الشاعر المصري محمود سباق في “أوراق الشمال والجنوب”: أنماط التفكك والانتقال بين السيرة الفردية والجماعية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوان “أوراق الجنوب والشمال” للشاعر محمود سباق، الفائز بجائزة الاتحاد العالمي للشعراء، هناك مداخل عديدة للدخول منها إلى الديوان، ربما تكون أولى هذه المداخل متمثلة في طبيعة الصور، وتكاتفها بشكل لافت للنظر. فقارئ الديوان سيطالع غابة الصور الجزئية المولدة بالتجاور والتشابه مع بعضها البعض، وهذه الصور على المستوى السطحي قد تكون متباعدة، ولكن بسبب قدرتها في توليد أثر نفسي موحد تتكامل بالتجاور، وتترك أثرا وفاعلية لحظة التلقي.
ثمة مدخل آخر يرتبط بالسرد، وتعدد الساردين في النص الشعري، أو وجود الحوار المحكي بين شخصيتين يرتبطان بالذات الشاعرة، وفي ذلك تهشيم متعمد لفكرة البطولة، فيجعلها منفتحة وتعددية. وثمة مدخل يرتبط بالتوظيفات النصية للتراث الشعبي أو الديني أو الأدبي الذي تجلى بشكل لافت في نصوص الديوان. لكن هناك استراتيجية بدأ الشعور بحضورها واضحا في شعر الشعراء الشباب، تتمثل هذه الاستراتيجية في الاهتمام بالفكر، فالشعر لدى هؤلاء الشباب- ربما لغرابة العالم الذي نعيشه حيث يصدر لك ظواهر متناقضة بشكل جذري- لم يعد تعبيرا مباشرا، وإنما أصبح فكرا ومساءلة وتأمل كيانات متباينة.
يشعر القارئ -بالرغم من الغنائية الواضحة التي تتجلى في النصوص، وكأنه من خلالها يجذر انتسابه إلى شعرية عربية وإلى نفس تراثي محسوب بدقة في أحيان كثيرة- أن هناك نسقا موضوعيا تشكله القصائد، وتسهم في تكوينه. فهناك موضوع أو تيمة تشكلها وتخلقها القصائد، وهي تيمة التوزع بين الشمال والجنوب أو الجنوب والشمال، وعلاقتهما ببعضهما البعض، وطبيعة الترابط والتراتب بينهما.
يبدو الثابت منهما مكتفيا بذاته أقرب للاكتمال، ويبدو المتحرك يعتوره النقصان في حاجة للالتحام بالآخر، للوصول للاكتمال والهدوء والاستقرار.

النص الشعري في هذا الديوان مهموم بكتابة سيرة جماعية، وسيرة فردية لنسق التوزع بين الجنوب والشمال، كاشفا عن تكوينات فردية وجماعية ذات خصوصية، وكاشفا عن الإشكاليات التي تواجه هذا النسق، وعن الأزمات النفسية التي تجعل تكوينهم أكثر هشاشة منفتحا على الغنائية من جانب، وعلى الحزن بشكل عام من جانب آخر.
هذا التكوين الخاص الموزع بين الشمال والجنوب كاشف في الوقت ذاته عن انحيازات لنسق دون آخر، فالجنوب يلح في الديوان بوصفه نسقا مقدسا مكتفيا بذاته في ثباته. وأن الخروج من إطار هذا النسق ليس إلا تشظيا ونقصانا، وخلخلة ضد منطق الأشياء. وهذ الأمر كان له دور مهم في ترتيب خاص لقصائد الديوان، وفي زحزحة البطل السارد أو المسرود عنه من شخص إلى آخر، وفي التوزع بين متكلم وغائب، وفي التماهي بين الأب والابن. الأب بوصفه فردا، وبوصفه نمطا يعبر عن آخرين مشابهين يسيرون وفق المنطق والسنن المحدد بنزوع السابقين، بشكل لا ينتهي بمرور العصور والأزمنة.
إن سلوك الإنسان وتصرفاته ليست منبتة الصلة عن ماضيه، فهي نتيجة له ومرتبطة به، ومن ثم فالنصوص الشعرية في هذا الديوان لا تقدم سيرة ذاتية للشاعر فقط انطلاقا من استغراب حاله ومساءلة تصرفاته، وإنما تقدم لنا في البداية- وكأنها تجيب عن سؤال مهم يرتبط بتجلي الشاعر على هذا النحو- قراءة باطنية للسياق الذي أوجده، فيعاين سلوك الجيل السابق المشدود حتما إلى سلوك أجيال سحيقة.


السيرة الجماعية ونمط الحركة

حين يأتي في إهداء النص الأول “الأب والابن من المنبع إلى المصب، إلى النيل الأب الخالد” فهذا معناه أن هناك توازيا وتشابها بين الأب والنيل، فكلاهما شكّل النسق، وطبيعة الارتباط بين الشمال والجنوب، فالنيل المشكل الأساسي للحركة، وكلاهما- الأب والنيل- واهب الحياة.
وبالرغم من أن النص جنائزي، يأتي الأب في صورته الأولى متحدا بالنهر، ومرتبطا بالمكان، المكتفي بذاته، ومشيرا إلى نسق في أزمنة سحيقة، مشدود إلى الثبات، غير منفتح إلى نمط آخر، لأنه لا يحتاج إليه، ومن ثم نلمح حالة من حالات الانسجام التام. فالأب في القصيدة أو في مجمل نصوص الديوان ليس فردا، ولكنه يتجلى بوصفه مجموعا أو نسقا خاصا يقابله نسق مضاد، فالأب منفتح على شريحة، تتوزع حسب منطق النص الشعري إلى (البناء – والنحات والنجار ـ والمحّار).
الأب في المخيال مصدر حماية، ومعرفة سابقة تعبّد الطريق، خاصة إذا تعلق الأمر بنظرة طفل، فكل طفل يتخيل أباه كيانا أكبر من القوانين، ولهذا تتشكل للأب صورة محاطة بكل هالات القداسة، ويتجلى بأنماط مختلفة، ولكن أهمها حين يغدو الأب سماء عالية، وإطارا حاميا: (بعد دقائق سوف يغني للعمال/وسوف يقوي عزيمة أضعفهم/ وسيحمل قصعته ويقود السرب على السقالة/ من سيدافع عنا/عن أبناء الجيران الضعفاء/ومن سيحب العالم أكثر/في هذا الوقت المتأخر من عمر الدنيا/ في الليل).
ولكن هذه الهارمونية أو الثبات تجرح من خلال نص “هامش”، وكأن هذا الهامش لا يخلو من فاعلية وحضور في اللحظة ذاتها. فالعالم المملوء بالكثير من الهارمونية والاكتفاء الذاتي، من خلال(والليل كان على سجيته حنونا مثلنا)، تجلى بشكل مغاير، فالليل في قصيدة هامش لم يأتِ مثلما كان في النسق السابق بسيطا هادئا، حيث يعيش في راحة بال مستمرة دائمة، وإنما أصبح الليل المشدود إلى آمال ونماذج وتماثيل مطروحة للتحقيق. فبناء البيت وفتحه للزوار واستقبال أبناء العمومة صورة أمامه ونسق مقترح للتحقيق، فيمارس الجري واللهاث، والانتقال من نسق الهدوء إلى نسق الحركة، من الثبات إلى الانتقال، لكي يكون شبيها بآخرين سابقين.
والأب في ذلك النسق الجديد لم يعد الأب المكتفي بما لديه، وإنما أصبح له تعلق بأفق جديد، وأصبحت هناك فاعلية ناتجة عن التطلعات الجديدة المشدودة لنسق يشكل طبيعته بالتكرار، ولم يعد يشغله النمط القديم، فالزمن المحدد له لا يزيد عن ليلة في منطق النص الشعري(ريثما ينقضي الليل/ ليل الشمال الوديع)، والأب في تلك الليلة الوحيدة مشغول بمراقبة ما تحقق من آمال(والأحلام المتحققة السهرانة/ حول رماد الموقد).
وجود الأب في نص “هامش” وجود لحظي شبحي، سرعان ما ينتقل بعدها للحركة والسفر، (ويذوب على الطرقات المنسية/ بعد دقائق/ سوف يغني للعمال/ وسوف يقوي عزيمة أضعفهم/ وسيحمل قصعته ويقود السرب على السقالة). النص الشعري قد ينطلق من مثير واقعي، ولكنه لا يبقي في بناء نصه على هذا المثير الواقعي، ولكنه يثبته بوصفه طبقة، ويحيله نسقا أو نمطا. فالأب – انطلاقا من كلمة سرب- ليس مشدودا لشخص، وإنما إلى نمط بتحديد لوكاتش، فهو يكشف عن مشابهين له في السياق.
السفر أو الرحلة أو الانتقال من نسق ثابت يمثل الحركة الأولى لخلخلة الثبات، لزحزحة الطبيعي أو المنطقي. فمن خلالها يفقد المتحرك المنتقل الهارمونية، بحثا عن اندماج جديد، يكفل له الاتزان. هي رحلة يفقد فيها الأطفال ساتر الأمان الممثل في الأب، فهو السماء التي تكفل لمن يتحركون في إطارها الحركة بأمان.
ففي القصيدة الأولى هناك اهتمام بتنضيد سيرة جماعية لنسق في لحظات سابقة، نسق مكتف بذاته، ولكن في نص (هامش) الذي يأتي مباشرة بعده، هناك اهتمام بجرح هذا الاكتفاء، من خلال الانفتاح على عوالم أخرى، فيحدث هناك تحول من الثبات للحركة، من الوحدة للتفكك، من الهدوء للهاث إلى صورة متخيلة، ونسق ممهد.
وتأسيس ذلك المنحى الفكري في الديوان، الخاص ببناء الهارمونية وجرحها من خلال التفكك والانتقال يتجلى بشكل لافت في القصيدة التي حملت عنوان الديوان. ففي بناء النص الشعري للهارمونية المتجاوبة فيما بينها يستند إلى صور مجهرية، يعتورها النقصان، لأنها غير مكتملة، واكتمالها ليس في ذاتها، ولكن يتحقق هذا الاكتمال بالتجاور، لأن النص الشعري لا يُبنى على الملمح الواحد، وإنما على الملامح العديدة التي تشكل كيانا من خلال تجاورها، لكي تخلق الإحساس الخاص بالاكتمال، فشعرية الديوان في معظم قصائده هي شعرية الصور المتجاورة، حيث تخلق بتجاورها أفقا وسياقا عاما قائما على الإيحاء.
إن نظرة فاحصة إلى بعض هذه الصور الجزئية (النيل يركض كالغزالة/والنخيل يصب تمرا في نوافذنا/ الشمس عين الله تحرسنا) ستثبت أننا أمام صور جزئية سابحة في فراغ، مكتفية بذاتها، ولا يتحقق التمدد التركيبي ويتشكل إلا مع الشمس، وقد جاء التمدد كاشفا عن الفاعلية في التشكيل والتنميط، في استيلاد بشر لهم طبيعة وشكل مغايران(ومنها يشرب الأبناء سمرتهم/وينضج فوق صدر بناته الرمان).
وهذا يعطي دلالة تستند إلى الديانات المصرية القديمة وبالمعتقدات، خاصة حين يتكرّر هذا التمدد التركيبي في النص ذاته عند الإشارة إلى القمر والنجوم، فيتحول القمر وفق منطق النص الشعري إلى شاعر ربابة يفتح الباب للحكايات والقصص عن العشاق والعمال والفرسان، وتتجلى النجوم نقوشا لرسّام، وورودا متباعدة أهملتها يد الأحبة.
كل هذه المجازات الجزئية اللافتة للنظر، تشكل بتجاورها إطارا عاما يرتبط بالثبات والديمومة والاستمرار، كاشفا عن تناغم، ومكوّنا سمة عامة من سمات الجنوب، تتشكل من الرضا والهدوء، وانفتاح مخيلتهم على الغناء، والارتباط بالمادحين والنايات، حيث تشكل حيواتهم أمام أعينهم. وفي ذلك التوجه في النص الشعري (هنا الجنوب/وفي الجنوب حقولنا/ قصب ونايات لمدّاحين) يختلط الذاتي الشخصي بالعام فتتوحّد السيرة الفردية بالسيرة الجماعية، فهذه الهارمونية، وذلك الانسجام في السياق العام يتساوق مع غنائية نمط الحياة الفردية (وجهي ووجه حبيبتي/شال يطير وضحكة منسية/وقصيدتي الأولى/ ووجداني المعبأ بالضفاف وبالضحايا).
ولكن هذا النمط المملوء بالهدوء لا يستمر، لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالصراع الخاص بين الأجيال، ومنها ما يتعلق بطلب الرزق، واجتراح مناح جديدة، فتبدأ بالتدريج بداية الخروج ومغايرة النمط، والإحساس بالحاجة للاستجابة للاختلاف الذي بدأت ملامحه تتجلى في الحالة الآنية التي يتشكل طرفاها من الأب والابن من خلال نمط مؤسس بالتكرار(في الجنوب أبي وعزلته وقسوته/ وسوء الظن بي وبما أريد/ وما أغنّي من قصائد/وما أرافق من صحاب أو نساء/ لم يقل لي مرة:/ كم أنت أجمل/ حين تضحك حين تبكي/لم يقلها مرة/ لم يثن في يوم عليّ).
تتولد نتيجة لذلك مرحلة جديدة، مملوءة بالتعلق بالآخر والانفتاح عليه والهجرة إليه، وفي الجزء الثاني من النص، وبعد أن يستجلي إشاراته إلى كل حالة من حالات الهارمونية القديمة لكل مجال من المجالات يبدأ في نهايته في الإشارة إلى ميلاد نسق مغاير منفتح على الرحيل والهجرة، نسق مؤسس بالسير والتعبيد من السابقين( وكان ناس آخرون/ مهاجرون يودعون بيوتهم ونخيلهم وكلابهم/ ويؤكدون على الوصايا والرجوع/ وعائدون من الشمال/ يحدثون عن المهاجر: كيف أغرتهم وأغوتهم؟).
هذا النمط المؤسس المندرج تحت فكرة المغايرة والإغواء للحركة والهجرة للشمال له تأثير خاص، في تشكيل الحياة بانزياحاتها، وفي تشكيل طبيعة البشر، فالهجرة لتحقيق حياة مقترحة ليست إلا فقدا واكتسابا، لأنها تفقد الهدوء الذي يظل متاحا لدى الفصائل التي ارتضت البقاء، ويكتسب ليلا مغايرا مؤرقا بالأمل، بالإضافة إلى الخسارات الأخرى المرتبطة بالغياب.
وفي كتابة سيرة هؤلاء ليس بالضرورة أن تكون السيرة واضحة الملامح، محددة السمات، وإنما يكفي الإشارة في لمحة خاطفة – نظرا لطبيعة الشعر في اختيار ملمح من ملامح عديدة- إلى الآثار المترتبة على هذا التحول والانتقال، وفي تركيزه لا يتم التركيز على الأشخاص الفاعلين، وإنما يكون الأمر مرتبطا بالكيانات الأكثر تأثرا وهشاشة: (ويوزعون على المحطة/ كل ما خسروا من السنوات/أبناء وأحفادا/ نساء كن في عمر الربيع وقد مضى/في كل ركن من بيوتك يا شمال/دم/ وأغنية/ وأرواح مؤرقة لأبناء الجنوب).

الجنوب المحكي

الارتباط بسياق جديد، أو التشكل وفق معالمه المغايرة يمثل خروجا عن النسق، وكل عودة إليه نظرا لفكرة المغايرة تتجلى وكأنها مقاربة جديدة في معانقة العوالم والأشياء والكلمات واللغة بسمتها البدائي، وكأنه في مرحلة التعرف الأولى، أو التعرف الفطري على الأشياء، والنمط الطبيعي في الشعور بالحنين، وتعلم الخطو.
وعلى هذا الأساس يشعر القارئ للديوان أن الجنوب في شعر الشاعر أشبه (بالمقدس) الذي يحاول الشاعر الاقتراب منه، وإذا وجدت هناك صعوبة في الوصول إليه في مرحلة زمنية محددة-غالبا مرحلة الطفولة- فإنه يحاول الوصول من خلال الاقتراب من أهله، فإن لم يستطع ملامسته بنفسه، فيلامسه من خلال الحكي على ألسنة الكبار. والحكي يصنع هالة حول هذا المقدس، ويعاين توزعه في لحظة الانقطاع عنه بين الشمال والجنوب: (وفتحت قلبي كالحديقة للجميع/ أنا الشمالي ابن أمي/ كنت أركض في الشوارع والحقول وراءها/أمشي كما تمشي/ وأحفظ خطوها من أن تشيّبه السنين/ وكنت أقفز كالطيور المنزلية حولها/ لكن خطوي كان أصغر/ كنت أجمع ما تناثر خلفها من ذكريات/ عن أبي وعن الجنوب).

الجزء السابق يكشف عن أن العلاقة بهذا الجنوب المقدس المحاط بهالة كبيرة علاقة سماعية قائمة على الحكاية، وفي بداية التعرف الأولى تتلقى الطفولة هذه الحكايات بخيال منفتح وثّاب، لأنها الحكايات التي يدلف منها إلى تشكيل المقدس. ويكشف النص الشعري عن تحول في استراتيجيته، فالسارد في الجزئين المتوالين الخامس والسادس ليس الشاعر أو الذات الشاعرة، فهو يترك مهمة السرد للأم وللحوار المحكي بينها وبين الأب.
ففي الجزء الخامس من النص يأتي الخطاب على لسان الأم، بوصفه حكاية للصبي أو للطفل الصغير، وعلى كونه يمثل بداية التعرف الأولى بين الأب الجنوبي، والأم الشمالية، فتعيد من خلاله تشكيل السيرة الفردية للأب، والسير الجماعية للأنماط المشابهة المنضوين في إطاره، وكيف يتم فتح دائرة اندماج، أحدهما منفتح على الآخر لكنه مشدود الجذور للجنوب، متجذر فيه وفي طباعه وتقاليده.
أما في الجزء السادس من القصيدة هناك استكمال للحكاية من خلال الخطاب المحكي بين الأب والأم، وهو جزء مقتطع من السيرة، سيرة الأب، وسيرة المشابهين له، سيرة النسق أو الإطار، ليكشف عن حكاية تحدث وتستعاد وتتكرّر، فالذات في رحلة بحثها تحاول استعادة الهدوء من خلال جزء مكمل يعيد لها هدوءها واتزانها، وتستعيد معه الروح بريقها، وتصل أو تقترب من حالة الاكتمال السابقة، فيطالع القارئ جزءا من حكاية الجنوبي وفتاة الشمال، ويبصر اللوم والخوف من الرقباء، بوصفه نسقا جاهزا، وطريقة ضرب الموعد الغرامي.
والنص الشعري في تصويره لتلك الحكاية، لا يصورها بوصفها حدثا مكتملا، وإنما يصورها بوصفها نقصا ساعيا لاكتمال مواز لاكتمال سابق، بوصفها محاولة للوصول للانسجام:( لو لم يضع يده على الفستان/ ما اشتعلت حرائق/ ما تشردت الخيول/ ما نما الوحش الصغير/ ما تفتحت الحدائق/ ما تغير طعم أيامي/ ما سال الحليب على المحارم/ ما أقمنا في البلاد وما نزحنا/ ما سهرنا في بيوت الناس/ نحرس ليلهم/وندير أعيننا على أطفالهم/ نحمي مواقدهم لنطبخ/ أو نسوّي قهوة لضيوفهم/ نصحو مع الكروان/ نطلق خيلهم وطيورهم/ ونهشّ على أغنامهم/ نرعى مواشيهم ونحمل روثها للحقل/ نروي الحقل.. نزرعه.. ونعزقه/ ونحلم بالحصاد نيابة عنهم).
ففي الجزء المقتبس السابق هناك إحالة إلى طبقات مؤسسة في لحظات زمنية سابقة، وهناك كشف عن فارق واضح بين المهاجِر والمهاجر إليه، بين الثابت والمتحرك. الحركة في الأساس نقصان، لأنها كاشفة عن عدم الثبات وعدم الاستقرار، والحاجة للآخر للقدرة على الاستمرار. ومن ثم فإسدال التراتب هنا ليس المقصود منه الفرد/أو الأب صاحب التجربة التي يعاينها النص، وينطلق منها، وإنما هو يرتبط بنسق تم تشكيله على مدى واسع، فتأمل الصور الجزئية المقدمة يصنع هذا التوجه، ويكشف عنه. ومن خلال هذه الصور التي تصنع بتجاورها نوعا من التجاوب تكشف للمتلقي بعض الملامح القارة في حركة نمط إلى نمط آخر للوصول إلى تكيف واندماج. فالنمط المتحرك يعتوره النقصان، ويظل موضوعا في دائرة التمثيل في مقام أدنى، كاشفا في ذلك السياق عن مجمل الأعمال التي يمكن أن يقوم بها بديلا عن النمط الآخر.
سيرة الشاعر الفردية: تساؤلات الدهشة والمغايرة
سيرة المجموع بالضرورة بالرغم من أهميتها ليست مقصودة لذاتها، فهي تأتي كاشفة عن نفسها وثقلها وتكرارها من جانب في إطار جدل الحضور لأصوات عديدة، ومن جانب آخر تأتي لتفسير الحركة، وللإجابة عن تساؤلات تحمل ملامح إنكار واستغراب ودهشة، خاصة حين يتعلق الأمر بتفسير وتبرير نزوع الذات الشاعرة.
يستند هذا التوجه الفكري من الديوان إلى النسق الخاص بالسيرة الجماعية، فالسيرة الفردية نتيجة منطقية للسيرة الجماعية المشدودة لنسق ثابت. فبداية من النصوص “الوقوف على الأطلال”، و”ابن موت”، و”تقرير مراسل ميداني”، و”تداع”، و”سريالية”، و”مشاة معتمون”، و”حكايات القرى الأولى”، نحن أمام سيرة فردية ليست مشدودة إلى نسق جمعي، وإنما تشابهه وتنتسب إليه تشابه وانتساب الفرع للجذر، ولكنها لا تهتم بمقاربة هذا الجذر إلا من خلال كونه مغذيا ومبررا لحركة هذا الفرع في الفضاء، ومطاوعته وصلابته، واحتياجه في الأساس إلى مقاربة مغايرة، وتعامل خاص.
فالطلل يتولد من طبيعة النمط العام، فيأتي كاشفا عن روح متحركة متشظية، تبحث عن ظلها وبقاياها في أماكن عديدة. فالطلل لم يعد مرتبطا بالمكان الذي كنا نرى حدوده وملامحه في الشعر القديم، وإنما هو- نظرا للحركة الدائبة وتعدد المرتكزات المكانية التي تحمل بعضا من رائحته وأغانيه كما تجلى بشكل لافت في نص (مشاة معتمون)- الطلل المقيم والمسافر، يحتاج فقط مثيرا قد يتجلى من مشابهة واقعية أو رائحة. فالنص – نتيجة لذلك- يجمع عناصر لمكونات الطلل من مجالات مختلفة مثل النجم، والشارع الجانبي، ورصيف المدن، وأحذية الجند.
فالطلل هنا مواز للحياة، فالشاعر يواجه الحياة الآنية بذاكرة منفتحة، لها قدرة على جمع التناقضات على المستوى الظاهري، لكنها تتحد، وتصبح أكثر ارتباطا وتوحدا، حين يتعلق الطلل بإطار يطبق على الشاعر ناشبا أظفاره، وهذا يدل على أن الخروج من إساره لا يتم بسهولة، فالطلل لم يعد مجرد نسق فني كما كان في السابق، وإنما أصبح في ظل الشعرية المعاصرة طبقات للخيبة والهزيمة، وأصبح ارتكاسات حياتية متوازية في الأثر، وتذكر هزيمة أو خيبة وحيدة يجعلها تتعامد مع بعضها البعض، مما يجعل حركة المعنى في نهاية النص تتوجه اتجاها مغايرا، فالنص والذات الشاعرة يتوسلان للخروج من هذا السياق. السيرة الفردية وتشظيها – من خلال استنادها إلى سيرة جماعية – في هذه الفترة الباكرة تمثل تنبيها للمغايرة، فكأن الشاعر – فضلا عما له من خصوصية – يوجهنا إلى اختلافه في مقاربة الأشياء والحياة، بالإضافة إلى تكوين خاص قائم على الرحلة وعلى الفقد المستمر، مما يجعل الطلل كيانا ملازما. فالشاعر وفق هذا التصور يثير الاستغراب والدهشة، ويستدعي معرفة وتوقعا، لأنه يعيش الحياة بمنطق الشاعر الواضح في ردود فعله، ففي قصيدة (ابن موت) يتخيل ردود الأفعال بعد موته المتخيل، سواء مع أصدقائه، أو مع امرأة يتوزع رد فعلها إلى اتجاهين متباينين.
هذه المعرفة المتخيلة التي رأينا صداها في قصيدة “ابن موت”، تتجاوب معها سمة أساسية من سمات الشاعر، ترتبط بإثارة التساؤلات المرتبطة بالتناقضات الخاصة بالحياة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فهو ليس شبيها بالآخرين، فهو نتاج إشكاليات وجودية، وهو صاحب وجود حركي لا يستنيم إلى ثبات أو استقرار. فالشعراء لا تتشكل معضلتهم الأساسية ضد أفراد، وإنما ضد سياق خارج عن التطويع والسيطرة، سياق أكبر له سطوة مهيمنة فاعلة.
تتشكل ملامح المغايرة في إدراك تناقضات الواقع، وثنائيات التكوين التي تتجاور فيما بينها، بداية من المرأة التي تصاحب لاجئا/ شاعرا، وتشاركه همومه وأشياءه وحظوظه، ثم تمدحه، وتهجو طيشه. وتستمر دائرة التناقضات بين التلاميذ الذين يرسمون المدفعية وأبراج الحمام. وفي النهاية بين المرأة التي تكون موزعة بين من يجمع لها الراتب والأولاد والبيت في جانب، وفي الوقت ذاته لا تريده أو تشتهيه. والصورة الأخيرة لا تقدم دلالة مهمة إلا إذا وضعت في سياق متقابل ومتباين مع المرأة التي تصاحب الشاعر/ اللاجئ في بداية النص. لا يقف منجز النص عند إثارة السؤال في إدراك هذه التناقضات، خاصة بين موقف المرأتين في البداية والنهاية، فتأتي الإجابة في آخر السطور الشعرية (سنن الحياة/ وسلطة الحاجات والرغبات/ سلطة ما نسميه الضرورة).
ثمة سمة أخرى ربما كانت وثيقة الصلة بكل شاعر، وهي سمة الكشف والاعتراف، فالنص الشعري يحيل القارئ في بعض النصوص إلى اعترافات كاشفة كما في نص “تساؤلات”: (إن التي مرت ستلقي خاتمي في البحر/ ثم تقول/ هب لي آخرا يا بحر)، فالعودة إلى الحكاية الشعبية التي ترتبط بالأسنان واستبدالها بهذا الشكل فيه الكثير من التأمل، وفيه الكثير من الهشاشة النفسية التي تجلت بشكل لافت في نص “محاولة” حيث هناك إشارة واضحة إلى الفقد والتشظي على أسفلت الشوارع.
إن هذا التشظي يأخذ مدى أوسع في نص (سريالية)، فبعد أن يؤسس النص الشعري استراتيجيته على فعل هبوط الذكرى، وما تثيره بصاحبها من مشاعر، وهو لم يتدرب على صدها بالنعاس، فيصبح التشظي واضحا من خلال استدعاء الأغاني التي تكشف عن هذه الحالة( عش أنت.. أنت كما أشتهيك/ بعيدا/ كظل يداعب رحّالة أسقط الليل عنها الدليل/ وحادا/ كوجه كسته الشوارع بالناس/ متفقين على رميه بالجنون/ وبالقلق المستمر من الممكنات).
ويتآزر مع الصورة الأخيرة في النص السابق، نص آخر في الديوان، أسس بشكل لافت لهذه الرؤية، ولكنه أضاف إليها بعدا يرتبط بالآخرين المشابهين، وكأنه يؤسس خطابه على نسق موضوعي بعيدا عن حضور ومحاصرة الذات وتحيزها. وفي نص “مشاة معتمون” هناك إسدال – بالرغم من استغراب حال هؤلاء المعتمين – قداسة خاصة، وفاعلية لافتة، وقدرة على تشكيل الكيانات المغايرة والمتباينة، تحت إلحاح غابة الصور التي لا تنمو وفق منطق واقعي، وإنما ترتبط بمنطق خاص نابع من تصور الشاعر، وقدرته الفائقة على إدخال العوالم، ورصف دلالات الروائح والأغاني وفق سياق يكيفها.
السيرة الفردية للشاعر المؤسسة على المعرفة، وعلى إدراك التناقضات، والتشابهات الخفية بين الرائحة والأغنيات التي تلازمه في حركته، يتأسس في إطارها وجود خاص للجنوب، يكشف عن ارتباط ممزوج بالقداسة. يتجلى ذلك واضحا في نص “تداع” حيث يتحول الجنوبي بشكل عام إلى حالة غنائية مقدسة ممتدة للفقد، ففقد امرأة، وما يثيره من أسئلة وارتكاسات ممتدة يعيده ربما دون وعي لتصوير الفقد الفعلي، وتصوير العودة الأخيرة لواحد من هؤلاء المهاجرين الذين يشبهون في حدود منطق النص الشعري، أبناء يعقوب، في رحلة تشظيهم وشتاتهم المستمر للوصول لحالة من حالات الاكتمال.

محمود سباق: “أوراق الشمال والجنوب

الاتحاد العالمي للشعراء، القاهرة 2018

75 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية