قبل أن يبدأ تايتل الفيلم، قصة عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، وسيناريو أحمد صالح، إخراج أشرف فهمي، يظهر مشهد اقتحامٍ سريعٍ لعربة الفتوّة «الديناري» (فريد شوقي) في دروب الحارة، فيفزع الجميع، ويسارعون إلى إغلاق أبواب بيوتهم ومحالّهم. وحين يترجّل «الديناري»، ليتحدّى من يريد أن يتحدّاه. يظهر ثلاثة أشقياء، فيدميهم ويسقطهم أرضاً بلا حراك، حينها يعلو زهو «الديناري» بنفسه، ومن ثم يحدّق في جميع أنحاء الحارة، الكلّ أغلق أبوابه.. رعب تام، لا أحد يتنفس، وبذا يثبت تحدّيه لكلّ معترضٍ أو منافسٍ كلّ يوم. لكن من هنا يبدأ التَقاطع بين الرواية والسيناريو، إذ لا مشهد الاقتحام السَريع للحارة ولا نزال الثَلاثة، يتصدّران الرِواية، ولكنّنا نحسبه مشهد «أكشن» استهلالي تعمده المخرج وكاتب السيناريو لكي يشدّا المشاهد منذ البداية.
قبل النِزال، تظهر عبارة على الشاشة ذات دلالة، تشير إلى أن أحداث الفيلم تدور في «مصر في عصر ما قبل القانون»، أي أنّ السُلطة الفعليّة، هو فتوّة الحارة، مع العلم أن أحداث الفيلم تجري في عشرينيات القرن الماضي. كما أن الرواية والفيلم يرويان صراع الفتوّات، وليس عن الحرافيش، فيما يرى بعض النقاد أنّ هذا الفيلم ومعه فيلم «فتوّات بولاق» قصة نجيب محفوظ أيضاً، يمثلان السِلسلة الأخيرة من ملحمة الحرافيش. كما يشير النقاد إلى أنّ الفيلمين يُدرجان ضمن موجة عودة السِينما المصرية إلى قصص الأحياء الشَعبيّة في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي، فتاريخ إنتاج الفيلمين عام 1981.
مهمّةٌ سرّية
تبدأ أحداث الفيلم بطلب «شطا الحجري» (نور الشريف) من الرجل الثاني «طباع الديك» (توفيق الدقن) تزكيته لدى «الديناري» في أن يكون أحد رجاله، وهنا يدخل «الديناري»، ليطلب من أحد رجاله تأدية مهمّةً سرّية، الفشل فيها يؤدي إلى الهلاك، فيتبرّع «شطا الحجري»، ليقوم بها. في صباح اليوم التالي، يذهب «الحجري» إلى بيت «الديناري»، فيبوح له بالمهمّة؛ البحث عن أجمل فتاةٍ في الحارة، فخاب أمل «الحجري» لأنّه سيصبح ديّوثاً، ولكنّه يمضي في المهمة إلى أقصاها، كي يرى ما وراء ذلك. يعثر على الفتاة المأمولة «وداد» (نبيلة عبيد) فيفتتن بها، يتبعها إلى حيث تسكن، وتحين التفاتة منها ومن ثمّ نظرة من النافذة.. فيخبر «الديناري» بما فعل، ويطلب منه الأخير مغازلتها وإيقاعها، فتضرب الحيرة عقل «الحجري». وراح يتنصّل من المهمة، كي يحوز وداد، مع الإيمان بأنه ليس من الرجولة الإيقاع بها، لقد أحبّها، وهي في طريقها إلى أن تحبّه. وأصبح في واد و»الديناري» في واد، وبات يقتنع بأنّ الفتوّة تعني التَلاعب بمقدّرات الناس الذين تحت سطوتهم، وإلا ما معنى كلامه الغامض.. الاستمرار في المهمّة.
الهروب

وإذ ذاك يصارح وداد بما أوكله اليه «الديناري»، هو يعبث بهما ويختبرهما، حينذاك تقول له: خذني واهرب. يلجآن إلى فتوّة الدرب الأحمر، «الشبلي» (عادل أدهم) وهو، حسب قراءتي للفيلم هو الشَيطان، إذ أنّ الأفاعيل الخسيسة التي تجرّأ عليها، ليست من ثوب «الديناري»، وبالنتيجة فإنّ وداد باتت المرأة التي فتنت الفتوتين، فضلاً عن شطا الحجري الساعي هو أيضاً إلى الفتوّة. وقد خاب أمله في أن يحصل عليها، بعد أن زجره «الشبلي» في أن يكون أحد رجاله، لأنه خان فتوّته «الديناري» وهرب بخطيبته، وقال قولته الكبيرة «إن الوغد المطيع أفضل عندي من الشهم الخائن»، ومن ثم يخلع عنه نبّوته، ويحجره في زاويةٍ ضيّقة؛ العمل كمكوجي في محلٍّ صغير، محذّراً إيّاه من أي ملاعيب مع الزبائن.
حمّل «ديك الطباع»، بعد خمسة أشهر من زواجهما، وقد أصبحت وداد حاملاً، رسالةً من «الديناري» يهدّده بتطليق وداد، لكنّ الحجري ظلّ على كبريائه متحدّياً «الديناري» مرّةً أخرى، في الوقت الذي تزداد مخاوف وداد، من أن «الديناري» سيفعل أشياء وأشياء، إذ كان «الطباع» يحرّض الديناري على معاقبة أهليهما، لكنّ الديناري لم يوافق على ذلك. الشبلي من جهته، لعب على وتر خلق التَرهيب النَفسي عند الزَوجين الهاربين، بإشاعة أنّ «الديناري» أضرّ والديهما كثيراً، وهو ما يدخل ضمن استغلال كلّ شيءٍ في الحرب الدائمة بين الحارتين وبزعامة الفتوّتين. وضمن ذلك يريد الشبلي هو أيضاً الاستيلاء على وداد.
وداد هي مصر
ربّما ترمز وداد هنا إلى مصر. قد يراود هذا التَرميز القارئ المتبحّر في الرٍواية، والمشاهد الحاذق للفيلم. كما يبدو أنّ «الحجري» المدافع الأمين عن مصر ممثّلةً بوداد. هنا تتضخّم أطماع الشبلي بوداد، ويطلب من الحجري أن يطلّقها، لكنّ الأخير يرفض بقوة، فيتصرّف الشبلي بطريقته الدَنيئة، يحتجز رجاله الحجري ويوسعونه ضرباً، وهو بدوره يقاومهم، وعلى مقربةٍ منه، ربط آخرون من رجاله وداد، من أطرافها، كي ينتهكها الشبلي بقسوة. أصبح الاثنان مدمّرين نفسيّاً، ولو أنّ الحجري يواسي وداد بأنّها شريفة، وأنّها أُخذت غدراً، وأنه ذاد عنها بقوّة، لكنّ كثرة رجاله الأجلاف، أوصلت الأمور إلى ما هي عليه، يخرجان من الحارة وسط استهجان أهلها بتحريضٍ من رجال الشبلي.
يبدو الحجري بأنّه خرج من التَجربة، وهو أقوى ثقةً بالنَفس، ولم يعد يهمّه ما سيجري له، وهذا واضح من تحدّيه لـ»الديناري»، حين جاءه إلى البيت، وطلب منه ترك الحارة فرفض بقوّة، وأنّه كمن ليس لديه شيءٌ يخسره. وفي الحارة الثانية، يحتفل الحرافيش بزعيمهم الشبلي، لأنّه بفعلته الأخيرة كسر عين الزَعيم النِد له الديناري. لكنّ حرب الفتوتين تصاعدت بعمليات خطف متبادل. الطباع بأفكاره الجهنّمية يقود عملية خطف، لثلاثةٍ من رجال الشبلي، جاء الرَدّ على عمليّة الخطف المذكورة، بأن يتمّ خطف الطباع من قبل جماعة الشبلي.
موت الأب وولادة الابن
تمخض عن حديث الرهينة «الطباع» مع «الشبلي» اقتراح اللقاء بين الزعيمين، ويلتقيان في المقبرة، ويجري حديث التحدّي بينهما، وكلّ واحدٍ منهما يبرز مثالب الآخر، وأخيراً يقرّران النزال، كلّ مع رجاله، حيث يهجم رجال الشبلي على حارة «الديناري»، وتجري معركةٌ كبيرة، استغلّها «الحجري» ورصد «الشبلي» فنازله ومن ثم قتله، لكنّ انتصاره لم يدمْ، فالتفّ عليه أحد رجال الشبلي ونحره، وفي اللحظة التي يموت فيها يولد ابنه. ويأتي «الديناري» لزيارة وداد حاملاً، محاولاً مداراة الأمور بأن يعرض عليها أن يتكفل بتربية ابنها، لكنّها ترفض رفضاً قاطعاً، ويخرج الديناري كما المهزوم، إنّها خطيبته، وقد دارت عليها الدوائر، ولم يستطع أن يستعيدها، ينقصه شيء، كبريائه الجَريحة من الراحلين، الحجري الذي خطفها منه، والشبلي الذي انتهكها بوصفها خطيبته.
الرواية والفيلم.. تقاطعٌ وتكامل

شكّل كاتب السيناريو أحمد صالح ثنائيّاً جيّداً مع نجيب محفوظ، فكان الأخير يكتب، والأوّل يحوّل ما يكتب محفوظ إلى قصصٍ سينمائيّة، فيها من التَشويق، ما يشير إلى دور السِيناريست الناجح في تحويل القصص والرِوايات إلى أفلام ومسلسلاتٍ ناجحة، ويذكر أنّ محفوظ اختلف مع صالح في تسمية الأخير للفيلم «الجبابرة» تزامناً مع انتشار موجة أفلام الفتوّة الجبّارين في السِينما المصرية، وأصرّ على تسميته، حسب الرِواية «الشيطان يعظ».
يلاحظ قارئ الرواية ومن ثمّ شاهد الفيلم المقتبس عنها، أو بالعكس، المشاهدة ومن ثمّ القراءة، بأن الفيلم يحفل بتفاصيل كثيرة لا تندرج في الرواية القصيرة، التي هي في الأصل، ليست مستقلّةً في كتاب، بل ضمن مجموعة قصصٍ قصيرة، وأصل الرواية كان اسمها» الرجل الثاني»، بالإشارة إلى الدُور الذي لعبه «الحجري»، وطمح فيه إلى أن يكون الرَجل الثاني، إذا نجح في المهمّة التي أوكلها اليه الفتوّة «الديناري»، واسم الفيلم هذا مأخوذ من عنوان القصص القصيرة ككل، وهو أيضاً عنوانٌ لمسرحيّةٍ قصيرةٍ في نهاية قصص المجموعة.
ويتردّد في الرِواية حديثٌ عن طبيعة شخصية «الديناري»، بأنه شخصيّةٌ يحيطها الغموض، وأنّه لا يُعرف عبثه من جدّيته. وهنا نقول هل أراد الديناري أن يضرب عصفورين بحجر، اختبار أهليّة «شطا الحجري» لأن يكون الرَجل الثاني، وأيضاً اختبار من ستكون زوجته الرابعة وداد، لاسيّما أنّها أجمل نساء الحارة ومحطّ أنظار رجالها. هل فكر في فارق السِنّ بينهما، وهي المرأة الشابّة، التي من المحتمل أن تقع في حبّ شابٍّ قوي. نرى أن التَفاصيل الفارقة للفيلم عن الرواية، سعي من منتجي الفيلم ومعهم المخرج وكاتب السيناريو، لأجل إنجاح الفيلم تجاريّاً، هناك حادثتا الخطف، ولقاء الفتوّتين في المقبرة. ثلاثة مشاهد كبيرة استحدثها كاتب السيناريو.. المقطع الأخير في الرِواية، يشير إلى أنّ الديناري يتمّ سجنه عشر سنوات، وبعد أن يخرج من السِجن، يُوضع تحت المراقبة، وتُقيّد حركته بأن يكون مالكاً لمقهى النجف، ويعود صوت الراوي نجيب محفوظ، في نهاية الرواية، مثلما في بدايتها، للقول إنّه كان مفتوناً بـ»الديناري»، إنّه شاهد أيضاً وداد وقد بلغت الأربعين، تبيع الخوص والريحان في مواسم المقابر، ومعها ابنها رضوان. فيما نهاية الفيلم، يظهر فيها «الديناري» على عربته، مع أن أهل الحارة يحتفون به، حزيناً مكسور الجناح.
وهنا نشير إلى أن هذه الرِواية الشَديدة الواقعيّة ربّما تتكامل مع الفيلم، في قضيّة غياب القانون ومن ثمّ حضوره، ففي الرِواية، يقول محفوظ في نهايتها بوصفه راوياً «وأدركت الديناري وهو يدير النجف وقد مضى عهد الفتوّات والفتونة»، وبملاحظة صيغة الجمع، نتوصّل إلى أنّ محفوظ يلمّح إلى انقراض الفتونة في جميع حارات مصر. وفي الفيلم كانت بدايته تشير إلى أنّ أحداثه تجري في عصر ما قبل القانون. هذا التَكامل المُفترض، يعني لنا أنّ الرواية والفيلم قدّما لنا رؤية محفوظ وصانعي الفيلم عن مصر في عهدين؛ غياب القانون ومن ثمّ حضوره التَدريجي على أرض الواقع.
كاتب عراقي