شاعر وإعلامي مغربي، ولد في قصبة بني عمار زرهون سنة 1964. تخرج من قسم الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز في فاس. حصل على دبلوم تقنيات الكتابة الصحافية من جامعة سيتي في لندن، ودبلوم في الإعلام من المعهد العالي للصحافة في الرباط، الشيء الذي مكنه من امتهان الصحافة من خلال مجموعة من المنابر الإعلامية. هو واحد من أهم رواد الحساسية الجديدة التي خرجت من رحم الشعر المغربي الثمانيني. صدر له خمس مجموعات شعرية وسيرة رحلية، وهي كالآتي: «صوت التراب» 2000 «حماقات السلمون» 2007 «رماد اليقين»2013 «طعنات في ظهر الهواء» 2019 «زر أسود لقتل الربيع» 2021 «خمسة أيام في فلسطين/سيرة رحلية» 2020. وحول تصوره لمآلات الشعرية العربية في المغرب في وقتنا الراهن، وكذا رأيه في ضبابية هذا المشهد، كان لنا معه هذا الحوار.
□ في مشهدنا الشعري اليوم تدافع قوي نحو هاجس المغايرة والاختلاف بخصوص رؤى الكتابة الشعرية. في رأيك ما حدود التداخل بين الشرطين، الأخلاقي والجمالي من جهة، ومن جهة أخرى ما مدى أهمية الشرط الأول بوصفه هاجسا عند مجموعة من الشعراء والكتاب بشكل قد يؤثر سلبا في الشرط الأول؟
■ في رأيي، لا جدوى ولا ضرورة للكتابة الشعرية اليوم وعبر التاريخ، ما لم يكن هدفها هو تحقيق المغايرة والاختلاف. إن مفهوم «الإبداع» نفسه يحمل هذا البعد الأساسي في الكتابة الشعرية، وإلا لمات الشعر وتحجر في بداياته، ولصار ما يكتب بعد ذلك مجرد رجع صدى للأولين. الشاعر الحقيقي هو الذي يصارع طوال تجربته من أجل أن يكون مبدعا، أي متفردا، لا يقلد ولا يكرر ولا يثرثر، قد يتأثر بتجربة أو تيار ما، لكنه يحرص تمام الحرص على أن يكون ما يكتبه تعبيرا عن صوته الخاص بتركيب خاص وبصور واستعارات وانزياحات خاصة. هنا تكمن محنة الشاعر، وهنا يقف أمامه هذا التحدي عاليا مثل جدار الصين العظيم، لذلك ترى أنني لا أكتب كثيرا، ولا استسهل عملية الكتابة الشعرية كما يفعل الكثيرون، حتى لا أسقط في فخ الإتباع والتقليد وحتى لا أكون مجرد رجع صدى لأي كان. الشرط الأخلاقي الوحيد المطلوب في العملية الإبداعية هو الصدق، وبهذا المعنى يقوم التحالف إن صح التعبير بين هذا الشرط «الصدق» والشرط الجمالي «الحرية» في التخييل والتعبير لإنجاز النص الشعري المغاير والمختلف.
□ نلاحظ في الآونة الأخيرة أن مفهوم الكتابة الشعرية يسير بخطى واثقة نحو تأسيس وعي شعري جديد ومختلف في إطار استراتيجية تنتصر للقيم الجمالية على حساب الشرط الأخلاقي. فما هو تصوركم لأفق الشعر المغربي في ظل هذا النزوع الجمالي المفرط أحيانا؟
■ تحت يافطات وأقنعة كثيرة كان الرقيب وما زال يحشر أنفه في الكتابة بشكل عام، والكتابة الشعرية بشكل خاص، من أجل التحكم فيها وتوجيهها حسب استراتيجياته وشبكة علاقاته ومصالحه، وسواء كان ذلك الرقيب يتقنع بالأيديولوجيا أو السياسة أو الدين او السلطة أو المال، فإن تموقعه في مواجهة الإبداع ينبع من رفضه الصريح أو الضمني لهذا النزوع العارم نحو الجمالي في الكتابة الشعرية، لأن ذلك يؤشر إلى انفراط تحكمه ورقابته ووصايته على الإبداع، وبالتالي يؤشر إلى إفلاس مشروعه التسلطي والتحكمي أيا كانت الشعارات الكاذبة التي يلوح بها.
□ ليس من شك في أن مجموعة من شعرائنا اليوم أصبحوا يتهافتون بشكل لا يمكن لكل عين فاحصة أن تخطئه، على المهرجانات الوطنية الرسمية، التي تضمن الحق المادي لكل شاعر، وأيضا تهافتهم على اللقاءات العربية، وكذا المسابقات الشعرية والمجلات الخليجية، التي تنشر لهم مقابل تعويض مادي، بغض النظر عن توجه المؤسسات الراعية أو الحاضنة لهذه الملتقيات، أو الخط التحريري لهذه المجلات. فهل يمكن اعتبار هذا الأمر مؤشرا إيجابيا من شأنه أن يخدم الشعر المغربي مستقبلا؟
■ يطرح السؤال هنا إشكالا كبيرا، فما المقصود أولا بالمهرجانات الوطنية الرسمية، إذا كنا نعرف أن وزارة الثقافة المغربية لا تنظم إلا مهرجانا واحدا للشعر طوال السنة، هو المهرجان الوطني للزجل في مدينة ابن سليمان، في حين تدعم عددا من المهرجانات التي تنظمها جمعيات أهلية كمهرجان الشاون. إذن ليس هناك مهرجانات وطنية رسمية كثيرة في بلادنا، حتى نتحدث عن تهافت شعرائنا عليها، ثم لا بد أن نتوقف بجدية أمام مسألة تعويض الشاعر ماديا عن مشاركته في مهرجان ما، لأن زاوية المعالجة تكشف عن مغالطات ومزايدات مجانية وفارغة، فبعيدا عن المهرجانات الرسمية وهي قليلة على أي حال، فإن المنظمين وأغلبهم جمعيات لا يناقشون تعويض المطربين والمنشطين والفنانين، لأنه تحصيل حاصل وشيء مقبول ومشروع، لكنهم يتعاملون بطريقة معاكسة تماما عندما يتعلق الأمر بتعويض الشعراء، حيث يصبح التعويض غير مرغوب وغير ضروري. وهنا تصبح احتمالات التفسير قليلة، فإما أن تعويض الشاعر ليس ضروريا، لأن الأمر يتعلق بمنتوج بخس، وإما أنهم يعتبرون الشاعر المسكين مناضلا ومتطوعا لا يستحق التعويض المادي، حتى وهو في حضيض المجتمع. وكلا الاحتمالين يؤشران إلى حقيقة النظرة الدونية التي ينظر بها الجميع إلى الشاعر والشعر للأسف. في حين أعتبر تعويض الشاعر ماديا، حقاً من حقوقه غير القابلة للتصرف إلا بمشيئته، أي إذا تنازل عنه هو، فهو مجرد إنسان كأي إنسان آخر. فكما يعوض كل ذي منتج على منتوجه، فمن حقه التعويض عن منتوجه الشعري، أما إذا كان الشعر لوحده لا يستحق التعويض المادي، فالأجدر أن تتوقف جميع المهرجانات الشعرية، وليحيى «الشطيح والرديح» الذي لا يقدر بثمن. بالنسبة للقاءات الشعرية العربية تبقى المشاركة المغربية فيها محدودة بالمقارنة مع المشاركة العربية في اللقاءات الشعرية المغربية، حيث المبالغة في استقدام الأسماء العربية على حساب الأسماء المغربية، حتى وهي لا تبعد عن مقرات المهرجانات إلا أمتارا قليلة، وهذا الأمر أصبح للأسف موضة تتناقلها الجمعيات والمهرجانات، لذلك تبقى المشاركة المغربية في اللقاءات العربية محكومة بشبكة من العلاقات وتبادل المصالح والدعوات في حلقات زبونية ضيقة لا يستفيد منها إلا المحظوظون.
من جهة أخرى، لا أرى في مشاركة الشعراء في المسابقات الشعرية والمجلات الخليجية أي مشكل، ما لم يمس ذلك استقلالية الشاعر وحريته. لأن الشاعر في نهاية المطاف إنسان يقدم منتوجا لا يمكن أن يكون لوحده منزوع الحقوق.