■ في مشهدنا الشعري اليوم تدافع قوي نحو هاجس المغايرة والاختلاف، بخصوص رؤى الكتابة، فهناك من أحدث ثورة في الشعرية العربية التي كانت تولي اهتماما كبيرا للوزن والإيقاع، بوصفهما محددين أساسيين في العملية الشعرية، خصوصا أولئك الشعراء الذين خرجوا عن قيود الشعريات التجييلية، التي ميزت الشعر المغربي المعاصر، منذ ستينيات القرن المنصرم، في مغامرة تجريبية محفوفة بالمخاطر، الشيء الذي أعطانا في نهاية المطاف، حساسية شعرية جديدة، تنتصر للجمالي أكثر من أي شيء آخر، في حين هناك منهم من ما زال متشبثا بالشرط الأخلاقي في الكتابة، بوصفه دالا آخر مكملا لباقي الدوال الجمالية الأخرى في العملية الإبداعية. فما حدود التداخل بين الشرط الأخلاقي والشرط الجمالي الذي يدل في العمق على هاجس كل مشروع إبداعي؟
□ كل شاعر يسعى إلى تأسيس تجربته الشعرية الخاصة التي يستمد مقوماتها من أنساق جمالية وموضوعاتية، ومن هذا المنطلق إذا تحدثنا عن الجمالي فهو نزوع نحو الأسلوب والصورة الشعرية، وإذا تحدثنا عن الأخلاقي فهنا نقصد الالتزام الاجتماعي بالأعراف والدين من منطلق، هل يجوز أم لا يجوز، وهنا، ندخل الشعر دائرة ضيقة، وهو ما جعل بعض الشعراء إما ينزعون إلى الجمالية المفرطة منغمسين في البحث عن صيغ جديدة غير مألوفة، قد تدخل القارئ بحر الغموض والإبهام، لاهثا وراء ما يريد الشاعر من القصيدة، وإما نجد الشاعر في صراع بين ما تمليه المخيلة الإبداعية، وما يرفضه المجتمع من خروج عن الثوابت والقيم الأخلاقية، ومهما يكن فعلى الشاعر أن يولي تجربته الشعرية العناية الفائقة، ويطوع الأخلاق لخدمة الشعر، عن طريق تطوير أساليب الكتابة وخلق عوالم جديدة ورؤية جديدة ولغة شعرية جديدة، انطلاقا مما يكمن فيه من طاقات عجيبة توصله إلى إخضاع تجربته الشعرية للزمن الإبداعي المعاصر. عندما أقول الزمن الإبداعي، فأنا أقصد به، الكتابة بما هي كينونة تتجاوز التصنيفات الميتافيزيقية للأشياء، لتصغي بشغف إلى نداءات الوجود بتعبير هايدغر.
■ هل يمكن القول إذن إن فهمنا للشعر، كذائقة، يتوجب عليه التغير والتطور، وإن على الشعراء أن يدركوا أن كتابة الشعر، ورش مستمرة، حتى بالنسبة لتجربة الشاعر الواحد، أيضا وعطفا على ذلك ألا ترى معي أن الإغراق في التجريب سيف ذو حدين؟ أو بمعنى أدق ما هو تصوركم لأفق الشعر المغربي في ظل هذا النزوع الجمالي المبالغ فيه في الكثير من الأحيان، والذاتية المفرطة، بمسوغ الاختلاف والمغايرة؟
□ إن الكتابة الشعرية الصادقة في المغرب، التي تعد امتدادا للجيل الشعري السابق، تسير بثبات نحو تأسيس أفق جمالي وفني رائدين، من خلال المساهمة الفاعلة لأسماء شعرية وازنة تعمل على إبداع نص شعري طافح بالجمالية والفنية، مميزة عن نظيره في المشرق العربي. أرى أن هذا النزوع نحو الجمالية الشعرية التي انخرط فيها الشعراء المغاربة يساهم لا محالة في إغناء وتطوير القصيدة المغربية خصوصا، وجعلها رافدا مائزا يغني النسيج الشعري العربي، لكن بشرط أن يكون هذا النزوع ناتجا عن إحساس شعري صادق اتجاه الموضوعات التي يعرضها الشاعر في شعره، غير أن ما يلاحظ في بعض التجارب، خاصة الحساسية الجديدة، هو ارتماؤها في أحضان الذاتية المفرطة، الأمر الذي عكر صفو المعنى الذي يبتغيه الشاعر، وكذا غياب الرؤيا الشعرية التي تأخذ بالشعر نحو إبداع حقيقي.
■ ليس من شك أن مجموعة من شعرائنا اليوم أصبحوا يتهافتون، بشكل لا يمكن لكل عين فاحصة أن تخطئه، على المهرجانات الوطنية الرسمية التي تضمن الحقوق المادية للشاعر، وأيضا نسجل تهافتهم على اللقاءات العربية، وكذا المسابقات الشعرية والمجلات الخليجية، تلك التي تنشر لهم، مقابل تعويض مادي، بغض النظر عن توجه المؤسسات الراعية أو الحاضنة لهذه الملتقيات، أو الخط التحريري للمجلات. فهل يمكن اعتبار هذا الأمر مؤشرا إيجابيا، من شأنه أن يخدم الشعر المغربي مستقبلا؟ أم أن ما يقع اليوم هو من مسوغات كساد بضاعة الشعر وفسادها كما يرى البعض؟
□ يعرف الشرق العربي ومنه الخليج العربي حركة إعلامية ثقافية غير مسبوقة على مستوى عدد المجلات والجرائد والمهرجانات والملتقيات على اختلاف أنواعها وتوجهاتها، وبذلك أصبحت تستقطب أقلاما مغربية إن على مستوى الإبداع، أو على مستوى النقد. وهذا شيء إيجابي من شأنه تطوير التجربة المغربية وانفتاحها على الآخر، والتعريف بالأقلام والأصوات عربيا، خصوصا إذا كانت لهذه المجلات والمهرجانات لجان علمية تسهر على فرز المنتوج الثقافي والإبداعي والفكري الجيد، بيد أن بعضها يعتمد وسيلة التعويض المادي لجلب واستقطاب بعض المبدعين العرب ومنهم المغاربة، دون النظر إلى مستوى الإنتاج، وهذا ما جعلهم يتهافتون عليه بغية الظفر بالتعويضات، اعتقادا منهم أن ذلك سبيل نحو الشهرة، متناسين أن هذه الأخيرة لا تخلق من خارج الوطن بل تخلق من داخله.