الشاعر المصري عبد المنعم رمضان في «الشهيق والزفير»: نظرات نقدية تتوخى مطاردة الشعر

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في كتابه في نسخته الثانية «الشهيق والزفير- مريض بالشعر» يقدم الشاعر المصري عبد المنعم رمضان رؤيته الخاصة لمجايليه من الشعراء المصريين والعرب، وللآباء والأبناء الذين يشكلون توجها فنيا ذا خصوصية من حيث الاختيار والانتماء للفن في نصاعته وحركته وابتعاده عن الثبات، وكأنه يقدم لنا في هذا الكتاب سيرة شعرية لذات مبدعة مشيرا إلى تاريخها الفني وارتباطاتها، وإلى اختياراتها وانحيازاتها الفنية. فهو لا يعرض لنصوص الشعراء انطلاقا من توجه مباشر كاشف عن القصدية، وإنما يشعر المتلقي أن ما يكتبه استجابة طبيعية لحالات التآلف، خاصة أن هناك قناعة لديه وقاعدة واضحة تتمثل في الكتابة فقط عما يحب فقط، حتى لو لمح القارئ أن هناك تباينا أو اختلافا فنيا مع شاعر كتب عنه رمضان فسيجد أن الشعر حاضر ومتجل في الأساس، ولكن الفارق يكمن في طبيعة التوجه والاختيارات والانتماءات الفنية. مقاربة رمضان للنصوص ليست مقاربة شارحة تقليدية، هي محاولة للاقتراب، ممسوسة بالاكتناز والاختزال، شبيهة إلى حد بعيد بكتابة الفن الشعري، توحي ولا تقرر، ترمز ولا تكشف، ولهذا في كتبه التي تقارب الفن يثبّت العنوان، وإن تعددت الطبعات والنسخ، فالشهيق والزفير- وإن ارتبط بالشعر فقط من خلال عنوان فرعي مريض بالشعر- نسخة تالية مغايرة لكتاب سابق نشره من فترة طويلة. فما يصدره الشاعر من دواوين شعرية أو كتب نقدية يجب أن يظل مرتبطا – على حد قوله في تصوره المثالي – بكل ما ننشره فيما بعد، أي أننا مع كل طبعة جديدة نضيف القصائد الأحدث إلى الطبعة السابقة، ونبقي العنوان كما هو.


فالعنوان – الشهيق والزفير – يشير إلى قيمة هذا الفن الشعري، فهو من خلال الفعلين يمثل الحياة لصاحبه، وأن ما يكتبه ليس إلا تجليا مغايرا مساويا للكتابة الشعرية ذاتها. ما يقدمه في هذا الكتاب مطاردة للفن غير محدودة بزمن أو نمط كتابي، مشدودة لمطلق الكتابة. فإشاراته النقدية نتفق معها غالبا، والقليل الذي نختلف حوله لا نستطيع أن نرفضه، فهو في كل ذلك سواء مع شعر مجايليه أو سابقيه أو من أجيال تالية يقدم رؤيته وذائقته، أو على الأصح يقدم لنا اختيارا فنيا لتكوينه، وكيفية تشكيل هذا التكوين.
في أحكامه يلحظ المتلقي حركة الوعي في تلقي شعر السابقين، وفي اختيار الآباء والأبناء، وسرعان ما يبهت أثر وجود بعضهم، أو يظل موجودا على نصاعته، كاشفا عن مساحة من الاقتراب والتوجه، فيصبح الحديث عنه في حالة استمراره أو سقوطه لأسباب عديدة حديثا عن توجه فني، وإيمان باستجابات متلاحمة ومتداخلة، ومفهوم خاص للشعر يتعاظم على الثبات والتقعيد، وكاشف عن حركة ومساءلة مستمرين.

ما الشعر؟

لم يتوجه رمضان في كتابه للإجابة عن هذا السؤال بشكل مباشر، ولكن كل جزئية فيه مهمومة به، وبمحاولة الاقتراب منه، وليس تحديده، فالشعر يمنحنا الاقتراب منه، والشعور به، ولكنه لا يمنحنا اليقين بإمساكه وتحديده، فهناك دائما شكوك في اليقين، شكوك في الإنجاز والاكتمال، فالشعر إنساني كوني لا يمثل أحدا سوى صاحبه، براق الإنسانية في التعالي على المحددات العرقية والمذهبية والزمنية والمكانية.
في مقالته الأولى بالكتاب (قصيدة النثر لايف أم أسطوانة) يحاول الاقتراب من هذه الجزئية، وكعادته حين يحاول أن يكدّس شيئا لا يمكن تكديسه، أو تمرير فكرة أو على الأصح تقريبها وجعلها في متناول الفهم والإدراك يلجأ للحكاية أو للسرد أو للمعرفة أو للثقافة، فيشير إلى ما قام به بورخيس بمقولة القديس أوغسطين الذي قال: ما الزمن؟ إذا لم تسألوني ما هو فإنني أعرفه، وإذا سألتموني ما هو فإنني لا أعرفه. بورخيس وضع لفظة الشعر مكان الزمن.
وظيفة الحكاية التي يسردها قبل تقديم أحكامه ترتبط بتسويغ هذه الأحكام وتمريرها، ونفي الذاتية – أو بشكل أكثر دقة – جعلها تقترب من الموضوعية، وتعميم وجهة نظره. هذه الذاتية يمكن أن تكون السمة الأبرز في إشارات رمضان النقدية، ومحورية الذات لديه ليست بالمفهوم التعبيري الساذج، ولكنها مقياس لكل شيء، للقرب والبعد، وللحب والنفور، ولصناعة البراح والتشابه والتوحد، ولبناء الأسيجة الفاصلة التي تفضي للاختلاف والتنافر، هي وسيلة أساسية لمقاربة العالم. بالإضافة إلى وظيفة أخرى لا تقل أهمية عن السابقة، فهذه الحكايات أو القصص التي يتوسل بها تشدّ الكتابة إلى المنطق، إلى الواقع، فالكتابة عن الآخر إذا كانت غنائية ذاتية يشعر معها المتلقي أنه أمام نص شعري مملوء بإيقاعه، ومزدان بدلالته، ولكنها ليست الدلالة التي يبحث عنها الناقد، فجزء كبير منها – بالرغم من مشروعيتها – خاص وذاتي.
الشعر يصبح حركة الروح وإيقاعها في ارتباطها بالعالم، فهناك تسام عن الواقعي أو العرضي، وإن ظهر في نبراته – أي الصوت الشعري – أثر لذلك الواقعي والعرضي، فإنه يظهر بوصفه حالة ممتدة خارجة عن إطارها الزمني، متلبسة بالماضي والحاضر والمستقبل في آن، فالشعر بحث ذاتي دائم عن أسئلة لا تتوقف، فكل لحظة وصول هي في الأساس لحظة بداية منفتحة. يتجلى ذلك واضحا حين يقارن المتلقي بين وقفته غير المقصودة بشكل مباشر أمام أدونيس، ووقفته المتأنية بشكل لافت أمام شعر محمود درويش في مجموعة من المقالات.
لقد ظل الاختيار المرتبط بالقناعة الفنية للشعر القلق القادر على إثارة الأسئلة المستمرة، ولا يركن إلى الثبات والإحساس بالتجذر والإنجاز ومطلق التكوين، عنصرا فاعلا في وقفات رمضان النقدية. فهو لا يتوقف كثيرا أمام التصنيفات الجاهزة، ولا يصغي بكبير اهتمام إلى المؤسس المفاهيمي المستقر مثل (عمودي- وتفعيلي- ونثري)، لأنه يبحث عن الشعر في ارتفاعه وتفرده، فالشعر في منطقه فوق هذه التقسيمات، ولهذا لا ينحاز لنمط إبداعي دون آخر. فنراه يتوقف عند الشاعر عبد الرحمن مقلد، ويقف بشكل لافت عند أربعة شعراء من مصر، وهم على الترتيب إيمان مرسال ومحمد متولي وجرجس شكري وعلاء خالد. ويبدو أن اهتمامه بشعرهم يتساوق مع منطلق الذاتية بوصفه المنطلق الأول في إبداعه والتفاتاته النقدية. فالشعر في إبداع هؤلاء الشعراء – على حد قوله – معرض لأن يكون سيرة، ويوميات ومدنا ضائعة، فالسيرة هي أهم المداخل إلى رغبتهم في التميز بما هو شخصي، الشخصي عندهم مملوء بالثقوب والمعايب والنقص.
وإذا كان رمضان لا يقيم وزنا كبيرا للتصنيفات الجاهزة المستقرة، فإن التوجه ذاته سيكون حاضرا في التصنيفات المكانية الكاشفة عن محاولة الوصول إلى الخصوصية، فهي لا تستند إلى أسانيد فنية، وهي وسيلة من وسائل الاستقواء والتعاظم والحماية، لأن الكثيرين من الذين يستندون إلى مقولات مثل الشعر المصري أو السوري أو المغاربي غالبا شعراء محدودون عاديون، أما الشعراء الحقيقيون فهم ينتسبون للشعر في عليائه، ولديهم قدرة على التعاظم على كل هذه التقسيمات الفنية مثل مقولة الأجيال، أو على المكان أو الوطن، فالشعر طائر يندّ عن التحديد.

آليات المقاربة

في مقاربته للشعراء – خاصة الآباء الذين ظلوا آباء بالرغم من نمو الوعي وحركة الزمن مثل المازني وأدونيس والذين خفت وميضهم بالتدريج ليصبحوا إشارة إلى أبوة سابقة أو منتهية مثل حجازي – لا يقارب نصوصا أو دواوين، وإنما يقارب مجمل المشروع أو الصورة أو الحالة المستقرة الموحية داخل السياق العام، فنراه يتوقف أمام هذه الصورة مشيرا إلى قيمتها أو مخلخلا أسسها ومرتكزاتها.
شعرية الآباء الحقيقيين ليست زمنية، أي ليست مرتبطة بواقعة أو حدث سياسي أو توجه أيديولوجي، ومن هنا يتشكل تفريقه في طبيعة النظرة إلى منجز أمل دنقل – بعيدا عن ديوانه الأول وثيق الصلة بحجازي ونزار قباني – واختلاف هذه الوجهة بين مجمل دواوينه وديوان «أوراق الغرفة 8»، وذلك بسبب حضور الذات في مواجهة أسئلة كبرى مثل الموت والحياة والوجود، مما أسهم في تصفية الصوت الشعري إلى الذاتي والفني والشعري بعيدا عن السياسي والعرضي والزائل.
أحكام رمضان ذاتية، فهي شديدة الخصوصية، وربما تكون صادمة، ولهذا في تقديمه للأحكام النقدية لشعر الشعراء أو مجمل منجزهم يستخدم كثيرا من الآليات للتأسيس لهذا الحكم، ولتجذير مشروعيته. فحين يتوقف عند شعر بعض مجايليه بشكل عرضي غير مباشر، يترك إصدار الحكم لغيره، فكأنه – والحال تلك – ناقل قول أو حكم، وليس مؤسس أو مصدر هذا الحكم.
إشاراته النقدية إلى الشعراء لا تخلو من الذاتي المنفتح على المعرفة الشخصية الوثيقة في أحيان ليست قليلة في الاقتراب من المبدع ومنجزه، ولا يمكن أن نفصل رؤيته عن فكرة صراع الأجيال والتجاوز والانتقاء والاختيار، فالوقوف بأمل دنقل عند سقف إبداعي محدد كان توجها لدى معظم أفراد هذا الجيل، يتجلى ذلك في مقولة حلمي سالم (أدونيسيون لا دنقليون)، فهذا في الأساس اختيار فني، وانتماء للفني والأبدي بعيدا عن اللحظي والعابر، وبعيدا عن الحادثة التي سوف تذوب وتنسى، ويبقى النص بالرغم من راهنيته الزمنية ناقصا، وفي احتياج دائم للارتباط بها.
وثمة سمة أخرى يمكن الوقوف عندها في نظرات رمضان النقدية تتمثل في كونها اختزالية لعموم المشروع لأي شاعر، لأنها بكونها اختزالية تظل منفتحة على الشعري والفني في صياغتها، ومن ثم ففيها جزء من الروح، وجزء من الإبداع، والروح والفن لا يمكن التعبير عنهما أو الإمساك بهما بشكل مباشر، وإنما نكتفي بالمطاردة، وبشكل خاص من أشكال الالتفاف والحنو والحومان حولهما. فالجهد النقدي في هذا الكتاب مساو للجهد الإبداعي، ففي توصيفه لمشروع حلمي سالم في كلمات بسيطة يقدم توصيفا لافتا ولكنه يظلّ ملغزا، لأنه يقدم رؤية شاعر لشاعر يقفان على بساط فني متساو، بالرغم من كونهما غريمين لفترة، وصديقين في فترة أخرى. فقد وصفه بوصفي (فائض الطاقة)، و(شلالات اليقظة)، فالطاقة واليقظة كانا ذخيرة حلمي سالم الوفيرة.
الكتابة الفنية عن الشعر في هذا الكتاب كتابة خاصة بل شديدة الخصوصية، ليس فقط لأنها ترتبط بشاعر حقيقي، وليس لأنها – أيضا – ترتبط بناثر له خصوصية لافتة، وإنما في تصوره الخاص جدا عن الشعر، ذلك الفن القريب جدا، ولكنه يتفلت حتى تظن أنه بعيد جدا، ولكننا ليقيننا بوجوده لا نكفّ عن مطاردته، ومحاولة الإمساك به، وإن ظلت إلى الأبد محاولات متكررة مخذولة بالفشل، ولكن هذا الفشل لا يمنعنا من تكرار المحاولة مجددا.

عبد المنعم رمضان: «الشهيق والزفير ـ مريض بالشعر»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2020
373 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية