«الشاطئ الآخر» فيلم لماهر أبي سمرا يلج عالم ذوي الحاجات الخاصة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: تجربة سينمائية مختلفة خاضها صاحب «شيوعيون كنّا» و»مخدومين» مع جديده «الشاطئ الآخر». أراد المخرج ماهر أبي سمرا ادخالنا إلى عالم ذوي الاحتياجات الخاصة في شريط من 62 دقيقة، حاول خلاله سبر أغوار حياتهم. عُرض الفيلم ضمن مهرجان «شاشات الواقع» في بيروت، وفي صالة مجهّزة بكافة متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة ليتمكنوا من متابعة العرض.
في تقديمه لفيلمه أعلن أن سيلفانا اللقيس ورطته به، هو الذي كان جاهلاً تماماً لعالم المعوقين. ما خلُص إليه أبي سمرا من ورطته هذه أنه ليس لغير المعوق أن يقرر عنه. وأن الأسئلة عن المعوقين كانت دافعاً لإنجاز الفيلم، الذي تضمّن الكثير من الاكتشاف، بحسب تجربته.
بطلا فيلم «الشاطئ الآخر» هما سيلفانا اللقيس ومحمد لطفي. سيلفانا مقعدة ومحمد ضرير، كلاهما اتكل على الآخر في رحلة قادتهما إلى أماكن عدّة، وإلى حوارات بقينا نحن المتابعين لهما على أطرافها. حوارات لم نتمكّن من دخول أعماقها، بل بتعبير أكثر دقّة لم نتمكّن من الإحساس بها.
بين سيلفانا ومحمد عالم من الهدوء والسكينة، والحوار والاكتشاف. عالم حاولنا استيعابه كمتلقين وكبشر يعيشون في بيئات مختلفة تتيح لهم بتفاوت التماس مع ذوي الاحتياجات الخاصة. استيعاب حال المعوقين وأحوالهم بقيت دونه عقبات. فشلنا تماماً من الدخول إلى صلب واقعهم، بل تسمّرنا على أطرافه، ولهذا كانت الغربة عن الواقع الذي نحن حياله تلفحنا بين حين وآخر. تأكد ذلك أكثر عندما وضعنا المخرج أمام النفق الطويل، دون أن يُظهر لنا نهايته. أكد رمزياً انضمامه إلى قافلة غالبية الناس العاجزين عن فهم حال وأحوال ذوي الاحتياجات الخاصة. ليس رفضاً لهم، بل لأنه عالم مشاعر أكثر منه عالما ماديا. والمشاعر لا تتحرك بكبسة زر أو بشيك مصرفي. إذ لا يكفي القول إننا قمنا بواجبنا نحو ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال الخدمات بحدها الأدنى، وإعلان براءتنا من المسؤولية.
أن يشعر المتلقي لفيلم «الشاطئ الآخر» بثقل متابعته، فهذا مردُّه أننا في الحياة اليومية نادراً ما نتلمس وجود ذوي الاحتياجات الخاصة أو نشعر بمعاناتهم. وقد يكون تشاركنا مع المخرج بالأحاسيس عينها أدى به إلى تركنا هائمين على ضفاف فيلمه وموضوعه.
تداخلت الصور لدى أبي سمرا بين الواقع والأنيمايشن. ترك بطليه سيلفانا ومحمد يحكيان ما يحكيه أي إنسان عن مسؤولياته وحياته الخاصة. كل منهما يحمل همّ والديه، ولا يتنصّلان من المسؤولية بتركها للأصحاء من الإخوة، أو أي فرد من العائلة.
سيلفانا ومحمد شخصيتان متميزتان بالقوة والإرادة. يمتلكان لغة حوار تقول كم اجتهد كل منهما لتكوينها عبر العلم والمعرفة والمطالعة. وإليها أضافا خبرة حياة خاضاها بعزيمة وإقدام. هما يجدان في جزء من حياتهما فعل مقاومة، فـ»ليس من السهل تغيير لغة الناس» يقول محمد. وتقول سيلفانا في معرض نقاش مع محمد إن اعاقتها تتواصل وتشعر بها، لأن تصميم المرافق العامة لم يأخذها بالاعتبار كصاحبة حاجة خاصة.
بثقة تامة تنتقل سيلفانا إلى المجتمع والوصايا والأسس المفروضة عن سابق تصور وتصميم. تستهزئ بـ»خبرية الجسد المألوف وغير المألوف، والعادات والتقاليد». وكأنها ترى في هذا المجتمع تسلطاً وقمعاً حتى للمشاعر لتطلق بحقها الأحكام وتُسن الأعراف.
وفي جانب من هذا الوثائقي ترك المخرج مساحة ملحوظة لبطليه في انتقاد سلوكيات المؤسسات الخاصة المعنية بأصحاب الاحتياجات الخاصة، وكيف تتعامل مع اعاقتهم لهدف استدرار العطف وجمع المساعدات.
العدالة بين مختلف الناس هي المطلوبة من قبل سيلفانا ومحمد. فهل ستتحقق؟ وإن تحققت هل سيمكنهما كذوي احتياجات خاصة السباحة نحو الشاطئ الآخر؟ وهل سيمكننا نحن كبشر لا نشعر ولا ندرك بحقيقة حياة ذوي الحاجات الخاصة من السباحة نحو الشاطئ الآخر؟ ربما؟
لماهر أبي سمرا تحية لإضاءته على موضوع من صلب الحياة، منحه المساحة التي يستحقها، حتى وإن كانت مشاهدته ستقتصر على نخبة من المهتمين والمتابعين للشأن السينمائي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية