في عالم تتصارع فيه السرديات والهويات، لم يعد السؤال عن الاستشراق مقتصرا على: ما هو؟ بل صار أعمق وأكثر إلحاحا: كيف نتحرر من سرديته؟ وكيف نكتب سردية أخرى بأقلامنا نحن، لا عنّا؟
لم يعد الأمر مجرد تفنيد للصورة النمطية التي رسمها الغرب عنا، لكنه أصبح مساءلة للبنى السياسية والمعرفية التي صنعت تلك الصورة. فـ»الاستشراق»، وفق تعريف إدوارد سعيد، لم يكن دراسة محايدة للشرق، لكنه مشروع معرفي سياسي للهيمنة. واليوم، أصبح لزاماً ابتكار سردية بديلة تفكك الاستشراق الكولونيالي الكلاسيكي من الداخل، دون أن تعكس منطقه بالمقلوب. إن التحولات المعاصرة كشفت أن الاستشراق لم يعد كلاسيكيًا فقط، بل اتخذ أشكالا جديدة كالإعلام الخوارزمي، وصناعة الهوية الرقمية، بالإضافة إلى الترجمة الانتقائية وصياغة الرأي العام العالمي.
من الخطأ مواجهة هذا الواقع بالقطيعة مع الغرب، أو برسم صورة مثالية للذات، مقابل صورته المشوهة؛ فذلك ليس سوى استشراق معكوس، يجب أن تكون السردية البديلة المطلوبة نقدية وقادرة على مساءلة الذات والآخر في آن واحد، فالهدف هو أن ننتج معرفة تنبع من داخل مجتمعاتنا وتعكس تعددنا وتناقضاتنا وأيضاً تفتح المجال لسرديات متجاورة لا لسردية واحدة صماء، وألا يكون مجرد تقديم صورة عنا للآخر.
هنا تبرز فكرة تأسيس مركز إقليمي للاستشراق والتراث في الشرق الأوسط، ليكون فضاءً حيّاً للباحث العربي ويتمكن من استعادة المبادرة، ويعيد قراءة تراثه خارج ثنائية التقديس والإدانة. مثل هذا المركز سيكون جسرا بين الماضي والحاضر، وقناة بيننا وبين العالم، حيث يكون الشرق فاعلاً يمتلك لغته ورؤيته، لا تابعا أو مرويّاً عنه. لا بد أن نعي أن السرديات تُبنى بالتراكم والنقد والمراجعة، لا بمجرد عقد المؤتمرات أوالورش وحدها. وسيظل السؤال مفتوحا: هل نستطيع أن ننتج سردية تتجاوز المركزية الغربية دون أن ننزلق إلى تأسيس مركزية أخرى بأسمائنا هذه المرة؟
آن للشرق أن يكتب نفسه بلا وسطاء، لكن الأهم أن يكتبها بوعي نقدي، بأصوات متعددة، ولصالح المجتمع لا النخب وحدها.
أكاديمي يمني