حركة بسيطة نفذها الكمبيوتر الفائق المسمى Deep Blue كانت السبب في أسرع هزيمة مني بها بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف سنة 1997، كانت هذه الهزيمة ناقوس خطر وقتها فتح سؤال إمكان تفوق الآلة على الإنسان على فضاء من المخاوف والهواجس، أن يتغلب وحش السيليكون هذا على بطل العالم بسرعة هو ما دعا أحد المتحمسين للقول ‘سيأتي يوم نبني فيه آلات ستكون فخورة بنا’، ودعا آخر أكثر تحمسا وتوجسا إلى عد البشر مرحلة بين ماضي الحياة القائم على الكربون ومستقبل الحياة القائم على السيليكون!.
توجس لم يخفه جيمس تريفيل في كتابه ‘هل نحن بلا نظير’ بعد أن حاور جهاز كمبيوتر أمامه في احد مختبرات الذكاء الاصطناعي وكأنه يحاور شخصا عاقلا، فذهب يجتهد في ترسيم الحدود بين الإنسان والكمبيوتر ليبحث عن فروقات علمية تميز العقل الحي عن العقل الالكتروني. وأمام سؤال كهذا ممتد من نهاية القرن الماضي إلى يومنا هذا وأمام تصريح بعض العلماء الشهر الماضي بأننا نعيش في عصر الآلة الثاني حيث تفوقت الآلة على العقل البشري وحيث بدأ ينحسر دور البشر لحساب سيطرة الآلة، نجد من المناسب التحقق من مدى تأثير وتأثر السينما به ودراسة علاقة الطروحات السينمائية وتطبيقاتها بعصر الآلة الثاني.
لعل من أكثر الطروحات السينمائية ارتباطا بهذا الموضوع فيلم The Matrix الذي أخرجه الأخوان واتشاوسكي سنة 1999، يطرح الفيلم سيناريو متخيل تكون فيه الآلة قد تفوقت على الإنسان بعد ان استقلت عنه، وانتصرت عليه في حرب ضروس واكتشافها امكانية استخدامه كمصدر للطاقة، ولذا يتم وضع البشر في كبسولات تمتص طاقتهم في حين تزود عقولهم بأجهزة محاكاة لحياة بشرية روتينية وكأن شيئا لم يكن.
تصور الأخوين واتشاوسكي هذا المقتبس من فلسفة المحاكاة Simulation هو استشراف لمستقبل يتم فيه خلق فضاء افتراضي وعالم متخيل عن طريق الكمبيوتر يصلح ان يكون محاكاة لعالمنا، وبالتالي يصل الى ان يكون في مستوى من المستويات بديلا مكافئا او حتى يزعم بعدها أنه لا بديل له. وفي نظري ان فيلم ماتريكس من حيث يطرح هذا التساؤل فهو يجيب عنه لا من حيث المضمون فقط بل من حيث مونتاج الفيلم نفسه الذي قدم محاكاة غرافيكية لمستقبل مفترض وكأنه حقيقة ليكون الفيلم نفسه مفارقة مضحكة، فسندرك ان فيلم ماتريكس من حيث أراد تحذير البشرية من مستقبل سيطرة الآلة ومن دخولنا عصر الآلة الثاني كان تجليا لهذه السيطرة، فيلم يثبت بلا نزاع تفوقها وقدرتها على خلق واقع افتراضي مشابه بشكل غريب للواقع الحقيقي من حيث شكله وابعاده، ستلاحظ ذلك حين تنتقل مع البطل داخل الماتريكس وخارجه، وحين تشاهد ‘نيو’ وأصدقائه وقد اكتسبوا قدرات أسطورية في فضاء مألوف (عمارات، شوارع، قطارات) كأن الحقيقة يعاد انتاجها ومحاكاتها باستخدام الآلة.
قدم الفيلم لأول مرة تقنية تصويرية مخيفة عرفت فيما بعد بتقينة ‘زمن الرصاصة’ Bullet Time، حيث يقدم مشهد بالعرض البطيء لتفادي البطل لرصاصات الأشرار، بينما تتحرك الكاميرا في الأرجاء حركة منحنية بسرعتها الاعتيادية. ما كان يمكن تقديم هذه التقنية لولا المحاكاة الالكترونية واعادة انتاج الصورة الحقيقة ومعالجتها بمصفوفة برمجية تجعل كل شيء ممكنا.
ربما أن الثورة الرقمية الحديثة التي نشاهدها في القدرات الغرافيكية الهائلة في السينما على محاكاة الحقيقة، وظاهرة الهواتف الذكية والكمبيوترات اللوحية وبرامج التواصل الاجتماعي ستزيد من وطأة هذا التساؤل وستعيد بقوة إلى الأذهان هزيمة كاسباروف أمام كمبيوتر IBM الفائق، حيث يزداد يوما بعد يوم احساسنا بتدخل عالم افتراضي يريد ان يحل محل العالم الحقيقي ويعيد الى الأذهان صورة أبطال فيلم ماتريكس وهم ينتقلون بين عالمين.
نلاحظ ذلك في استغلال هذا العالم الافتراضي لشعور الانسان الحديث بالوحدة، ولتباعد مسافات التواصل الاجتماعي بسبب ضغط العمل، ولحالة الفراغ النفسي الذي يعاني منه جيل تتوفر له كل مظاهر الرفاهية والراحة، ليصبح هو المهرب من كل ذلك بأن يقدم نفسه كفضاء تتحقق فيه كل الأحلام، وكوعاء يستوعب ما لا يستوعبه المجتمع الانساني من عواطف وأفكار وعادات فيمتص بهذا ما بقي فيه من طاقة .
ومع أننا لن نصل الى تلك الهواجس المتطرفة التي ستقول بمستقبل تحل فيه الآلة محل الإنسان إلا أننا لا نخفي توجسنا من مستقبل سيتشكل فيه عالم بديل يأوي إليه الإنسان هربا من وطأة الواقع ومشاكله، ونرى نحن بناء على استقرائنا لكم هائل من الأفلام التي طرحت هذا الموضوع مثل I.R opot، وAvatar وSource Code وأخيرا فيلم Transcendenc ، أننا وفي الوقت الذي نحذر فيه من الآلة لا نستطيع أن نتخلى عنها ولا أن ننكر أهميتها في تسهيل المعرفة وتيسير التواصل وتسريعه، وفي أثرها المباشر في تشكيل رؤى أعمق ومدارك أوسع، بل ورأينا لها آثارا سياسية قوية خصوصا في الربيع العربي. ونرى أيضا أن هناك سعيا حثيثا في الغرب لمحاولة الإجابة عن سؤال الهوية والمعرفة الإنسانية بناء على تصوره للإنسان.
فها نحن نرى صورة كاسباروف بعد الهزيمة واضعا كفيه على رأسه شبيهة بصورة الغرب أمام سؤال الفرق بين الإنسان والآلة، وأمام سؤال أصل التفاوت بينهما هل هو في النوع أم في الدرجة، وإلى حين يتوصل فيه الى إجابة يمثل أمامنا وأمامه قول مورفيوس للبطل نيو: ‘أهلا بك في صحراء الحقيقة’.
[email protected]