السينما التونسية مكون الثقافة النوعية في الشمال الأفريقي

كمال القاضي
حجم الخط
0

إذا كانت السينما الأفريقية في عمومها بعيدة إلى حد ما عن دائرة الجذب الجماهيري برغم حضورها القوي في المهرجانات الدولية وانتزاعها الجوائز نزعاً بقوة التميز، فإن سينما الشمال الأفريقي تعوض هذا النقص في دور العرض السينمائية وتُثير الإعجاب في المحافل وتخرج عادة بنصيب الأسد من الجوائز وشهادات التقدير في العديد من المسابقات المهمة التي تُقام على مستويات محلية وعالمية.
ولا شك أن أفلام دول المغرب العربي تلعب دوراً رئيسياً في إثراء الثقافة السينمائية داخل المنطقة العربية وخارجها، فبالإضافة إلى قوة السينما المغربية والجزائرية، تحتل السينما التونسية أيضاً مرتبة متقدمة كثيراً في قائمة الدول ذات التميز الخاص من حيث المستوى التقني وطبيعة الموضوعات المطروحة التي يتسم معظمها بالنضج، غير أن حاجز اللهجة المحلية الذي كان يمثل عائقاً أمام عملية التواصل قد انخفض تأثيره بشكل ملحوظ نتيجة النشاط الدرامي التونسي في الفضائيات العربية المُختلفة وتعود الأذن المصرية على استقبال وفهم مفردات الحوار الجاري على لسان الشخصيات، الأمر الذي أدى إلى سهولة الاستيعاب وارتباط الجمهور بالمُصنف الفني التونسي، فضلاً عن ميزة الإنتاج العربي المشترك الذي أتاح الفرصة أمام النجوم التونسيين للاشتراك في بعض الأعمال المصرية القليلة خلال المواسم الدرامية إبان السنوات القريبة الماضية.
وعلى الصعيد السينمائي تعددت نوبات الاتصال المباشر بين الجماهير العربية والمصرية في إطارات كثيرة كالكرافانات التي أقيمت تحت رعاية الاتحاد الأوروبي والمهرجانات وفعاليات الاحتفال والتكريم، فالأفلام التونسية التي عُرضت في مصر كنماذج مهمة شكلت تفاعلاً حقيقياً وأدت إلى تقريب المسافات بين الفيلم التونسي والذائقة المصرية.
فيلم «القطار» واحد من الأفلام التي تم عرضها في القاهرة منذ فترة. وتدور فكرته حول حالة إنسانية تُمثل نوعاً خاصاً من التراجيديا، فهو يناقش قصة رجل مُعاق بدنياً يخرج بصحبة زوجته في الساعات الأولى من الصباح الباكر، وأثناء السير في الشارع تعتزم الزوجة عبور شريط القطار، وفي لحظة غير متوقعة تقرر التخلي عن زوجها المُعاق وتتركه يواجه وحده مصيره المحتوم، وبينما يتبادر إلى الذهن قسوة الزوجة التي تُلقي بزوجها في التهلكة يكون الهدف مغايراً للظنون، فهي تريد أن تضعه تحت أقصى درجات الخطر لتستنهض فيه القوة والعزيمة فيهم بالقيام والحركة لينجو بنفسه في اعتماد كامل على قوته الداخلية الكامنة، وهو التفسير الإيجابي لتصرفها الغريب وسلوكها المفاجئ. أما التفسير الآخر فهو تصعيد الإحساس بالرتابة والملل وشعور الزوجة بالعجز الكامل أمام مُعضلة الزوج المرضية واختيارها الانتحار كحل للتخلص من الحياة برمتها.
وفي معالجته الفنية التراجيدية ذات الأبعاد والمستويات، اختار المخرج توفيق الباهي الإثارة كوسيلة للفت النظر والانتباه لفيلمه ومحتواه الدرامي المُثير بالفعل، ويمكن القول بأنه نجح بشكل ما في تحقيق غايته وهدفه.
وبالنظر لمحتوى السينما التونسية الجديدة نرى أن التركيز على الحالات المأسوية يعد ملمحاً رئيساً في التجارب الاستثنائية، وغاية ذلك كما أسلفنا هو خلق مجال تأثيري ليظل المشاهد مُترقباً بشغف ما يحدث وما تنتهي إليه الأحداث. ففي فيلم «بهجة» للمخرج وليد الطايع إنتاج عام 2006 نلاحظ التأكيد على هذا التوجه. فالبطلة بهجة سيدة مريضة يتم حجزها بإحدى المستشفيات وتودع مُنفردة في غرفة لتلقي العلاج، ولكن تبدو مسألة ربط أذرعها وأقدامها غريبة ومُدهشة فهي لا تعاني من اضطرابات عصبية ونفسية ولكنها تعاني من ارتفاع في ضغط الدم، وهو مرض لا يستلزم ربط الأطراف بحسب ما ورد في الصورة، لكنه ربما يوحي بالمعنى البعيد الذي يريد المخرج توضيحه، وهو أن الاسترخاء ومشاهدة التلفزيون والوجود في مناخ هادئ يُجنب الإنسان التوتر والمرض ويجعله أكثر صحة وقدرة على التعافي السريع.
وبذات الآلية وفي تشابه يوحي بمقاصد التوجه العام للسينما التونسية الجديدة، يتحفنا المخرج محمد قبس زايد بفكرة مُختارة عبر فيلمه «حديث» الذي تقودنا أحداثه وشخصياته إلى المعالجة غير المباشرة لقصة العجز الذي يعانيه جنديان يرقدان في مستشفى لتلقي العلاج بعد إصابتهما في الحرب، حيث يلجأ كل منهما إلى ما يغنيه عن الحركة ومعاناة القيام والقعود بالاعتماد على حواس الاستشعار والاستنتاج كالسمع والإحساس والرصد الذهني والعقلي في إحاطتهما بما يحدث خارج غرفة العلاج بالمستشفى تعويضاً عن عزلتهما وإقامتهما الجبرية لحين الشفاء.
وهنا يحاول المخرج نفي فكرة العجز بالكلية، والتأكيد على مبدأ الوجود الفعلي للإنسان تحت أي ظرف، طالما أنه حي ولديه القدرة على التفكير والشعور والتفاعل، فليس الجسد وحده هو الدال على وجود الشخص وحضوره وبقائه وقدرته على تغيير واقعه وعالمه ومحيطه، وفي هذا السياق يبرز المعنى المُتضمن بالفيلم النوعي المُختلف الهادف إلى تجديد الأمل وبعث التفاؤل وخلق مستويات للتحدي بمنطق القوة المُدخرة داخل كل البشر لزوم الظروف الصعبة والمعاناة المُحتملة أو العارضة، إذ يجب توقع الخطر والاستعداد له في أي وقت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية