انتهت حرب إسرائيل على «حماس» في غزة. لن ندخل في حسابات الربح والخسارة قبل انقضاء شهر هو المدى الزمني لوصول المفاوضات إلى منتهاها، وليتبين عندها من هو المنتصر فيها سياسياً.
المهم الآن أن عداد الموت قد توقف في حرب وُصفت بالأطول بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والأكثر حصداً للضحايا بين الجانبين.
ومهم أيضاً أن الفلسطينيين حافظوا على أكبر قدر من التماسك بين جناحي فلسطين، الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد وقت قصير من إنجاز الخطوط العريضة للمصالحة الفلسطينية أعقبت أكثر من سبع سنوات من القطيعة، والاتهامات المتبادلة بين حماس وفتح، ولولا هذا التماسك لكانت حققت إسرائيل نقطة نصر سياسية في حربها هذه.
أثناء الحرب، وفي أحد المؤتمرات الصحافية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، استنتج، أو هو يملك معلومات، أن العالم العربي يقف ضد حماس في حربها على حماس في القطاع.
لم يفاجئنا من كلام نتنياهو سوى كم الوقاحة الذي تضمنه مثل هذا الإعلان.نتنياهو كان يقصد بكلامه أنظمة عربية معينة لم يعلن عنها.
لكنْ، ما حال شعوب العالم العربي، التي كانت الأقل تفاعلاً مع الحرب الإسرائيلية على غزة، مقارنة بالشوارع الفرنسية والبريطانية والأمريكية، وغيرها؟
وباستثناء مظاهرات صغيرة شهدتها بيروت في بداية الحرب، وشارك فيها لاجئون فلسطينيون وناشطون لبنانيون، لم تخرج مظاهرة عربية واحدة دعماً لغزة، واكتفت وسائل الإعلام بتقديم استطلاعات رأي لمواطنين في طريقهم إلى العمل، أو النزهة، أو التسكع، بين نشرتي أخبار أثناء الحرب، أو ما بين هدنتين.
ورغم أن كلام نتنياهو، ليس بحاجة إلى دليل على صحته، يبقى من الصعب الإشارة إلى أي نظام بالتعاون مع إسرائيل ضد حماس، لكن الإشارة بالتقصير تتجه إلى أغلب الدول العربية.
مرة أخرى، ما سبب تراجع أضعف الإيمان الذي حرصت عليه الشعوب العربية في كل الحروب السابقة ضد الفلسطينيين؟ وما السر، أو المرض، من وراء هذا التراجع في ظاهرة أضعف الإيمان؟
الركون إلى تفسير ذلك بمنع السلطات العربية للتظاهر ليست إجابة كافية، فالسلطات لم تكن تشجع أبداً خروج مظاهرات، لساعة أو ساعات، في المرات السابقة، ولن تشجع ذلك إلا لغاية في نفسها. والنتيجة أن الفلسطينيين عاشوا تحت النار أكثر من خمسين يوماً متواصلة دون صوت للجماهير العربية، والحرب حصدت ضحايا ومصابين حتى في أيام الهدنات نتيجة انفجار مخلفات ذخائر إسرائيلية لم تنفجر وقت إطلاقها. ما يمكن أن نبحث عنه وراء تراجع «أضعف الإيمان» في دعم صمود غزة، غير عدم تشجيع وزارات الداخلية العرب للتظاهر، هو إحجام المواطن العربي عن المبادرة إلى التظاهر، إذ إن الحاكم «أجبن» عن منع مثل هذه المبادرات.
والتفسير هنا قد يكون أن المواطن العربي الذي تابع مجريات أحداث الربيع العربي، خلال أكثر من ثلاث سنوات ونصف حتى الآن، بات في شك من جدوى التظاهر، أو خائف من ذلك، خالطاً بين تظاهرة لدعم الفلسطينيين في غزة، وبين التظاهر لخلع هذا الحاكم أو ذاك. ولابد أن شريط عقله يعيد في كل لحظة شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، ويحاول ألا يزامنه مع إيقاع سقوط القذائف على جغرافيا غزة المكتظة بالسكان، فأسوأ رام على غزة لابد أن يصيب أحداً بالرعب على الأقل، نظراً لتقارب المسافات بين الشوارع والبنايات والمزارع، بل بين الشقق والغرف المكتظة بسكانها في مساحة لا تتجاوز 360 كم2 يسكنها 1.76 مليون نسمة (26 ألف نسمة في الكيلومتر المربع الواحد).
هل بادر المواطن العربي، والأحزاب، والجمعيات، والمثقفون، ونشطاء العالمين الافتراضي والواقعي، إلى النأي بأنفسهم عما يجري في غزة، بدافع من خوفهم أن تظاهرة تخرج ضد إسرائيل قد تتحول فجأة إلى تظاهرة ضد الحاكم العربي الذي ادَّعى نتنياهو أنه يقف إلى جانب إسرائيل، أو ضد حماس؟
ربما، لكن هذا النأي بالنفس، الذي خاف منه اللبنانيون أولاً تجاه ما يجري في سوريا، وخاف منه عراقيو السلطة لاحقاً، هو التفسير الأقرب للمنطق، فبعض اللبنانيين ورطوا بلادهم في الأزمة السورية، غير مكتفين بورطة الجغرافيا بين البلدين، وبعض العراقيين ورطوا أنفسهم بدعم رسمي خفي، غير مكتفين أيضاً بالورطة الجغرافية، وكذلك تورطت إيران في الجغرافيا السورية، بالأصالة عن نفسها، سياسياً وعسكرياً، وبالنيابة عنها عبر الميليشيات العراقية واللبنانية، متلطية وراء ورطة تاريخية عمرها أكثر من 1300 سنة هجرية.
والحال هذه، ما مشكلة الموريتاني، أو المغربي، أو الجزائري، مثلاً، وهو غير متورط جغرافياً مع سوريا، أو غزة، وإذا كان في شك مما يجري في سوريا بعد تمدد داعش، فهل هو في شك أن إسرائيل دولة محتلة ومعتدية، أم أنه يماهي اليوم بين «داعش»، و»حماس»؟
٭ كاتب وصحافي سوري
علي العائد