يقول المتخصّصون في أدب ت. س. إليوت إنّ الإحساس بانسياب الزمن في أعماله أو سيولة الزمان والمكان، خاصّة قصيدته الشهيرة «الأرض اليباب»؛ سمة لا تخفى. وفيها يخترق الماضي الحاضر، فإذا الناس موجودون في الآن نفسه في الحاضر؛ مثلما هم موجودون في الماضي الأبعد والمستقبل معا. وممّا يعزّز هذا الانطباع لمْحُ الصلة في هذا النصّ الذي لا تُملّ قراءته، بين صور الحياة في أوروبا العشرينات من القرن الماضي، والعصور الوسطى، حيث تتبادل مدن مثل لندن وأورشليم والإسكندريّة وأثينا، أسماءها ومواقعها. وتبدأ أوروبا العصر الوسيط، بالظهور، ونحن نقترب من نهاية القصيدة؛ فإذا هي صحراء بلقع تحت رصاص الشمس، وإذا أناس أيّامنا العاديّين في رفقة شخوص من يونانيّين قدامى ورومان وفينيقيّين، وأخرى تتحدّر من الميثولوجيا الشرقيّة. وأظنّ أنّ هذا هو الإحساس الذي يخامرني، وأنا أقرأ الشعر العربي المعاصر، وكأنّه صورة من واقعنا الغريب: على أنّها الأيّامُ قد صِرْنَ كلّها/ غرائبَ حتّى لم تعدْ بغرائبِ (أبو تمّام)
ونحن لا نستطيع أن نسلك إلى هذا الواقع، أو إلى هذا الشعر، إلاّ من باب خلفيّ، أن نمسك بالخيط الذي ينتظمه، ولكنّه قد لا يكون أكثر من خيط العنكبوت نسّاجة النّجوم.
نقول هذا على إدراكنا أنّ القصيدة الواحدة، متى تملّيناها في أبعادها الزّمنيّة؛ ليست سوى «قصائد» تشكّلُ اللّحظاتُ الزّمنيّةُ مجتمعةً، مختلفَ عناصرها ومكوّناتِها. وبما أنّ أيّ زمن يقع في كلّية الزّمن فالقصيدة النّاشئة في زمن ما، لا يمكن إلاّ أن تتواصل فيها سائر الأزمنة وتتنادى. وإذا كتب الشّاعر «أتذكّرُ»، فإنّ قوله لا يحيل الى أشياء الماضي فحسب، وإنّما الى أشياء لم تقع. ولعلّ هذا ما يجعل أكثر شعرنا العربي ينضوي على اختلافه، إلى «شعريّة الأثر»؛ أعني أثر اللّغة التي يطويها النّسيان أو ما يتبقّى بعد أن تُعفِّيَ الذّاكرة كلَّ شيء؛ حيث تنهض الأشياء والأسماء بـ»طوبوغرافيّة متخيّلة» تصل بين أزمنة وأمكنة متحوّلة، وتؤسِّس الكتابةَ تَغريبًا لأوضاع طبيعيّة أو لأشياء مألوفة؛ فـ»الشيء العاديّ» مثل زهر اللوز، يصبح شعرا في يد شاعر مثل محمود درويش يجعل الشّيء الذي ليس له مضادّ؛ يكتسب بنية مخصوصةً في حقل الظّواهر.
يتجاذب شعرَنا العربيّ ـ إذا استعرت عبارات أهل الفلسفة- طَرَفَان هما «الأبولونيّة» (التّوازن والتّناسب والتّناغم…) و»الدّيونيزوسيّة» (المصادفة والعشوائيّة والغرابة…) أو هو يراوح في الفسحة القائمة بينهما شكلا وصورة ودلالة. فالقصيدة عند شوقي أبي شقرا مثلا متاهة فاغرة تنفكّ عن النّسق اللّغويّ القائم. والشّعر العربيّ الحديث محكوم في كثير من نماذجه برغبة حافزة في مضاهاة النّصّ الشّعريّ الغربيّ. ولا يقدر أحد أن يدّعي السّلامة منه ومن أثره. وبالتّالي لا نستغرب أن يَصِلَ كثيرٌ من شعرائنا مثل السيّاب والبيّاتي وأدونيس وسعدي يوسف ودرويش وبنّيس وعبد الصبور.. نصوصهم بهذا النصّ الغربي: مالارميه ـ رامبو ـ إليوت ـ بيرس ـ شارـ ريتسوس…
إنّ اعتراض كثير أو قليل على أنّ هذا الشّعر غير مفهوم، اعتراض وجيه وغير وجيه. ذلك أنّ بعض شعرائنا، يستخدم تقنية في الكتابة هي أقرب ما تكون إلى التّقنية المسمّاة «دريبن»
«Dripping» المنسوبة إلى الرّسّام الأمريكيّ «بولوك». وهي تقوم على أن يحمل الفنّان علب الألوان بعد أن يثقبها، ثمّ يمرّرها فوق اللّوحة ويهزّها. فنحن نقرأ هذا الشّعر وكأنّنا نفكّ الخطّ المسماري أو الهيروغليف المصريّ.
صحيح أنّ بعضهم يتعامل مع الشّعر من حيث هو حلم. والحلم «شعر غير إراديّ»؛ بحيث يفضي إلى كثير من الشّبهة واللّبس، إلاّ أنّ ما يغفله بعضنا أنّه لا وجود في الشّعر الحديث لمفهوم «القارئ» الواحد. وكلّ ما في الأمر أنّ هذا الشّعر يتخيّر «قرّاءَهُ»، أو ربّما كان من مقاصد أصحابه ألا يتواصلوا مع أيّ كان. ومن ثمّ يرسم حدّا لصنف آخر من قرّاء الشّعر. والحدّ يصِلُ على قدْر ما يفصل. وكثير من هذا الشعر المعقود على ّالذات» أو «الأنا» المتورّمة، لا نجد له من مصطلح أفضل من كلمة «سِيلفي». وهي صدر كلمة أو شعار، لا نتهجّاه وإنّما نتلفّظ به. وتعني «لقطة ذاتيّة» أي أن يقوم الشخص بتصوير نفسه بواسطة الهواتف الخلويّة الذكيّة أو بطريقة «الويبكام»؛ ثمّ يبثّها في شبكات التواصل الاجتماعيّة. وكلمة «سيلفي» التي تعني «نفس» أو»ذات»؛ مشتقّة من الكلمة الأنكليزيّة Self.
ولكنّ هذا من الهباء اللغوي الذي لا يدوم ولا يُعمّر؛ كما هو الشأن في هذا الشعر»السّيلفي» الذي عمّ بلاد العرب شرقها وغربها، مثَلهُ مثَلُ الكلمات والاصطلاحات، التي اقترحتها مجامع اللغة العربيّة في القاهرة ودمشق، ولكنّ الناس هجروها إلى الدخيل والعامّي، على نحو ما هجروا مصنّف ابن منظور الذي أصبح بمثابة مقبرة، لكلمات تثوي فيه مثل شواهد القبور؛ فقد اندثرت أشياؤها أو مسمّياتها في ما اندثر من عوالم العرب البائدة. وعلى الرغم من أنّ المقابل العربي الأقرب إلى كلمة «سِيلفي» هو «لقطة ذاتيّة»، أو «انصواريّة»؛ من «انْصَور»، وهو نحت خاصّ بنا؛ على وزن» انفعل» الذي يفيد من بين ما يفيد المطاوعة؛ أو قيام الفاعل بالفعل بنفسه ولنفسه؛ فإنّنا لا نجد أفضل من الكلمة الانكليزيّة التي نديرها كلّنا على ألسنتنا بيسر وسهولة. ذلك أنّها أشبه بـ»إيغوغرافيا» المنحوتة من الإغريقيّة؛ وهي تجمع بين «أنا» و»صورة». ومع ذلك فشتّان بين أن نلتقط صورنا بأنفسنا وبكامل حرّيتنا بطريقة «سِيلفي»، وبين هذه الصورة التي يحاول « السّلفي الداعشي» أن يرسمها لنا وهو يأتي على كلّ ما هو فنّ، قديما كان أم حديثا. ومن لطائف العربيّة أنّ هناك كلمة قريبة من «دعش» تؤدّي بعض ما نحن فيه، وهي من الجذر»د.غ.ش». قالت العرب: دغش فلان وأدغش: دخل في الدغش أي الظلام. و»دغش عليهم»: هجم. وداغش: زاحم. وتداغش القوم: اختلطوا في حرب أو صخب. ومن العجب العجاب أنّ مثل هذه النظرة وسمتْ حتى الأنظمة الديمقراطيّة، ولم يكن ترومان يختلف عميقا عن ستالين. وكان بعض أعضاء الكونغرس يقول عن الفنّ الحديث في أمريكا: «الحداثة ليست سوى جزءٍ من مؤامرة عالميّة لإضعاف أمريكا، والفنّ الحديث كلّه شيوعي..»، بل كان بعضهم لا يرى في اللوحات التجريديّة سوى خرائط سريّة تحدّد مواقع الدفاعات الاستراتيجيّة الحصينة في أمريكا. على أنّ السّلفيّة طبقا لميكانزمات اشتغالها لا تفعل غير أن تخلف نفسها. أي أنّ أخلاف الأسلاف ليسوا إلاّ الأسلاف أنفسهم، وأمّا الأخلاف الحقيقيّون فهم أولئك الذين لا سلف لهم. ولعلّهم بعض هؤلاء الشعراء.. من يدري.. لعلّهم.
شاعر تونسي
منصف الوهايبي