في ديوانه «فكرة النهر» يطل علينا الشاعر المغربي حسن نجمي بوجه شعري يلمّ شتات الأفكار والفلسفات عن النهر بأساطيره ورؤاه الممتدة عبر الزمن، بحيث تتضاءل مادية النهر المحدد والمعين، وتنفلت الكتابة الشعرية لتصبح حالة من حالات الوعي القائم على البناء الشذري، فالكتابة الشذرية خارجة عن التحديد، متجاوزة للأطر والموضوعات والأشكال المؤسسة وفق التحديدات الفنية الثابتة والجامدة والمعهودة.
هي كتابة سابحة في الفضاء تؤسس وجودها من الحركة، مثلها مثل النهر، تجمع التباينات والتناقضات في شكل مرن يكيفها، فالشذرة مساحة للانفلات، والبعد عن التحديد، تجسيد للحرية في الكتابة، وذلك بسبب لانهائية أشكالها، وتعدد أنماطها وطرق تجليها، وغياب النمط الثابت الذي يمكن أن يسجنها، أو يقلل حريتها. هي كتابة مرتبطة بالتيه المستمر والأبدي والنقصان، فالديوان بحث وحفر لا يستقران للوصول إلى معاينة وامتلاك معنى للوجود أو النهر، وهذا التوجه لا ينفصل عن بحثه الخاص للوجود الذاتي، فالتماهي مع النهر بحث عن الوجود وعن الذات انطلاقا من البداية وصولا للنهاية، وما يعتور تلك الرحلة من حركة وتحول، وما يتجاوب معها من حزن وفرح وترقب وانتظار، فالشاعر- الشاعر الحقيقي- مثل النهر بالرغم من إدراكه للنهاية الكاشفة عن حتمية النقصان لا يكفّ عن الحركة وعن التبدل والتحول والانتقال من حال إلى حال، ومن ذروة معرفية إلى ذروة أخرى.
فالديوان «فكرة النهر» ليس مقاربة للنهر بحدوده الميثولوجية والحضارية، ولكنه – فوق ذلك – رصد للذات في ارتباطها به، لحال من حالات التماهي التي تتكشّف عن أسئلة وجودية شديدة الصلة بالذات وبالنهر في الوقت ذاته. ففي نصوص كثيرة نجد أن الضمير السارد مشدود للكيانين، ويشعر القارئ أن هناك مساحة للاتحاد بينهما، فكل واحد منهما يمكن أن يحلّ مكان الآخر، فرحلة النهر مشابهة لرحلة الذات، ومعوقات النهر في حركته وتمدده مشابهة لمعوقات الذات ارتباطا بصراعات الوجود، وبجزئيات الطبيعة التي تحجب الرؤية.

الشذرات النصية والمقاربة المتتالية
يتأسس الديوان على الشذرات النصية التي يمكن التعامل معها على أنها حالة فردية مكتفية بذاتها في كل كتلة أو صفحة موشحة بالكمال، ويمكن في الوقت ذاته التعامل معها على أنها جزئية يعتورها النقصان التام والاحتياج، وهي في حركتها تبحث عن اكتمالها الذي لن يتحقق لأنها تتجاوب بهذا النقصان مع طبيعة الوجود، وطبيعة النهر وحركته، وطبيعة الإبداع الذي يطل في خلفية النص بوصفه محركا أساسيا، وموجها لمرتكزاته بشكل متوار.
الشذرة في ظل ذلك التصور تتوحد بالحرية في أعلى صورها، لأنها تتعاظم على إكراهات التتابع والبناء النسقي الدلالي المنتظم في كل كتابة أدبية أو فنية، فالشذرة وجود جزئي غير مشدود إلى تأسيس سابق، وإن ظلت تشير إلى الإطار المعرفي الذي تتحرك في إطاره من خلال الصياغات المكتنزة والإلماحات الدلالية الخاصة به، ولهذا يقول حسن نجمي عن الشذرات بوصفها خيارا إبداعيا: (ليست مجرد تقنية ينتهجها الشعراء أو الكتّاب، فهي تعبر عن تجربة حياة، وعن ممارسة فلسفية وفكرية).
الكتابة الشذرية في نصوص الديوان من خلال غياب العناوين الخاصة بكل نص، وغياب التقسيم الدامغ لبداية النص ونهايته إشارة للأفق المفتوح من جانب، ومن جانب آخر إشارة إلى فقدان اليقين والتحديد، فالديوان مغامرة فريدة في تأمل النهر، وتأمل الذات، وينفتح التأمل – تبعا لذلك – على الوجود. فالنهر – والذات والوجود- انفتاح دائم للمقاربة، وهي مقاربة ليست زمنية لحظية، بل مقاربة ممتدة مختزنة، تجمع لحظات مختلفة، وتشكل حلقات متداخلة، ولا ندري- لتعدد المحاولات- بدايتها أو نهايتها، فهي موجودة، وسيستمر وجودها.
ولكن هذا البناء الشذري لنصوص الديوان لا ينفي وجود الوحدة المعرفية، لأن نصوص الشذرات تصبح في معظم النصوص مقاربات متتالية، فيتجلى الديوان بوصفه سلسلة من المقاربات المتصلة معرفيا من خلال التراتب أو التباين أو التقارب أو التدابر في تركيزها على (النواة) أو (النهر) الذي يشكل المنطلق المعرفي للرصد والبناء.
لا يتوجه النص الشعري أو الشذرات النصية إلى وصف النهر بوصفه كيانا ماديا، ولكن يحاول الإمساك بروحه، الوصول إلى أثره (في الشرفة/ أنظر إلى النهر يمرّ هناك/ قدماي تلامسان الماء). النهر هنا يغادر وجوده المادي، ويصبح فكرة على البعد مطروحة للتأمل والتفكير، وانفتاح الأسئلة الخاصة بالحياة والذات، وفي تلك الحالة يصبح الاقتراب من النهر اقترابا من شيء يتفلت، ويتوحد بالذات، فكلاهما يبدأ حياته إلى النهاية، حياة مشدودة للاستمرار والحركة، ويبدو هذا الترابط واضحا في قوله: (سموا هذا النهر باسمي/ فأنا غريق ويدي نقية كيد شاعر/ ماء النهر في كفي/ سرير خضرة/ يحلم هنا في غرفتي).
النص بشذراته يبدأ من الوجود والاكتمال والحركة ليس هناك إشارة لبداية النهر، وفي ذلك يقول: (لم أر نبع النهر/ لا أعرف كيف يبدأ حياته كل صباح/ عابر سبيل/ أعرف طريق غربته/ الحياة هكذا لم أر نبعها أيضا)، وتتمحور المقاربة حول الحركة المستمرة، ومعوقاتها، فالنهر في شذرات هذا الديوان يتقدم للإمام، وهو شبيه بذلك بالزمن الذي لا نستطيع أن نرصد بدايته أو نهايته. يمكن التوقف في هذا السياق عند جزئية تكررت كثيرا في شذرات الديوان، تتمثل في علاقة النهر بالمنبع والمصب، وكل الأنهار تصب في البحر أو في المحيط، وفي كل هذا تتداخل الحركة والوجود الذاتي والتجربة الإبداعية مع رحلة النهر، ففي قوله (النهر يعرف/ لابد له من تضحيات/ لذا يتنازل عن بعض مائه/ في الطريق يفاوض الروافد/ ويمضي/ واثقا إلى حتفه) تتجلى الحركة المستمرة والتشكل والتكوّن للوصول إلى النهاية، وتتكرر الفكرة كاشفة عن إلحاح خاص في قوله (النهر، هو ثانية/ يقول النبع للمصب/ الماء يتجه نحوك).
تماهي النهر والذات: حركية الإبداع واستمراره
يمثل النهر في نصوص أو شذرات الديوان وجودا خاصا لتماهي الذات، فالنهر – مثله مثل الزمن – راض بحركته، وخطه أو قدره المرسوم للتقدم، وقد حددت الشذرات النصية تقابلا لافتا بين حركة النهر وثبات الشاعر، وثبات المكان الذي تتمّ من خلاله مساحات الترابط والمشاهدة والمقاربة، (فالشرفة) دال ووسيلة الانفتاح على النهر، فمن خلالها تتم المشاهدة والحوار، لا يقلل من حضورها أو تجليها إلا قدوم الليل، وإسدال أركانه، وتؤسس وجودها مع كل صباح، فكأن الذات والنهر يخلقان من جديد.
في إسدال ذلك التماهي بين الشاعر والنهر نجد الشذرات الشعرية لا تؤسسه دفعة واحدة، وإنما تؤسسه على مراحل، فبعد الإشارة إلى مساحات الضجر الذي يشمل الكيانين، تتشكل المرحلة الأولى واقفة عند حدود المراقبة للوصول من خلالها إلى مساحات التشابه، من الحركة والاستمرار بالرغم من وجود المعوقات، ففي نص من النصوص التي تسهم في إسدال هذا التشابه نجده يقول: (قطيع كلاب على الضفة اليمنى/ كلاب غجر على ضفاف نهر بعيد/ والنهر لا يبدو أنه ملتفت)، فوصف (غجر) للكلاب يحيل النص خارج الأفق الخاص بالنهر، وتشكل في الإطار سمات المكر والسرقة والاحتيال والشراسة، ولكن النص الشعري يعيدنا إلى الأفق المتوزان من خلال الجزء المتبقي: (لا يبدو مبتهجا بهذا النهار/ بالنسبة إليه سماء غير مقبولة/ وبالنسبة إليّ).
في التوجهين – إثبات التشابه، وإسدال الاتصال – سوف تلحّ إشارات بنائية أسلوبية كاشفة عن أن هذا التشابه أو محاولة الاتصال تتمّ وفق بنية تناظرية متوازية، تكفل الوجود الخاص لكل قسيم بالرغم من وجود هذا التشابه الذي يؤسس له النص الشعري من البداية. فالاتكاء على (هنا) و(هناك) اتكاء على تواز يحفظ لكل قسيم وجوده الخاص المرسوم، ومن ثم لن يتحقق الاتصال بشكل فيه نوع من المفاجأة، فهو اتصال – مثل أي اتصال – يخضع لخوف البدايات والإحساس بمغامرة الانفتاح. ففي شذرة من هذه الشذرات يقول: (من هنا أراه يعبر كقطار مفضض يصل آخر الليل/ كنت أريد أن أقول له شيئا/ وكان قد ابتعد/ لم أقل شيئا/ ربما كان ذلك أفضل)، ويقول في أخرى: (النهر هناك يجري/ كنت أريد أن أرفع يدي لأحييه/ لم يلتفت/ كان قد صار بعيدا).
فالإشارة إلى أن هناك شيئا مختلفا خاصا بالنهر يستعصي على الإدراك نظرا لطبيعته يفتح الباب لتأسيس جديد يمهد ويؤكد لفكرة المغايرة، فالقسيم المراقِب يقف – بالرغم من نزوعه للتوحد والتماهي – عند حدوده الخاصة المعروفة، بينما يأخذ القسيم المراقَب مساحة مزدانة بالرحابة، ليصبح إشارة على الحياة والوجود والأبدية: (يا إلهي حياتي تتضاءل/ لم هذا النهر طويل وشارد كأبدية)، أو يقول في نص آخر: (من هنا في شرفتي أشتمّ رائحة الأبد).
تأسيس التشابه بين النهر والزمن تأسيس قاطع للمغايرة بين المتعالي الأبدي واللحظي المتناهي في إطار المستوى الواقعي، ولكن هذه المغايرة تفضي إلى تماه حين يتعلق الأمر بالإبداع، وبالمنجز الخاص بهذا المتناهي، في استناده إلى الاستمرار والفاعلية والتأثير من خلال نصوصه التي تغادر اللحظي والمتناهي لتلتحم باللامتناهي. وهنا تتحول فكرة عقد المشابهة بين الشاعر والنهر لتحل محلها فكرة التماهي بين منجز الشاعر الإبداعي والسمات الخاصة التكوينية المشكلة لطبيعة النهر، فالشاعر في تأسيسه لهذا التشابه يستخدم سمات النهر من خلال تأمله في تمدده وحركته واستمراره، ولهذا نجد في بعض النصوص الشعرية إلحاحا على عقد هذا التشابه من خلال بنيات خاصة مثل (النهر مثلي)، أو (نظرتي معه)، أو (لا أحد يحس بعزلة النهر).
في ظل ذلك الفهم يأتي الديوان «فكرة النهر» بداية من العنوان كاشفا عن أن الشاعر لا يتماس مع النهر بوصفه معطى وجوديا ملموسا، وإنما بوصفه فكرة تكشف عن سمات هذا النهر في الحركة أو الاستمرار، فليس هناك – انطلاقا من سمات النهر- سبب للتوقف، أو داع للتخلي، مثله في ذلك مثل النهر الذي لا يتخلى عن قدره أو دوره، فكلاهما في مجاله مؤثر: (أحيانا هو هناك وكفى/ هنا في الشرفة/ أتأمل صديقي وكفى).
«فكرة النهر» ديوان فريد ولافت في سياقه الإبداعي، في عنايته بتجسير الهوة بين النمط التعبيري البسيط والفكري المعرفي المشدود لفلسفات وأساطير تتعلق بالنهر، وتحوله من معطى وجودي له أثر حضاري ملموس إلى فكرة تتعاظم على المحدّد والمحسوس، وتلتحم بالأبدي في ارتباطه بديمومة الفعل، وحركة الوجود.
حسن النجمي: «فكرة النهر»
دار خطوط وظلال، عمّان 2021
160 صفحة.