العرض المسرحي المعنون “الشوط السابع” الذي قدمته فرقة “علامات” المسرحية في مدينة الموصل في 26 كانون الأول/ديسمبر الماضي للمؤلف والمخرج بيات مرعي، جاءت الشخصية الرئيسية والوحيدة فيه تنميطا للقوى المثقفة التي شاء القدر أن تقع فريسة زمن تتسيده قوى يستفزها الوعي الإنساني، وتعمل بكل ما لديها من أجل أن تحرق كل ما يدفع البشر إلى التفكير، ولتكون الكتب برمزيتها هدفا لمحرقتها، فتطارد الذين يملكون مكتبات في بيوتهم، وما أن تشم رائحة كتاب حتى يكون هدفا لحرقه مع أصحابه.
من هنا تتخذ الشخصية الرئيسية قرارا مؤلما بالتخلص سراً من الكتب بحرقها قبل أن يطالها اولئك الذين يبحثون عنها حتى لا يمنحهم فرصة أن يسعدوا في عملية حرقها، وبالتالي يستثمروا مشهد الحرق ليكون أداة قمع وترهيب لسحق كرامة الذين يضعون الكتب في أولويات حياتهم.
تشظي الحدث
انطوى العرض في متن خطابه السينوغرافي على تجربة فنية اعتمدت على تكاملية العلاقة بين العلامات النصية والعلامات التي ينتجها المشغل المسرحي، وبذلك يكون المخرج قد وظف البنية الواقعية في النص مع رمزية الأسلوب الإخراجي في استراتيجية فنية تمحورت في تشظي الحدث المسرحي إلى وحدات فنية متناثرة باعتبارها معادلا موضوعيا لحالة التمزق الداخلي التي تعيشها الشخصية، وتبريرا فنيا لتنقلها بين الأزمنة وهي تحاكم السلطة بمفهومها المطلق، سلطة النظام السياسي الذي يصادر حرية الإنسان ويدفعه إلى دوائر القهر والخوف منها ما يجعله ينسى اسمه وهويته فيتنصل عن ذاكرته ووجوده الشخصي، وسلطة رجال الدين وهم يشطبون على العقل ويأخذونه إلى زمن يسوده التخدير، وسلطة التعليم الذي يحجم وعي التلاميذ ويفرض عليهم أن يكونوا مجرد آلة تجتر ما يلقنونهم من معلومات عفا عليها الزمن، وسلطة مجتمع دولي يستبيح حياة الشعوب باسم الشرعية الدولية.
بدا العرض كما لو أنه صرخة احتجاج في وادي الحضارة الإنسانية المعاصرة بعد أن انزلقت لغة خطابها إلى مفردات العنف والعنصرية والقتل، وبات الصراع شرسا بين الماضي والمستقبل، بين العتمة والنور، ولذلك عمد المخرج إلى أن يكون الظلام قيمة فنية مخيمة على الخشبة وفي حالة تضاد لوني وزمني مع البقعة الضوئية التي تتحرك أينما تحركت الشخصية.
محنة المواطن المثالي
تشير الشخصية الرئيسية إلى صورة المواطن المثالي بأوجهها المتنوعة والمختلفة في الحياة، المواطن الذي لم يتورط في السياسة، ولم يتردد في أن يؤدي الواجبات التي يفرضها عليه الوطن، والجندي الذي يطيع الأوامر ويقاتل الأعداء ويفقد ساقه في الحرب. المواطن الذي يؤدي ما عليه من ضرائب ولا يتهرب منها، المواطن الذي يلتزم بالقوانين ولا يفكر في مخالفتها، ولم يتورط في خيانة الوطن، وهو ذاته الذي لا تكف السلطة عن متابعته وملاحقته ومطاردته وتخوينه لأنه يعشق الكتب ويكره الحرب ويحلم بعالم آخر. وخلال عملية الحرق تستعرض الشخصية المحورية أبرز عناوين الكتب التي عرفتها الثقافة الإنسانية المعاصرة، ويفتح مع مؤلفيها حوارا افتراضيا متخيلا أشبه ما يكون بقصيدة رثاء على ما وصل إليه حال الحضارة بعد كل الجهود التي بذلتها قافلة طويلة من الفلاسفة والمفكرين والأدباء، فيخاطب على سبيل المثال ويلي ديورانت صاحب كتاب “قصة الحضارة”: “كم أنت مغفل يا ويلي، أي حضارة (يصرخ) أي حضارة والقيامة كل يوم هنا وهناك تحرق الأخضر واليابس … كذب … كذب … لا شيء من هذا”.
إن أحلام النخبة المثقفة بما تحمله من جذور تمتد عميقا في الذاكرة الحية للمكان، وليست أحلاما تحلق في عالم من التهويمات، فقد ابتكرتها عقول وذوات خلاقة كانت تستشرف الغد: “لا شيء يطوي صفحات الوقت إلا صفحات الكتب، الكتب تعشق رائحة القهوة، ولكل فنجان حكاية هكذا علمتنا الأيام. كنا نبعثر الكلمات والسطور على عتبات ذاكرتنا، كنا نتأمل ونتخيل ونتصور ونحلم آآآآه أيها الحلم … كم من الوقت نزفنا سهراً من أجل الحلم …الحلم… الحلم …ما أصعب أن تطوف في حلم لا يصلح لأي واقع إلا لرسم تخلقه أنت في رأسك”.
تقنية الممثل الواحد
إن خبرة المخرج بيات مرعي، أنتجت لنا عرضا مسرحيا مكتفيا بعدد محدود من العناصر الفنية، متكئا بذلك على سلطة الممثل الواحد، بما تجتمع في قدراته الجسدية والصوتية من مفردات تقنية، أدواتها الإيحاء وطاقتها التشفير، فقدم تجربة فنية جعل فيها المتلقي يتشارك مع الشخصية في تعرية سلطة الجهل التي باتت تهيمن على الحياة، فلا مكان فيها للمشاعر والعلاقات التي تحتفي بالحب، ولولا الحب لما تمكن الإنسان من الصمود والبقاء حيا في زمن تتمدد فيه قوى التوحش والتجهيل. فالحب الذي ارتبطت به الشخصية المحورية مع الفتاة كان سببا في عدم مغادرته الوطن، رغم شعوره المبكر بالاغتراب عنه، لكن قدر الحب الذي يسمو به فوق مشاعر الوحشة والغربة والقهر يتراجع وينهزم أمام قدر الحرب لتكون الحبيبة فريسة للقذائف التي تنهال على المدينة من الطائرات، لتحيل الأحلام الجميلة إلى خراب “لم أتخيل إنها سترحل قبلي في رحلة أجهل طريقها، لقد انقضّت تلك الطائرة الملعونة على بيتها فأطفأت كل الأرواح التي كانت تسكن فيه …اللعنة على الحرب”.
زمن العرض يستغرق 45 دقيقة وكان بمثابة مونولوج طويل، تستدعي فيه الشخصية أزمنة كتبتها سلطة الحرب، فتتشابك فيها صور القهر والكبت والموت، لتأخذ الإنسان في رحلة حمقاء يفقد فيها أشياءه الحميمة، بيته وحبيبته وكتبه وأحلامه ووطنه، وليس من السهل على المخرج في عروض المونودراما أن يمتلك حرية الامساك بأدواته الفنية، كما يشير إلى ذلك جوليان هلتون في كتابه “نظرية العرض المسرحي” ترجمة نهاد صليحة “العمل المسرحي عمل تكاملي يتحدى التقسيم المراتبي للمهارات النفسية والعضلية والعاطفية والادراكية وفقا لأهميتها أو قيمتها، فكلها تنشط في تزامن أثناء عملية التمثيل، وإذا غاب أحد الأذرع فإن ذلك ينعكس انعكاسا سلبيا على الأداء”. وبناء على ذلك فان المخرج في عرض المونودراما سيفتقد إلى عديد الأدوات الفنية، ليكون محكوما بالعمل مع ممثل واحد، باعتباره الأداة الرئيسية لتشكيل الفضاء المسرحي، بمعنى محدودية الخيارات المتاحة أمامه، وسيكون محورها ممثل واحد، ليستحيل الممثل في معظم زمن العرض إلى مجموعة أدوات وتقنيات تكتسب دلالات مختلفة، وإلى مجموعة شخصيات تتجسد أمام المتلقي، ومن خلال تجسيده لهذه الشخصيات يتعاقب الزمن المسرحي على الخشبة. فالممثل الذي يقف في تحدي العرض المونودرامي يعي تماما أن حرفية الأداء في هذه الأسلوبية تقتضي منه أن يرتدي أكثر من قناع، وكل واحد من الأقنعة يعني بنية مختلفة في لفظها وايقاعها وردود أفعالها، فالمهمة عسيرة جدا إن لم يكن الممثل على قدر عالٍ من الاحتراف والمرونة الجسدية والصوتية. ولا شك في أن الممثل محمد العمر الذي اضطلع بمسؤولية هذا العرض توفرت فيه هذه المؤهلات الفنية، وأسعفه تاريخه المسرحي الطويل الذي ابتدأ منذ عام 1973 في أن يقدم تجربة ممتعة في الأداء، رغم أنه قد تجاوز العقد السادس من عمره، إلاّ أنه لا يزال يحمل شغف الهواة في اللعب على خشبة المسرح. وبطبيعة الحال لا يمكن احتواء الطقس الأدائي في هذا العرض من غير أن نتوقف عند المؤلف والمخرج بيات مرعي، فالتركيبة التي تتشكل منها شخصيته الفنية تؤهله لأن يمتلك مفاتيح أسرار التعامل مع الممثل، فبالإضافة إلى كونه قد درس الإخراج المسرحي في معهد وكلية الفنون الجميلة في الموصل وبغداد، إلا أنه قد اعتمد على نفسه وأخذ بتجربته إلى حافات الكتابة المسرحية إضافة إلى الإخراج، وكتب العديد من النصوص المسرحية التي وظف فيها تقنيات المسرح الحديث مبتعدا عن نمطية البناء التقليدي بأشكاله الواقعية والكلاسيكية.
مونودراما “الشوط السابع” تأليف وإخراج بيات مرعي.
تمثيل محمد العمر، ومحمد اسامة، وعمر أكرم وتقديم فرقة “علامات” المسرحية في الموصل. تاريخ العرض: 26 كانون الأول (ديسمبر) 2018