الشك واليقين في رحلة إبداع نجيب محفوظ

منذ أن كتب روايته الأولى «عبث الأقدار» في عام 1939، أحاطت الشكوك بنجيب محفوظ الذي اتجه للرواية التاريخية ليهرب من تقريرية الأدب التقليدي، ويفتح لنفسه نافذة على عوالم الفلسفة فيكون مُتسقاً مع مرجعيته الدراسية، وذاته الروائية الباحثة عن الجديد والمختلف.
في «عبث الأقدار» نسج الأديب محفوظ خيوط روايته من معطيات التاريخ الفرعوني في حقبة زمنية مُحددة، واستخدم الأسلوب الرمزي في الإسقاط والتعبير، ومن ثم نجح في عصرنة التاريخ القديم وتوظيف أحداثه ووقائعه، في إطار اللغة النقدية المستخدمة في البناء الروائي، بدلالاته وإيحاءاته القديمة والمعاصرة. وقد كرر محفوظ تجربة الدمج التاريخي واستخدام الرمزية كلغة حوار ومسوغ فني وأدبي في رواياته الأخرى، «كفاح طيبة» و«رادوبيس» و«أمام العرش» ليبقي على الصلة بين الماضي والحاضر في ضوء القراءة المتأنية للمشتركات السياسية والثقافية والتنويرية المُفسرة للأحداث والحوادث والمتغيرات الزمنية.
ومن المنطقة التاريخية المبهرة والمغرية، انطلق أديب نوبل إلى تفعيل الفلسفة كمكون أساسي من مكونات الرواية، مستحضراً خلفيات وملابسات وتفاصيل روايته الشهيرة «أولاد حارتنا»، تلك التي مثلت نموذجاً صادماً للقارئ العربي المحافظ، كونها خرجت عن أطر السرد الروائي المعتاد، وتطرقت لمفاهيم كونية، اعتبرت خرقا للمنظومة الإيمانية والقيمية، حيث أدت في تأويلاتها إلى تجسيد المعاني الغيبية، والنزول بها إلى مستوى التصور الذهني للعقل البشري القاصر، والعاجز عن إدراك ما لم يُحط به علماً، وهو ما أخذ على الكاتب في حينه، وسبب له أزمة كبرى في ما بعد وصلت إلى حد الاتهام بالإلحاد.

ما يلفت النظر في النقل السينمائي عن أدب نجيب محفوظ، تلك الرؤى الفنية التي حذت حذو الروايات، فنقلت مجامع اللغة الإبداعية بالتصورات المادية والفلسفية نفسها، وطرحت بكل وضوح نماذج التأمل والحيرة

ولكن بعد تجاوز أزمة «أولاد حارتنا» التي أسفرت عن سنوات من التوقف التام عن الكتابة الإبداعية، تواترت الأعمال الروائية بمضامينها الفلسفية، لتشكل منهجاً جديداً في أدب نجيب محفوظ يعتمد على الفلسفة كلغة تحاور، ومدارات حاوية لأفكار مختلفة هي أقرب إلى التساؤلات منها إلى الاعتراضات، وقد استهدفت في مُجملها الوصول إلى إجابات شافية على الأسئلة الكونية الشائكة، انطلاقاً من رغبة حقيقية في الوقوف على اليقين، وهو ما ترجم حيرة معظم أبطال الروايات المنتمية للنوع الفلسفي، كحيرة عمر الحمزاوي في رواية «الشحاذ»، وهو البطل المؤرق بالأسئلة والباحث عن الحقيقة، وكذلك قلق وتوتر «جعفر الراوي» في «قلب الليل»، البطل المفعم بالغواية والمأخوذ بالحرية كسبيل وحيد للنجاة من سطوة الجد، والتحرر من سجنه المطلق. ويتجدد الصراع في روايات من العينة نفسها مثل «دنيا الله» و«السراب» و«الحرافيش» وتستمر حيرة الأديب وتساؤلاته في تنويعات إبداعية أخرى، كأحلام فترة النقاهة وأصداء السيرة الذاتية مع اختلاف المرامي والأبعاد وصيغ الأسئلة والاستفسارات.
وما يلفت النظر في النقل السينمائي عن أدب نجيب محفوظ، تلك الرؤى الفنية التي حذت حذو الروايات، فنقلت مجامع اللغة الإبداعية بالتصورات المادية والفلسفية نفسها، وطرحت بكل وضوح نماذج التأمل والحيرة، وعناء البحث عن الإجابات المفقودة في النصوص المكتوبة، وقد اجتهدت السينما حسب قدراتها ووعيها في توصيل المعاني الدلالية عبر اللغة الوسيطة للسيناريو والحوار وأدوات الجذب والإبهار، في مكونات الصورة الدرامية، لتسهيل الاستيعاب على عموم الجماهير، ويمكن القول بأن النجاح حالف السينما في معظم ما نقلته من إبداعات الأديب محفوظ إلى الحد الذي ساهم في تكوين قاعدة شعبية واسعة تعاملت مع الأدب المصري كله من منظور الصورة السينمائية، على خلفية ارتباطها بأدب وسينما نجيب محفوظ، على وجه التحديد. وينسب الفضل في ذلك إلى بعض المخرجين من أمثال حسن الإمام صاحب الثلاثية الشهيرة، «بين القصرين والسكرية وقصر الشوق» وصلاح أبو سيف وعلي بدرخان وعاطف الطيب.
ولا يمكن إغفال مساهمات السينما التسجيلية والروائية القصيرة التي نوعت على المزاج الفني نفسه، باستخدام لغة التوثيق والتسجيل في تجارب مهمة كان لها اعتبار في مسألة التنبيه إلى ضرورة العناية بالذاكرة الأدبية، عن طريق الشريط السينمائي، وهو ما تحقق بالفعل في أفلام «الغرفة رقم 12» و«الزيارة» وهما تجربتان قصيرتان لمخرجين وكتاب اتجهوا للقصة القصيرة عند محفوظ، ليبرزوا جانباً آخر من إبداعه لا يقل تميزاً، ويضاف لهذا الملمح ما قدمه المخرج هاشم النحاس في وقت مبكر من رؤية تسجيلية حية عن الأديب نفسه، تناولت يوماً في حياته بتضمين خاص لطقوسه الصباحية المعتادة، وعلاقته بمنطقة وسط البلد، وبائعي الصحف ومقهى علي بابا في ميدان التحرير، محله المختار في الأيام الخوالي، وناصيته التي طالما أطل منها على عالمة الروائي وشخصياته المبدعة.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية