السِّيولة في العبور الإجناسيّ

قطعت النظرية الأدبية في معالجتها لإشكالية التجنيس الأدبي مشواراً ليس هيناً، لا يمكن فضّه أو تعميقه بمقال أو مقالات، بسبب ما رافق كل شوط من أشواط هذا المشوار الطويل من معطيات فكرية وتاريخية، لم يكن أمر تجاوزها باليسير ولا التعدي عليها مخالفةً ومغايرةً بالبسيط؛ ومع ذلك فإنّ التغيير حاصل حتما.
والسبب ما اتسمت به النظرية الأدبية من سيولة فكرية ليس فيها تحرز ولا انغلاق، مما كنت قد طرحته في مقال منشور لي في مجلة «الثقافة الجديدة» المصرية عدد 348 سبتمبر/أيلول 2019 تحت عنوان «سيولة النظرية الأدبية الأجناس، الأنماط، الصيغ» مبينة كيف انتفت عن النظرية الأدبية بنيوية التموضع وشكلية التجانس، وصارت تتعامل مع الأجناس بمائعية النسقية المفتوحة، وبمعايير صريحة وضمنية في فهم (الأدبية) فلا قوانين تحكم الأدب، ولا دساتير تموضع توجهاته؛ إنما هي سيولة النظرية، التي فيها تنطوي نظريات، وبشكل يضاهي ما يطرأ على الأدب من تغييرات بنائية، مماشية بذلك التنوع في الإبداع، متحفزة للتطورات في الفكر الإنساني، ومواكبة التبدلات في حمولاته الفلسفية والتاريخية، وبهذه الروح تنتعش النظرية الأدبية على الدوام فاعلة ومتجددة. وانطلاقا من هذه الرؤية المائعة لا يوجد في النظرية الأدبية توحيد اصطلاحي إزاء مسميات (الأدب، الشعر، النثر، السرد) يمكننا به أن نوضح العملية الإبداعية، متعاملين مع هذه المسميات بوصفها فنونًا أو أنواعًا أو أجناسًا، أو هي أكبر من أن توصف بكل ذلك معًا.
ومن تبعات هذا اللاتحديد في مسمى إبداعي ما، أن يصبح التجنيس والتنويع واحدًا، ولا يعود هناك فارق بين نوع هو فرع من جنس، أو جنس هو بذاته مفرِّع إلى أنواع وأشكال. والشّعر والنثر في أصول النظرية الأدبية ليسا بجنسين، لأن كل واحد منهما فن أدبي تنضوي فيه الأجناس والأنواع. وللشعر مثلما للنثر أنواع، لكن مساحة التنويع في النثر أوسع منها في الشعر، لرحابة الكتابة النثرية ومحدداتها غير الصارمة نوعاً ما، ولا سيما ذلك الفن النثري الذي يتخذ من المخيلة أداة لتجسيد الواقع المعيش، وأعني به السَّرد. وأقول فنًاً لأنه باتساع مساحة تمثيله إبداعيا يتعذر عدّه جنسا يلمّه قالب معين، كما يستحيل وصفه نوعا ينبثق عن جنس أكبر منه. والسرد والنثر كلاهما فنٌ دالٌ على أدب مكتوب بلا خصوصيات وزنية ولا تناسبات إيقاعية أو تنغيمات لسانية، وبأنماط كتابية تتقولب في صيغ متباينة، ولكل صيغة سمات بها تفرض لنفسها خصوصيات إبداعية، تجعلها مندرجة في جنس محدد بعينه،، أو نوع منتمٍ لجنس أكبر منه. وإذا أردنا تعداد تلك السمات وهذه الخصوصيات فستكون كثيرة بكثرة عدد فنون السرد وتنوعها، ومنها الحكاية والمقامة والرسالة والخطابة والمقالة والرواية والقصة والمسرحية والسيرة والخاطرة والخبر والنكتة والومضة وغيرها.
ولكل شكل سردي جمالياته التي قد لا تتوفر في الأشكال الأخرى، أنواعاً كانت أو أجناساً من ناحية التوحد النظري، أو طبيعة الممارسة، وما ينتج عنهما أي التنظير والممارسة من أمثولات هي بمثابة سرديات، منها يستمد النوع وجوده ويتخذ شكله، الذي به يدلل على قالبه، الذي يظل متاحا لاستيعاب حدود جديدة وهضمها، كما يكون قابلا لأن ينصهر فيه حد أو حدان أو أكثر، تعبيرًا عن سعة التمثيل السردي، الذي يتجاوز الظاهر الشكلي ويمتد غائرا إلى الباطن الموضوعي.

القول بوجود نصوص عصيّة على التجنيس، والإحساس بالحيرة، في وضع تحديد إجناسي لها، سيتبدد أمام سيولة التجنيس العابر باشتراطات التوليف والصياغة والضم للأساليب والبنى والإطارات.

من محصلة هذا الافتراض يصبح ميدان التناظر والتماثل في الكتابات بقصد قولبتها في أصناف وخانات ميدانًا غير دائم، لأنه قد يغير مجراه، متحولًا أو مستأنفًا أو مداخلًا أو عابرًا من حالة هي ادعاء، إلى حالة هي حقيقة. وكثيرًا ما يتم التعامل مع مسميات من قبيل (سرديات الماء. سرديات النار. سرديات العنف، أو شعرية القصيدة. شعرية المكان. شعرية الماء، أو أدب المنفى. أدب الخيال العلمي . أدب الاطفال، إلخ) على إنها اصطلاحات إجناسية، والصحيح أنها مجرد توصيفات نقدية. ولو وقفنا عند واحدة من هذه المسميات لوجدنا أنها عبارة عن ممارسة تطبيقية مرتكنة في الأساس إلى أبعاد نظرية تجعل منها مفهومًا منبثقًا عن منهجية نظر فكري مخصوص في العملية الإبداعية، ومن ثم هي ليست تنظيرات في الإبداع ذاته الذي فيه تتقولب الأفكار داخل أشكال أدبية ذات حدود نوعية لا يشاركها فيها سوى من كان متجانسًا معها، لتكون بمجموعها مندرجة في خانة جنس مستقل بعينه.
فنحن مثلا نعترف نقدياً بوجود إنتاج أدبي محدد مثل أدب الأطفال، والأدب النسوي انطلاقا من منزع فلسفي وفكر ثقافي، يريد الانتصار للحيوات المقموعة والمهمشة، ليجعل منها عناصر مهيمنة بفاعلية ومركزية؛ لكننا بالمقابل لا نقر بها أجناسا أدبية، أولا لعدم وجود قالب نوعي مستقل بها يميزها بحدود معينة عن غيرها، وثانيا أننا إذا عددناها أجناسا، فعلينا إذن أن نعترف بأدب للكبار وأدب آخر للرجال ونعدهما أجناسا أيضا، وثالثا لأن المؤسسة الثقافية الحاضنة لا تعترف بهذا كله، ناهيك مما تفرضه مستشعرات النظر الفكري حول التجنيس في خانات، التي لا تأخذ بنظر الاعتبار إلا ما تمتع بالعمومية والإنجازية، مبدئيا وتاريخيا وفعليا، ولم يكن معبرا عن حالات خاصة تقتصر على جانب من جوانب الحياة. والجنس الغالب على الأجناس السّردية الأخرى، هو الذي يتمتع بالتداخل ثم العبور Transit وبذلك تبطل التقولات حول موت جنس أدبي معين، وتتفند دعاوى اضمحلاله واندثاره، وأن لا مستقبل له.
ويشير تاريخ دراسة الأجناس إلى الاضطراب في وضع نظرية ناجزة في نقد الأجناس الأدبية توطد نسبيا جدلية التعاطي مع تسميات يُراد لها أن تستقل إجناسيا، منذ أرسطو إلى البنيويين، وما بعد البنيويين، أو يراد لها أن لا تستقل عند دعاة النقد الجديد، الذين اغتنوا كثيرا من أبحاث الشكلانيين اللسانية، فوجهوا بها منظوراتهم حول الأنواع الأدبية، وأدبيات التجنيس، حتى ساهموا بقوة في بلورة فرضيات وصياغة منعطفات بالغة الأهمية، ووضعوها على جادة التجنيس عبر العقود المنصرمة.
من هنا يأتي العبور الإجناسي نظرية أدبية بشَّرتُ بها لأول مرة في مقالي المنشور في «القدس العربي» بعنوان «التجنيس الأدبي من التداخل إلى العبور» وطرحتها مفصلة ومستقلة وبمعالجات إجرائية في كتابي الجديد «نحو نظرية عابرة للأجناس في بينية التجنيس والتمثيل» الصادر مؤخرا عن دار غيداء للتوزيع والنشر في الأردن، وبأكثر من ثلاثمئة صفحة من القطع الكبير، وفيها عرضت لمتعلقات العبور من بينية وتجسير وعابرية وانتقال، إلى آخره من مفهومات تدلل على التطورات المتسارعة في نظرية التجنيس، وتبعد الغموض والتشتت عن نظرية التداخل الإجناسي، التي تركت حبل التجنيس على الغارب، فكان عرضة للتلاشي في اللاتجنيس.
إن مفهوم العبور لوحده كافٍ لإيقاظ الانتباه إلى أنّ لا نهاية لمشوار فيه التداخل متاح والتجسير قائم، وأن لا فوضى مع نظام يحفظ للكتابة الأدبية قوالبها الإجناسية، التي هي ليست تقييدات حديّة أو تسمرات قطعية، بقدر ما هي تفاعل وانطلاق وتجديد، لن تطاله الفوضى، ولن يصيبه الوهن ولا التضعضع، بل العكس هو تمتين وتآزر ينطوي على إمكانيات جديدة في الكتابة الأدبية، معطياً للجنس الواحد قوةً مضاعفةً هي أكثر بكثير من الذي كان عليه قبل أنْ يكون جنسًا عابرًا.
ومن باب آخر فإنّ القول بوجود نصوص عصيّة على التجنيس، والإحساس بالحيرة، في وضع تحديد إجناسي لها، سيتبدد أمام سيولة التجنيس العابر باشتراطات التوليف والصياغة والضم للأساليب والبنى والإطارات. وهذا الأمر لا ينهي الحيرة لدى المبدع والمتلقي فقط؛ بل يفتح باباً أوسع للتجريب والإبداع تجديداً وتغريباً داخل قالب الجنس الأدبي العابر Transient literary genre.

٭كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية