السينما في خدمة الأيديولوجيات الفجّة: بين «حكاية كيرالا» و«كليوبترا»… الجمهور العربي ضحيّة منتجات الآخرين الرديئة

حجم الخط
3

أثار فيلم دراما-وثائقي جديد، أنتج في الهند، حول نساء هنديات قيل إنّهن تورطن بالانضمام إلى داعش جدلاً واسعاً وحاداً، في مختلف مستويات المجتمع الهندي، لا سيّما بعد أن ألقى حزب» بهاراتيا جاناتا» الهندوسيّ الحاكم ثقله بالكامل وراءه: فأشاد به رئيس الوزراء اليمينيّ المتطرّف ناريندرا مودي، ونظمت له أجهزة الحزب عروضاً سابقة على الافتتاح للعموم في 23 الشهر الجاري، ووزعت الكوادر آلاف التذاكر المجانية لمشاهدة الشريط في دور السينما. ومن الإشارات الأولى للإقبال الجماهيريّ فإن «حكاية كيرالا» سيحقق أرقاماً قياسيّة في أعداد المشاهدين. وتسبب الفيلم بانتقادات واسعة من تيارات المعارضة وقادة المكون المسلم في الهند، بوصفه دعاية أيديولوجيّة محضة لا تستند للحقائق، وتقدّم الإسلام والمسلمين بصورة سلبيّة للغاية، واستخدام سافر لسلاح (السينما) في إثارة مشاعر البغضاء بين الطائفتين الأكبر في البلاد وتفكيك الوئام الديني الهش بينهما. ويروي الفيلم – بحسب شهادات من اطلعوا عليه – حكاية عشرات الآلاف من النساء الهنديات، مسلمات كما هندوسيّات ومسيحيّات ينحدرن من ولاية كيرالا الجنوبيّة، تم إغواؤهن بالمال للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق وسوريا (داعش) والانخراط في جهاد النكاح، وفق ما يقول صانعو الفيلم إنّه نتاج سنوات من البحث والتقصير، ويستند إلى وقائع وشخصيات حقيقة. لكن جهات عديدة شككت في مصداقيّة مزاعم الفيلم، رغم وجود حالات قليلة – لا تزيد عن المئة شخص وفق المصادر الأمريكيّة وأقل من مئتي شخص وفق المصادر الرسميّة الهنديّة – من حاملي الجنسيّة الهندية، تم التيقن من التحاقهم فعلياً بالتنظيم الإرهابي، الذي أثار هلع العالم خلال النصف الثاني من العقد الماضي. الرّداءة المجزية مالياً وأيديولوجياً
حسب نقاد تحدثوا إلى وسائل الإعلام العالمية فإن حكاية كيرالا منتج ضعيف بالمقاييس الفنيّة، ويطرح تصورّات شديدة السذاجة عن الدين الإسلامي والمتحولين إليه من الأديان الأخرى، ومع ذلك، فإن الفيلم سيكون دون شك نجاحاً تجارياً استثنائياً، لا سيّما مقارنة بتكاليف صناعته الزهيدة، إذ أنتج بميزانية محدودة، ودون الاستعانة بأيّ من النجوم الكبار في السينما الهنديّة. وهذه لن تكون المرّة الأولى التي يدفع فيها الحزب الحاكم في الهند أفلاماً رديئة لتنجح في أرقام شباك التذاكر، بسبب المضمون السياسيّ الفج لها، والذي يردد أصداء السياسات الشعبوية والطائفية والطبقيّة للحزب، إذ دعم الحزب في العام الماضي فيلماً تافهاً آخر عن نزوح الهندوس من كشمير خلال تسعينيات القرن الماضي، ليصبح واحداً من أكثر انتاجات السينما الهنديّة ربحيّة وإثارة لمشاعر الاستقطاب بين الهندوس والمسلمين، في الوقت الذي أثارت فيه الحكومة الهندية عواصف من غضب على هيئة الإذاعة البريطانيّة لمنع عرض فيلم وثائقي يكشف عن تجاوزات حكومة مودي على الحريّات الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في البلاد. السينما الهنديّة: تأثير ثقافي هائل قد لا يكون موضوع فيلم سينمائي مهما كانت طروحاته خطيرة بمصدر تهديد للتعايش بين المجموعات السكانيّة في أيّ من دول العالم، لكن الأمر يختلف في الهند، هذه الدّولة القارة، التي يعتقد أن عدد سكانها قد تجاوز للتو عدد سكان الصين لتصبح أكبر الأمم تعداداً. فالسينما هناك، حيث مئات الملايين من الفقراء وغير المتعلمين مصدر يعتمد عليه بشكل أساسيّ للترفيه ومرجعية معرفيّة. وتنتج بوليوود – كما يطلق على السينما الهنديّة بين المتخصصين، أكثر من 2000 فيلم سنوياً – بخمس لغات محليّة تتحدثها المجموعات العرقية المختلفة في البلاد – يشاهدها عدد أكبر ممن يشاهدون انتاجات هوليوود الأمريكيّة عبر العالم، ومتفوقة بذلك على الصين، ونيجيريا، والولايات المتحدة ،وأوروبا.
ويعتقد أن الجمهور الهندي اشترى من 5 – 6 مليارات تذكرة العام الماضي وحده، هذا دائماً سوى المتابعة الواسعة للأفلام الهنديّة من قبل الجاليات الهنديّة في الخارج، وأيضا الجمهور في جنوب آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط وشرق إفريقيا والصين، وأماكن أخرى تصل إلى أكثر من 90 دولة، ما يجعل تأثيرها الأيديولوجيّ -كمنتج ثقافيّ يسهل توظيفه – طاغياً.

الأيديولوجيا والسينما:
توأمان منذ اليوم الأول.. ولكن

في الحقيقة فإن السينما منذ نشأتها الأولى ارتبطت بشكل أو بآخر بالأيديولوجيا، ويراها أغلب المفكرين كلغة تعبير فنيّ ذات طابع أيديولوجي أساساً يستحيل معها الحياد. ويحمّل النقاد معاني مؤدلجة لكل مكونات الفيلم، العمل السينمائي بداية بجهة الإنتاج، مروراً بالموضوع، والأسلوب، والمعاني، والسرد، وانتهاء بقنوات عرضه وإيصاله للجمهور المستهدف. وبالتالي فإن كل فيلم هو بالضرورة منتج سياسيّ على مستويات متعددة، ويخدم توجهاً يقف عليه، ويدفع تكاليفه، وينظّم انتاجه وعرضه.  في هذا السياق، يثير «حكاية كيرالا» الهندي مسألة هامة فيم ا يتعلّق بالمحتوى الثقافيّ – وبخاصة السينمائي – الذي يستهلكه الجمهور العربيّ. فبسبب هيمنة الدول الأخرى – غربيّة وشرقيّة – على غالب الإنتاجات الجديدة، نجد أننا في وارد استيراد مواد ملغومة ثقافياً أو سياسياً تتعارض بشكل جزئي أو كليّ مع الثقافة المحليّة في منطقتنا. خذ مثلاً إنتاج نيتفليكس الوثائقيّ الأحدث عن كليوبترا ملكة مصر في عهد البطالمة، الذي تسبب بامتعاض واسع بين القطاع الأوسع من المصريين لافتراضه أن لون بشرة الملكة كان أسود – دون سند تاريخي حاسم – ما يدعم ادعاءات مؤدلجة حول أصول زنجيّة سوداء للحضارة المصرية، ترّوج لها تيارات أفريقانيّة متطرّفة. لكن كل الصراخ والاعتراضات الشعبيّة والرسمية المصريّة لم تمنع منصة عالميّة تصل لنصف مليار من المشاهدين حول العالم من بثّ الوثائقي، بينما لم تمتلك أكبر دولة عربيّة منتجة للسينما أيّة مواد مضادة تقدمها لمقارعة السرديّة المشكوك بأمرها. إن الحاجة لبناء صناعة محتوى عربيّ لم تعد ترفاً في عهد الفضاءات والإنترنت والسموات المفتوحة. فالفراغات الأيديولوجية لا تنظر طويلاً، وسرعان ما تملؤها الأيديولوجيات المستوردة، هندية، أو أمريكيّة، شرقيّة أو غربيّة لا فرق.

 كاتبة لبنانية تقيم في بريطانيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية