأخير، بعـــــد أن حـــــاولت شلّ المـــــرافق الحكومية في تشرين الثاني/ نوفمبر في العام الماضي، بات واضحًا أن المعارضة تنتظر تدخلا إضافيا من الجيش. وبذلك فإن ‘القمصان الصفر’ يمثلون ائتلافا معارضا يتكون من الملك والجيش والقضاء والنخب في المركز. ويتهم هؤلاء النخب رئيسة الحكومة الحالية بالفساد على ضوء دعم الحكومة لمزارعي الأرز. ورفضوا التصالح عبر اقتراح قانون يمنح العفو لمشتبهين بالعنف بعد الانقلاب. كما يعتمد هذا الائتلاف على خطاب قومي شوفيني يستثمر فيه الازمة الحدودية مع كمبوديا والنزاع المسلح مع الانفصاليين المالاي في الجنوب لتأجيج المشاعر ضد الحكومة. وكل ذلك يؤدي الى تعزيز الخطاب الأمني. ومثل نظيرتها المصرية، كانت المؤسسة الأمنية قد قمعت ‘القمصان الحمر’ من مؤيدي الرئيس المخلوع عام 2006 وأغلقت إعلامهم وقد قام هؤلاء بالعديد من أعمال العنف. ومثل مصر قُتل العشرات من المتظاهرين خلال السنوات الأخيرة ولكن لحسن الحظ ما زالت أعداد القتلى في تايلند أقل بكثير. ولا شك أن موقف النخب القضائية يذكّر أيضا بما حصل في مصر: حيث كان بعض القضاة مثل المستشارة تهاني الجبالي ينسقون علنا مع الجيش ضد الحكومة المنتخبة. كما ألغت المحكمة الدستورية العليا قانون الانتخاب والبرلمان مما ساهم في تفاقم الأزمة السياسية. بطبيعة الحال هناك العديد من الفروق بين الدولتين. ولكن هناك من التشابه الكافي لكي نحاول استخلاص بعض العبر. لا يوجد ملائكة وشياطين في مصر وتايلند ولكن توجد ديناميكيات مدمّرة ورهانات خاسرة. لا الحل العسكري ولا اللجوء الى القضاء والوثائق الدستورية سيفضيان بالبلدين إلى برّ الأمان. وإذا كان الاستقطاب سببا للإنقلابات والثورات المضادة فإنها لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاستقطاب. وإذا كانت تايلند وبعد ثمانية أعوام من الانقلاب العسكري لم تحظ بالاستقرار بعد، فإن المصريين واهمون إذا ظنوا أن نفس الطريق ستؤدي إلى نتائج أفضل. ‘ ‘ ‘ ‘ ‘ ‘ ‘