الشخصيات السامة: اطردها فورا!

انتشرت مؤخرا مصطلحات اجتماعية، و»السموم» هي القاسم المشترك بينها، وعلى رأسها كانت الشخصيات السامة والعلاقات السامة. وللأسف، هذا النوع من العلاقات والشخصيات يستشري عالميا كالنار في الهشيم منذ بدء الخليقة، والسبب في ذلك تفشي ألوان من الشخصيات الظلامية التي تعاني من خلل نفسي؛ مثل الشخصيات السايكوباثية، والسوسيوباثية، والنرجسية، والميكيافيلية الانتهازية؛ وتلك المعتادة الكذب والنمّام، وغيرها من الشخصيات المشوهة نفسيا، التي تسعى جاهدة إلى أن تبث سمومها في أكبر كم من الأفراد؛ لتحقيق نشوى لإشباع ذاتهم المريضة التي تسعد عند رؤية آخرين يتعذبون من جرَّاء أفعالهم الشاذة، وكذلك عند تدمير أي شخص يستهدفونه وهو على أهبة النجاح في أي عمل.
ذلك النوع من الأفاعي البشرية السامة، يعلم كيف ينشئ بيئة خصبة له؛ فهم زملاء العمل، والجيران، والأصدقاء المقربون، والأهل، وقد يكونون أيضا أفراداً من الأسرة. وتؤكد المعالجة النفسية بابيتا سبينيللي Babita Spenelli أن الهدف الأساسي للشخصيات السامة هو إحداث تأثير سلبي في الهدف المنشود؛ فهم يتلاعبون بالأفراد، أو يسيطرون عليهم أو يحاولون إيذاءهم بأي طريقة، سواء على الجانب النفسي أو المادي. وهناك البعض منهم يتعمد إيذاء الآخر ليسهل عليه بثّ سمومه لإشباع رغبات سادية؛ مثل انزلاق الآخر في موقف ميلودرامي بائس، أو حتى التشفِّي فيه حينما يراه مرتبكا فاقد الاتزان النفسي. وأسوأ الشخصيات السامة على الإطلاق هي تلك التي لا تعترف لنفسها بأنها ذات تأثير سام على الآخرين، وتعتقد أنها ذات نوايا طيبة أو مظلومة.
ومن الطريف أن أغلب الشخصيات السامة تبدو ظريفة وصحبتها جيدة، لكن في الواقع لديهم قدرة على إحداث تأثير سلبي عميق في الآخرين، وجلّ أملهم هو دفع الضحية للتشكيك في اتزانها النفسي. فالأشخاص السامون بارعون في إلقاء اللُّوم على الآخرين والتحكم فيهم وخنقهم بتصرفاتهم. ويدفعون ضحاياهم للاعتقاد بأنهم ليسوا ذوي نفع أو قيمة، ومن ثم يفقدون الإيمان بقيمهم الراسخة ويهتز نظام حياتهم. وخطر الشخصية النرجسية السامة مكين؛ لأنها دائمة السعي لإقناع الضحية بأنها حصن أمين يمكن الاعتماد عليه في أي وقت. والشخصيات السامة مصاصة طاقة؛ لأن وجودها يستنزف الحياة والمقاومة من الضحية. ومن السهل معرفة ما إذا كنت واقعا تحت تأثير شخصية سامة، وذلك بأن وجودها حول الضحية مسببا لضيق، لا تعلم الضحية سببه، كلما اقترب منهم شخص ما يؤثِّر سلبا في وجدانهم.

ومع استشراء السموم في الحياة الحديثة، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي التي يسهل الهاتف المحمول الوصول لها، صار من الصعب صدّ السموم بالبعد عنها. فطرد كل ما هو سام من حياتنا، يتطلب أولا معرفة كيفية التعامل معه، وبعدها وضع حدود مكينة بيننا وبينه يكون من الصعب عليه تجاوزها.

ويسعد الأشخاص السامون باقتراف أفعال عدوانية، بسبب معاناة من نقص حاد في احترام الذات، والشعور بأنه عاجلا أم آجلا سوف ينفض من حولهم الجميع، ولذلك يتبعون سياسة «فرِّق تسد» من أجل حفظ مكانة بارزة لأنفسهم وسط الجموع، فيصيرون قبلة لاستقبال آخرين راغبين، إما في المتعة الخبيثة أو الصحبة التي تفتح سراديب من المعلومات الخفية، التي هي في حقيقة الأمر زمرة من الأكاذيب الُمختلقة.
ويؤكد الباحثون أن عدم الشعور بالأمان هو منجم الممارسات الشاذة للأشخاص السامين؛ ومن أجل الإحساس به يقذفون من حولهم إلى هوة من انعدام الأمن، ويجبرونهم على عدم الشعور بالاستقرار. والخطر الداهم الذي يشكله الأفراد السامون هو استشراء عدوى الدأب على إيذاء الغير، حيث أن طرقهم المقيتة جاذبة لضعاف النفوس الذين يسعدون للهبوط لهذا المستوى الأخلاقي المتدني، الذي يدمر حياة الآخرين ويعوق تقدمهم في الحياة. وهناك قاسم مشترك من الصفات التي تجمع بين الأشخاص السامين، وعلى رأسها، عشق التلاعب بالآخرين، سواء على الصعيد العاطفي أو المادي بهدف تسهيل توجيه إهانات عدوانية سلبية أو غير مباشرة لشخص ما دون سبب، مثل الاستهزاء والسخرية بأحدهم، أو جره لموقف دفاعي بعد إثارة قضية حساسة لديه. أضف إلى ذلك، الشخص السام يقدِّس الكذب ويجيده بجميع أشكاله؛ لأنه المعين له على تنفيذ خططه. لكن إن حدث وواجهته بكذبه، فإنه لن يغفر لك هذا أبدا وسوف يغدقك بوابل من الإساءات؛ فالشخص السام يكره أن يلومه الآخرون على أفعاله، بل أنه يلقي اللوم على الآخرين؛ تماما كالمتحرِّش الذي يلقي اللوم على ضحيته تحت ذريعة أنها أثارت غرائزه.
ولا يقنع الشخص السام إلا عندما يهدم جميع الحدود التي يضعها الآخرون بينهم وبينه، حتى ينعمون بحياة صحيِّة، بل يقوم بتسفيه تلك المحاولة تحت ذريعة أن ضحيته تعاني من حساسية مفرطة إزاء أمور معتادة.
ويجب ألا ينخدع أحدهم في شخص سام يُظهِر الدعم، فدعمه الخادع هو إيجابية سامة هدفها هدم الحواجز بينه وبين الآخرين؛ لتسهيل التلاعب بهم، واستنفاد طاقتهم الإيجابية. الشخص السام يجعل نفسه الطرف الأقوى في أي علاقة؛ لأنه لا يكن الاحترام للآخرين. وغالبا، ما تكون صداقاتهم من جانب واحد، وبالطبع، هم لا يلعبون دور الصديق، بل الشخص الراغب في صيد الغير في حبائله من أجل عزله عن الآخرين. ولطرد الأشخاص السامين من حياتنا يجب اتباع نصيحة دالاي لاما Dalai Lama عندما قال: «إذا بحث أحدهم عن إلقاء قمامته في سلَّة مهملات، فتأكد أنها لن تكون ذهنك».. ومن ثم تخلص من الأشخاص السلبيين الذين يتفننون في إعلان شكاواهم ومشاكلهم. وضع حدوداً بينك وبينهم، حتى لا يفرضون هيمنتهم. ويجب ألا ينزلق أحدهم في ما يثيرونه من معارك ومشاحنات؛ لأنها بمثابة إشارة بدء حرب شعواء. ومن ثم، يجب تلافي التعامل المباشر معهم، ولو حدث ذلك يجب أن يكون في أطر من الحدود، حتى لو أظهروا تعاوناً زائفاً.
ومن الجدير بالذكر أن الشخصيات السامة عبر التاريخ الإنساني هي من قامت بهدم الحضارات، وأشعلت الحروب بين الدول. فمثلا، كانت سالومي الشخصية السامة التي واجهت رفض يوحنا المعمدان لمحاولتها للسيطرة عليه، ومن ثم التنكيل بورعه وإيمانه بحرب شعواء عليه انتهت بقطع رأسه. وقبلها كان قابيل وقومه.
والحرب العالمية الثانية التي حصدت ملايين الأرواح، وجعلت الفوضى تستشري في أغلب الرواسخ الإنسانية ـ أشعلها أدولف هتلر ذو الصفات النرجسية المتأصِّلة والذي أغرى دول المحور بمكاسب التعاون؛ لتحقيق هيمنة على العالم، وإلحاق الضرر بدول الغرب؛ خاصة المملكة المتحدة وروسيا وفرنسا، لأنهم كانوا سببا مباشرا لإذلالهم.
ومع استشراء السموم في الحياة الحديثة، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي التي يسهل الهاتف المحمول الوصول لها، صار من الصعب صدّ السموم بالبعد عنها. فطرد كل ما هو سام من حياتنا، يتطلب أولا معرفة كيفية التعامل معه، وبعدها وضع حدود مكينة بيننا وبينه يكون من الصعب عليه تجاوزها.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية