السينما التي نعرفها وسينما الواقع الافتراضي

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

منذ وقت مبكر انشغل المهتمون بالفن السينمائي بما يمكن ان تكون عليه صورة السينما في المستقبل، حتى وصل بهم الأمر في مرحلة مبكرة من بدايات هذا الفن إلى التنبؤ عما سيؤول إليه مستقبل صناعة الأفلام، وذهبوا في تخيلاتهم إلى الحد الذي افترضوا ان من الممكن وصول التطور التكنولوجي إلى مرحلة من التقدم تتيح لصناع السينما ان يقدموا تجارب تحمل قدرا كبيرا من المغامرة في إطار السينما والتلفزيون كذلك بالشكل الذي تختفي فيه الصورة التقليدية لهذين الفنين. وهذا ما سبق ان أشار إليه مقال حمل عنوان «سينما المستقبل» نشر عام 1955 بتوقيع المصور السينمائي مورتون هيليغ، جاء فيه إن «صناعة الأفلام ستتقدم إلى النقطة التي يمكن أن تكشف العالم العلمي الجديد للإنسان».
اليوم تحقق أبعد ما كان قد حلم به السينمائيون خلال القرن العشرين من تطور تقني في الصناعة السينمائية، وفي مقدمة ذلك تأتي تقنية تطبيق «Bigscreen» حيث يمكنك ان تستأجر فيلما من التطبيق عبر الإنترنت، فتجلس في بيتك لتضع النظارات على عينيك وترتدي سماعات الواقع الافتراضي2 Oculus Quest لتجد نفسك أمام صورة افتراضية ثلاثية الأبعاد وأنت جالس في مقعد افتراضي في سينما افتراضية أمام شاشة أكبر من معظم الشاشات القياسية، وإلى جانبك صورة رمزية افتراضية تمثل أشخاصًا آخرين جالسين في مكان آخر من العالم. وسيداخلك شعور كما لو انك حاضر بالفعل في السينما وتتطلع إلى شاشة حقيقية، وإذا ما نظرت حولك يمكنك رؤية وسماع الآخرين الذين يشاركونك المشاهدة. بهذا السياق هناك دراسات أجريت على عدد من المتلقين الذين يستعملون هذه التقنية توصل فيها الباحثون إلى انهم يستهلكون بحدود 20 إلى 30 ساعة أسبوعيا، وهذا يعني مدى التأثير الكبير الذي باتت تمارسه على من يتعاملون معها.

تخيلات الأوائل

إن التخيلات الجامحة التي قفز فيها السينمائيون بوقت مبكر من القرن العشرين في آفاق بدت في حينها غير منطقية وبعيدة عن الواقع، تشير في دلالاتها إلى انهم ومع مضي السنوات والعقود الأولى من اكتشاف السينما قد تولد في داخلهم حدس قوي يطمئنهم إلى ما ينتظر الفن السينمائي من اكتشافات ثورية سيشهدها الجمهور. وإذا ما حاولنا العودة إلى بدايات الفن السينمائي، سنجد ان السينمائيين ومنذ الأفلام الأولى بكل ما كانت عليه من بساطة في الإنتاج، كانوا قد بدأوا جديا في الجنوح إلى الابتكار والخلق لتطوير قواعد وآليات الاكتشاف الجديد، والعمل على فتح فضاءه على كل ما هو مبتكر، وخلال زمن قياسي توجت جهود عدد منهم بنجاحات عظيمة، حيث أقدموا على اكتشاف الأسس الجمالية والدرامية والتقنية التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار عند صناعة أي فيلم.
ان الحدس الذي تملك اولئك المبدعين لم يأت من فراغ، انما جاء نتيجة ما كانوا يشهدونه من تطور سريع في مجمل تقنيات الإنتاج السينمائي، سواء على مستوى البناء والحبكة وانتهاء بالتطور الكبير في معدات التصوير والإضاءة والمونتاج، والكيفية الدرامية التي يتم التعامل من خلالها مع هذه العناصر التقنية. وما عمق لديهم الإحساس بالقوة التغييرية التي ستجتاح الفن الجديد ان السنين العشر الأولى من عمر الفن السينمائي الذي ابتدأ عام 1895 مع الأخوين لوميير، كانت قد شهدت نضجا وتفوقا في التفكير لدى عدد من السينمائيين في بناء الفيلم بكافة مراحل إنتاجه، أمثال: ديفيد غريفث (1875- 1948) وسيرجي ايزنشتاين (1898- 1948) وفيسفولد بودوفكين (1893 – 1953) والكسندر ديفجنكو (1894 – 1956).
فالمخرج الأمريكي غريفث بعد ان أنجز خلال الأعوام 1908 إلى 1913 ما يصل إلى 450 فيلما روائيا قصيرا يتراوح زمن كل واحد منها ما بين 13- 15 دقيقة كانت بالنسبة له مرحلة مهمة جدا من التجريب والاختبار في فضاء مجهول، لم يكن يملك أي ملامح محددة، فتمكن نتيجة جهوده الكثيفة من التوصل إلى اكتشافات تاريخية تقنية تعد في نظر مؤرخي السينما بمثابة الأحرف الأبجدية في لغة الفن السينمائي، وما زالت حتى هذه اللحظة تكتسب قوتها وفاعليتها وضرورتها، ومن غير الممكن تجاوزها وعدم الإحاطة بها لدى أي مخرج سينمائي، أبرزها: تقريب اللقطات، الاسترجاع (flash back) تحريك الكاميرا للأمام والخلف، اللقطات المتقاطعة أو المونتاج المتوازي.

صناعة التاريخ

هذه التقنيات بالأثر الذي تركته في ابتكار آليات التفكير السينمائي، من حيث التكوين داخل الصورة وحجم اللقطات وحركة الكاميرا والبناء المونتاجي، وحبكة الفيلم، تعد انعطافة كبيرة أخذت السينما إلى منطقة الفن، حيث أصبح لها شكلها الخاص عن بقية الفنون الإبداعية، وأسلوبها في التعبير عن الأفكار، وفي إعادة صياغة مفاهيم الإنسان حول الحياة والوجود والمستقبل والتاريخ، بعد ان كانت الأشرطة الأولى مجرد لقطة واحدة بحجم واحد، والكاميرا ثابتة على محور لا يتحرك أثناء رصدها لحركة العمال وهم يخرجون من المصنع أو قطار يصل إلى المحطة، إلاَّ ان غريفث بعث في الفن الجديد إمكانات هائلة جعلت السينما ميدانا مثيرا ومؤثرا لصناعة التاريخ وليس أرشفته فقط، فجاء فيلمه الملحمي «ميلاد امه» عام 1915 تتويجا لهذا الفهم والتحول في صناعة وتشكيل الفن الجديد.

العصر الرقمي واللقاء مع البدايات

نحن الآن في بداية العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين وصلنا إلى ما كان يتوقعه المصور هيليغ في خمسينات القرن العشرين من واقع افتراضي يتعلق بمستقبل السينما، بعد عديد التجارب والتحولات التقنية التي شهدتها الخمسين عاما الماضية من عمر الإنتاج السينمائي، وعلى أيدي عديد المخرجين الموهوبين الذين تركوا لنا إرثا فنيا كان عاملا أساسيا بما وصل إليه الفن السينمائي من تقدم خلاق بات فيه الواقع الافتراضي يشكل عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه في أي إنتاج سينمائي، رغم أن صناعة الأفلام لا يزال أمامها طريق طويل من الانعطافات والتحولات التقنية، ومع قيام صانعي الأفلام باستبدال الكاميرات التقليدية بأخرى رقمية يتوفر فيها التصوير بخاصية 360 درجة أصبحت لها القدرة على ان تلتقط المنظر من جميع الزوايا، وهذا ما أشار إليه الصحافي ليوك باكماستر في مقال له حمل عنوان «كيف سيبدو شكل الأفلام بعد 20 عاما؟» جاء فيه إننا «أمام أعتاب مرحلة جديدة من تاريخ السينما، يمكن مقارنتها بأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حيث كانت هذه الصناعة تعيش سنواتها التجريبية الأولى». إذن نحن في المراحل الأولى لثورة جديدة في صناعة الأفلام ستشهدها الأجيال اللاحقة وخلال فترة قريبة جدا، حيث يشير باكماستر في مقاله أيضا إلى انه «اليوم هناك إمكانات مثيرة لمستقبل الصور المتحركة، مثل ظهور الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي والقدرة المتزايدة لأجهزة الكمبيوتر على تشغيل عوالم رقمية مفصلة».

ما هو مصير السينما التقليدية؟

كل المؤشرات المستوحاة من تطورات تقنية وفرتها أجهزة ألعاب إلكترونية عززت التفاعل البشري مع الواقع الافتراضي باتت تؤكد على ان فن السينما بدأ يشهد خطوات غير مسبوقة على المستوى التقني هي من ثمار ما بعد الحداثة ان صحت التسمية من الناحية الفلسفية، وسيكون المتلقي على درجة من التفاعل مع الفيلم السينمائي بوجود خاصية Virtual Reality الواقع الافتراضي، حيث تتوفر له عديد الخيارات التي تطرح أمامه مثل ما هو موجود في الألعاب الإلكترونية، فيستطيع بذلك ان يحدد مسارات حبكة الفيلم حسب مزاجه وقناعته، وهذا يعني ان المتلقي سيخوض مغامرة التلقي لوحده وهو مشارك فيها، أي ان الفيلم لم يعد تجربة انفعالية جماعية كما هي في السينما التقليدية التي عرفها الجمهور خلال المئة عام الماضية من تاريخها، انما تجربة تتعزز فيها فردية التلقي، مانحة عبر تقنية الواقع الافتراضي مساحة واسعة من الحرية للمتلقي في تأكيد ما يعجبه وما يكرهه في بناء حكاية الفيلم وشخصياته التي أنشئت عبر الكمبيوتر، والمسارات الدرامية التي تتحرك فيها كما لو انه جزء مشارك فيها، وهذه التجربة التشاركية لمتلقي الفن السينمائي حيث يتفاعل الواقع الفعلي مع الافتراضي بقدر ما فتحت آفاقا كبيرة ومدهشة أمام صناعة السينما، إلا انها تطرح سؤالا ملحا حول مستقبل السينما التقليدية التي عرفناها، ومدى قدرتها على الصمود أمام زحف تكنولوجي هادر لا يمكن إيقاف موجاته العاتية؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية