القاهرة ـ «القدس العربي»: «لستُ فاقداً للذاكرة فحسب، بل ربما بِتُ أعيش على ذكريات وهمية. ليس لديّ إلا الاقتباسات أنواراً تضيء دربي في هذا الضباب الموحش». (الشعلة الخفيّة)
أمبرتو إيكو (5 يناير/كانون الثاني 1932 ــ 19 فبراير/شباط 2016) أحد أهم الكُتاب الموسوعيين، الذين أثروا الفكر النقدي والأدبي في السنوات الأخيرة بالعديد من المؤلفات، التي لم تزل تثير الجدل والنقاش حولها حتى الآن. بدأ إيكو حياته العلمية بدراسة فلسفة القرون الوسطى. كذلك، أصبحت الموضوعات المتعلقة بالسيميائية وعلم الجمال، والعلاقة ما بين الشفاهية والكتابية، من أهم المجالات التي حظت بالنصيب الأكبر من دراساته النقدية. من ناحية أخرى، كانت لشهرة روايته «اسم الوردة» ظلالها السيئة على أعماله الروائية الأخرى، منها مثالاً.. «بندول فوكو» 1988، «جزيرة اليوم السابق» 1996، «باودولينو» 2000، «الشعلة الخفيّة للملكة لوانا» 2004، «مقبرة براغ» 2010، وروايته الأخيرة «الرقم صفر» الصادرة عام 2015.
يتناول إيكو كذلك دور الخلفيات، أو التناصات الثقافية في إنتاج واستهلاك النصوص، وكيف أن هذه الخلفيات تكمن دائماً في لاوعي الكاتب والقارئ، في انتظار الفرص المناسبة للتحرر والتجسد والتفاعل، لأن وجود النص يتحقق ـ فقط ـ من خلال سلاسل من الاستجابات يستثيرها بنفسه، وهكذا يصبح النص مجرد نزهة يُحضر فيها المؤلفون الكلمات والقراء المعنى. من هذه المنطلقات يمكن تناول رواية «الشعلة الخفيّة للملكة لوانا» والصادرة بالعربية مؤخراً عن دار الكتاب الجديد، وترجمها عن الإيطالية معاوية عبد المجيد.
العائش في الضباب
«جيان باتستا بودوني» أو (يامبو) رجل من مواليد عام 1930، يعمل بائع كتب ومخطوطات قديمة في ميلانو. ونظرأ لأزمة صحية واجهته في الطريق، وقد تجاوز الستين، يفقد ذاكرته ـ ولو جزئياً ـ فيعيش في ضباب دائم، بحيث لا يستطيع التعرّف إلى بيته وأسرته. يعرف من زوجته الطبيبة النفسية، أنه تخرَّج في كلية الآداب، ثم سافر إلى ألمانيا لدراسة تاريخ الكتب القديمة، التي ورث عن جده الولع بها. وتأتي الفكرة بأن يذهب يامبو إلى بيت أسرته الريفي ـ بيت طفولته ـ ربما يستطيع الحصول على ما فقده من ذاكرته. وبالفعل وتحت وطأة رغبة لا يعرف مصدرها يسافر الرجل، بحثاً عن ومضة وجوده، التي ربما تضيء له طريق روحه، وتنتشله من الضباب الذي يحيطه. خاصة علاقته العاطفية الأولى، التي ظنها غابت واختفت، لكنها أصبحت الآن ملاذه الوحيد.

ذاكرة جمعية
الملاحظ على يامبو أنه فقط يتذكر كلمات وعبارات قرأها، أما حياته الشخصية فلا يتذكرها، هو فقط مجموعة أصوات أخرى، فـ»معظم الآخرين، أفكارهم هي آراء لشخص آخر. حياتهم تقليد. عواطفهم اقتباس». كما يذكر الكاتب الأمريكي ديفيد فوستر والاس في إحدى مقالاته. لكن يامبو يحاول الفكاك من أسر هذه العبارة، ويستعيد عاطفته الوحيدة الحقيقية، وقد أدرك المأساة عند وصوله بيت طفولته.. «قلت لنفسي: لديك ذاكرة من ورق يا يامبو». هذه الذاكرة تتماس وتتداخل مع ما تم شحنها به وقت مراهقته، وقت صعود الفاشية الإيطالية، وهو ما يستدعي النظر من بعيد على هذه الذكريات، ومحاولة تقييمها، خاصة وقد وجد شخصاً آخر يعيش بكامل ذاكرته في ضباب لا أمل في الخروج منه، وهي (آماليا) حارسة البيت، التي تعدّت السبعين، والتي لم تزل تعتقد أن موسوليني على قيد الحياة، وحين يخبرها يامبو بأنه جرى إعدامه قبل سنوات طويلة، تقول: «أنا لا أفقه شيئاً في السياسة، لكنني أعلم أنهم أطاحوا به ذات مرة ثم عاد، خذها مني: إن الزعيم ما يزال في مكان ما». وهي عبارة دالة عن ذاكرة متواترة ومتوارثة عن سلطة لا يمكن أن تشيخ أو تنهتي.
الصورة من بعيد
«من الصعب القول إني أعيد اكتشاف شيء ما، أو إنني أنشط ذاكرتي الورقية ليس إلا، ولكن إذا كانت الذاكرة الفردية في حاجة إلى تفعيل، فإنها تختلط بالذاكرة العامة». ولكن، ليس من السهل فصل تاريخك عن تاريخ مجتمعك، وما من يامبو سوى اللجوء باحثاً عن تاريخه الطفولي ومرحلة المراهقة، فيدور في غرف البيت، التي تشبه متاهة عقلية ـ ألعاب إيكو المعهودة ـ كتبا مصوّرة، رسومات طفولية، كراسات المدرسة، فيها موضوعات الإنشاء، التي كتبها في سياق حصص التربية الوطنية، وشعارات الدولة التي كانت تبثها التلاميذ، حتى يؤمنوا بما سيكون وصمة تلاحقهم طوال حياتهم، إضافة إلى برامج الإذاعة والموسيقى، التي كانت مقررة بدورها على جيل تلك الفترة، العائش في مأساة التعلم والإعلام الفاشي. كما كانت الفرصة لإعادة تقييم كل شيء، وأنه في كل الأحوال لم تكن الصورة كما كان يراها، فهل كانت المقاومة الإيطالية مثالية؟ أم أنها بدورها مارست شكلاً من أشكال الفاشية، من قتل وتنكيل بالخصوم بعد انتهاء الحرب؟
الملكة لوانا
وعن طريق الكتب فقط، حتى لو كانت مثقلة بتاريخ موبوء، يعثر يامبو على الشعلة التي ستضيء روحه.. (الملكة لوانا) وهي بطلة قصص مصوّرة كانت مثار دهشة يامبو في طفولته، لكنه يكتشف أن القصص كانت غاية في السخف، لكن قيمتها تكمن في تزامنها مع قصة حبه لـ(ليلي) الفتاة التي فرّت وماتت صغيرة في بلد بعيد. فالأمر لا يرتبط بقصص وحكايات، كان يمكنه اقتباسها والحديث مع الآخرين من خلالها وقت ضياع ذاكرته ـ مذياع حي ــ الأكثر هو مدى تأثير هذه القصص وارتباطها بمواقف حياتية، عاطفية بالأخص، لا يمكن أن تُمحى. ربما هذا ما يفسر أن النص يحتوي العديد من الصور والرسومات، وكأن الذاكرة البصرية تقف على قدم المساواة مع النص المكتوب. الذاكرة البصرية أو الذاكرة الأولى للإنسان. فالرجل موسوعي المعرفة، ذاكرته عبارة عن مكتبة كبيرة، لكنه نسيّ كيف يشعر، ويتذكر حالة أو ومضة، وقد أصبحت شعلة حبه الوحيد، وهو الذي يمكنه أن يعرف كيف يعيش، أو يتعايش بمعنى أدق مع كل ما يحيطه من شخوص وأماكن وحكايات. كانت الرحلة قاسية حتى وجد ضالته أخيراً.. وجد حكاية صالحة للاحتفاظ بها بعيداً عن ضباب حياته الذي اقتحمها فجأة. ولكن.. يكفي أن يتذكر إحساسه بحبيبته المفقودة، فلا يستطيع العثور على ملامحها ولو من بعيد، ولو من خلال وجوه كثرة قابلها في حياته، فالأمر يتعلق بالمعنى الذي لا يختفي. «ما المتعة في أن تكون لديك حكاية إذا كنتَ لا تستطيع أن تقصها على أصدقائك، ولا حتى بإمكانك أن تتذوقها سراً بين الحين والآخر».