يتحدد تقدم الشعوب بمدى إبداعها وابتكارها واختراعها، في كل المجالات المرتبطة بالإنسان والأشياء المحيطة، ومن أبرز المجالات التي أبدع فيها الإنسان الفنونَ الجميلة، خاصة حقل الأدب، باعتباره المجال الأكثر شعبية في العالم، ذلك أن الكتابة تتيح للإنسان التعبير عن همومه وشغفه وتطلعات حياته، وعليه، تتصف الأمة العربية كونها أمة شاعرة، احترفت الكلام وبرعت فيه، وبلغت في ذلك مبلغا عظيما، الشيء الذي جعل الباحثين والدارسين للأدب العربي يقسمون الشعر العربي إلى قديم (تراث) وحديث، وفي الشعر الحديث، ظهرت تيارات ومشارب إبداعية متعددة، منها ما حافظ روادها على النمط العمودي العتيق، ومنها ما ارتبط روادها بالحداثة الشعرية الغربية، اعتبارا منهم أن الانفتاح الثقافي وتنويع التجارب الكتابية شرط أساسي للخروج من النفق الكلاسيكي، وفي المقابل برزت أقلام نقدية تنسف مجهودات كثير من المحاولات الشعرية الرامية إلى تجديد النظر الشعري، وأخرى موازية لها تدافع عن الاختلاف الأدبي والحق في الإبداع، بدون قيد أو شرط.
ويرتبط كتاب «الشعر العربي المعاصر في المغرب- جدلية الاختلاف والائتلاف» لأحمد هاشم الريسوني بالأقلام النقدية المدافعة عن الشعر المعاصر بدراسته الجادة، وفيه يحاول تأسيس المفاهيم الكبرى لموضوعه عبر منطلقات محددة له، إلى جانب تجليات الشعر العربي من مختلف مستوياته الفنية، وبعد ذلك يناقش خصائص التجربة الشعرية للأجيال الإبداعية المعاصرة في المغرب، وأخيرا يقدم المستويات الفنية في اختلافها وائتلافها لدى أجيال الشعراء المعاصرين في المغرب، وهي اللغة والإيقاع والخيال التصويري. وسنحاول في هذا المقال، الوقوف عند محور التجربة الشعرية المعاصرة في المغرب، وتوضيح بعض أبرز خصوصياتها، إيمانا منا بضرورة إخراج زبدة الكتاب إلى القارئ العربي، قصد التعريف به من جهة، والتعريف بالشعر المعاصر في المغرب من جهة ثانية.
ولعل أهم نقطة نتوقف عندها هي مفهوم الأجيال الشعرية، ذلك أن هناك من يرى أن الحدود الزمنية للجيل هي عشر سنوات، وهناك من يرى أن المرحلة الشعرية المعاصرة في المغرب كلها جيل واحد، وهناك من يرى أن هناك نقلات مغايرة في الشعر العربي في المغرب، نظرا للأصوات الشعرية الجديدة والتطورات السياسية والاجتماعية والحضارية. ويرى الباحث الريسوني أن الشعر بنية واحدة، وأن تقسيم الأجيال مسألة إجرائية تسعفنا في قراءة بعض النصوص ومناقشة حدودها الفنية.
ونميز في أجيال الشعر العربي المعاصر في المغرب بين الجيل الستيني والجيل السبعيني والجيل الثمانيني، ويسمى الأول بـ«جيل الرواد» حيث عرفت القصيدة المغربية خلخلة واضحة على مستوى البنية.
ونميز في أجيال الشعر العربي المعاصر في المغرب بين الجيل الستيني والجيل السبعيني والجيل الثمانيني، ويسمى الأول بـ«جيل الرواد» حيث عرفت القصيدة المغربية خلخلة واضحة على مستوى البنية، حيث انتقلت القصيدة من البناء العمودي إلى التفعيلة، وذلك مع الرواد: أحمد المجاطي/ محمد الخمار الكنوني/ محمد السرغيني/ حسن الطريبق/ أحمد الجوماري/ عبد الكريم الطبال/ محمد الميموني، حيث وصلت لنا هذه الأصوات الشعرية الستينية إلى الثمانينات وساهمت بشكل كبير في تطور بنية المشهد الشعري الثمانيني. أما الجيل الثاني فنسميه جيل التجاوز، والتجاوز مصطلح أطلقه الشعراء الجدد (الذين ظهروا في السبعينيات) بغية تمييزهم عن الجيل السابق، محاولين – بذلك- وضع فواصل بينهم وبين سابقيهم بدون الأخذ بعين الاعتبار مسألة الانفعال/ التفاعل، والتأثير/ التأثر، ولعل شعر هذه المرحلة قد عرف تنوعا في الأصوات الجديدة وكثافة في النصوص، ومن أبرز هؤلاء الشعراء: محمد بنطلحة / محمد بنيس/ المهدي أخريف/ محمد الأشعري/ عبد الله راجع / أحمد الطريبق. ويصرح هؤلاء الشعراء بأن تجربتهم تتجاوز المرحلة السابقة (الستينيات)، والستينيون يصرون على أن قصيدتهم هي الأكمل، وأن القصيدة السبعينية ضعيفة، الشيء الذي خلق صراعاً بين الجيلين، صراع إيديولوجي من جهة، وصراع أدبي ونقدي من جهة ثانية، ومثال ذلك: صراع بنيس مع أستاذه المجاطي، حيث إن بنيس يرى أن ما يكتبه أستاذه أحمد المجاطي لا يرقى لمستوى الشعر، وحاول الدفاع عن موقفه في كتابه «الشعر المعاصر في المغرب – مقاربة بنيوية تكوينية»، والأمر نفسه من جانب أحمد المجاطي، حيث يرى أن ما يكتبه تلميذه محمد بنيس ليس شعرا ولا يرقى لأن يكون كذلك، وحاول الدفاع عن موقفه – هو الآخر- في كتابه «أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث»، وفيه يعتقد أنه لا يمتلك صرحاً إبداعياً حتى يخشى عليه الانهيار، لذلك تجرأ وحاول القصيدة الحداثية نفسها. وكان للجيل السبعيني حظ وافر من الانتشار بسبب المشاركات الكثيرة في الملتقيات الشعرية داخل المغرب وخارجه وطبع ونشر مجموعة الدواوين، وكذا النشر المستمر في الملاحق الثقافية والمجلات الوطنية والعربية، والملاحظ أن الخطاب الشعري لهذه المرحلة انتقل من التقريرية والاهتمام بالموضوع إلى التشكيلات الفنية. وأخيراً، كان الجيل الشعري الثالث (جيل الثمانينيات) على هامش التجربة الشعرية المعاصرة في المغرب، لأنه نشأ في كليات متفرقة في المغرب، وهيمنت سمات الغنائية الذاتية على قصائدهم، فكانوا جيلا مغايرا ابتعد عن المضامين القديمة والتشكيلات الجديدة، وانصرف إلى همومه الذاتية، وغرد خارج السرب، ومن بين الأسماء المبدعة في هذا الجيل، نذكر: سعد سرحان/ إدريس عيسى/ حسن مرصو/ صلاح الوديع. وإلى جانب الأصوات الذكورية في الشعر المعاصر في المغرب، نجد أصواتا نسائية مبدعة، خاضت غمار الانعتاق من الأبيسية (الهيمنة الذكورية) والبحث عن منابع الحرية والمساواة في ظل حب حقيقي، ومن بينها: ثريا السقاط / مليكة العاصمي/ وفاء العمراني/ ثريا ماجدولين/ الزهرة المنصوري/ ابتسام أشروي.
وقد اختلفت وتعددت وتنوعت التشكيلات الفنية للقصائد المعاصرة في المغرب، ما بين الأجيال الثلاثة، لكن أبرز ما يجمعهم هو الغموض، إذ يجعل هذا الأخير من القصيدة ذات شاعرية وجمالية عالية، إلا أن بعض الشعراء يُبالغون في الغموض فتكون شاعريتهم ضعيفة، وقد أصبح الغموض منتشرا عند الجيل الثمانيني أكثر من الجيل السبعيني، حيث أحس بعض الشعراء المغاربة خلال الثمانينيات بأهمية الوظيفة اللغوية للشعر، فجعلوها ذات غموض مقصود بدون اتضاح المضمون. ومن بين ما يؤالف القصائد المعاصرة المغربية هو النزعة الدرامية، خاصة لدى شعراء الستينيات والسبعينيات على وجه التحديد، حيث إن شعرهم يتسم بالنزعة الدرامية الواضحة، من خلال تبني مفهوم الصراع والارتباط الوثيق بقضايا العصر ومشاكله، وكذا التقاط التفاصيل الخارجية وتحويلها إلى مواضيع شعرية والانتقال من التأمل الذاتي إلى التأمل الموضوعي. أما شعراء الهامش أو الأصوات الجديدة الناشئة في الشعر (الجيل الثمانيني) فقد اهتموا بما هو ذاتي على حساب الموضوعي، فركزوا حول الذات أولا وأخيرا، حيث عبروا عن ذواتهم وغاصوا في أغوارها ولم يخرجوا منها، أي أنهم ارتبطوا بالذات ارتباطا وثيقا، ولم يكن هذا الانطواء ذا مقصد إبداعي بل كان يعمل على المساهمة في إخصاب التجربة، وهذا ما يُنتج لنا الغنائية أو التعبير الغنائي الذي يُشخص حالة الذات.
٭ باحث مغربي