رغم انتقالي إلى مدينة الرقي والحضارة والسلام لندن الحبيبة مازلت أتنفس شيئاً لا يعرفه إلا هواء أشجار الأرز… ومازالت أحلامي لا تألفها سوى زرقة سماء بيروت… ومازالت في داخلي طفلة تركض بين المباني مع أصدقائها في الأحياء المجاورة لا خوف من غريب يأخذها فالكل يعرفها حتى عواميد الكهرباء ….
ومازلت حين أبكي بحرقة لا أنتمي إلا لندى الياسمين الدمشقي… وحين أضحك لا أحد يفهم ضحكتي سوى بيوت قرية صغيرة تدعى كفتون في شمال لبنان …
انتقلت إلى مدينة لندن وانتقلت معي صديقتي القصيدة… صديقة وفية احترفت حبها واحترفت حبي… إذا بكيت تبكي معي كالأطفال دون تكلف… وإذا رقصت فرحاً تتمايل طربا ببساطة فلاحة جميلة تراقص قربة الماء على حافة النهر…. وإذا تكلمت عن الحب يحمرّ وجهها خجلاً وتبقى القبلة الأولى قصة حبها الوحيدة…
وحين أخبرها عن أنوثتي تلبس الحلق الطويل الرنان وتزيّن نفسها بالكحل العربي وتستعير من تفاح بستان جدتها ليلى بعض الحمرة الجورية لشفتيها وتسدل شعرها الطويل ذا الكثافة الشرقية بحنان فوق غفوة الليل…. وحين أَملُّ تأخذني بيدي ونمشي لساعات طويلة تحت رذاذ المطر نبحث عن رومانسيتنا المشردة وعن ضوء قناديل الزيت القديمة التي نفتقد شعاعها في شوارع لندن الأرستقراطية…
فيا صديقتي القصيدة نحن في ورطة كبيرة من يفهم روحنا وتأججنا وتفاعلاتنا الداخلية في الغرب الغريب؟
وهل إن عدنا إلى بيروت سنعود كما رحلنا؟
من نحن يا قصيدتي وما هو انتماؤنا وما هي هويتنا الداخلية؟
وهل خطيئتنا المميتة تكمن في الرحيل نفسه… ربما… ربما لو لم نرحل لبقينا في مناخنا الطبيعي…
‘ شاعرة لبنانية
مريم مشتاوي