الحديث عن هذا الفيلم، الذي حاز مؤخراَ المرتبة الأولى ضمن قائمة أفضل 100 فيلم سياسي في تاريخ السينما المصرية، لا بد أن يتشابك مع الفارق الكبير بينه وبين الرواية التي اقتبس منها هذا الفيلم، وهي بالعنوان نفسه «الكرنك» لعميد الرواية العربية الراحل نجيب محفوظ، وهو من إخراج علي بدرخان وسيناريو وحوار وإنتاج ممدوح الليثي. وتمثيل نخبة من نجوم السينما المصرية. وهو منتج عام 1975.
قبل ظهور التايتل، يظهر بيان عسكري مصري عن اندلاع حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، وتحمُّس المصريين المرتادين لمقهى الكرنك، الذي عُنون الفيلم باسمه، للإنجازات العسكرية المصرية في تلك الحرب. ويظهر خريج كلية الطب «إسماعيل الشيخ» (نور الشريف) وهو في هيئة رثة، ويسارع للذهاب إلى المستشفى للمساهمة في معالجة جرحى الحرب، يُرفض دخوله إلا بتصريح فيستعين بزميلته «زينب» (سعاد حسني) كي يسهم في واجب وطني، إسعاف جرحى الحرب.
غزل إعلامي

أطنبنا في سرد هذا المشهد، لأنّ قارئ الرواية يتفاجأ بذلك، وكان محفوظ انتهى من كتابتها في ديسمبر /كانون الأول عام 1971. إذن هذا الفيلم هو غزل إعلامي سياسي للحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الأسبق أنور السادات، وتُسمّى حركة 15 مايو عام 1971، بزجّ إعلان حرب أكتوبر عام 1973، كمعالجة درامية تهدف إلى إنهاء حالة الإحباط، التي سادت الشارع المصري بعد نكسة 5 يونيو/حزيران 1967، الحرب التي خسرتها دول المواجهة العربية مع العدو الإسرائيلي. في الرواية لم يكن إسماعيل الشيخ وزينب يدرسان الطب، بل في كلية الحقوق، كلّ ذلك لأجل إظهار الإسهام الإيجابي لبطلي الفيلم في دعم الجبهة الداخلية المصرية، عن طريق تطبيب الجرحى.
تتوضّح في مقهى الكرنك، شيئاً فشيئاً، العلاقات بين أبطال الفيلم. «قرنفلة» (شويكار)، الراقصة السابقة، التي أفل نجمها، صاحبة المقهى، تعشق «حلمي حمادة» (محمد صبحي)، ويظهران في مشهد حميمي في شقة الأولى، بحجة أنها تريد منه كتابة مذكراتها. وإسماعيل وزينب يحبان بعضهما، وهما يسكنان في حي فقير، ومنعاً للألسن يعلنان خطبتهما.
ملتقى اليسار الناصري
كان الكرنك ملتقى مجموعة الشباب، الذين يبدون مناصرين لثورة يوليو/تموز 1952، أو من يُسمّون جماعة اليسار الناصري، نسبة إلى الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، ومن ضمنهم إسماعيل وزينب وحلمي، يلتقون مع أرباب الجيل القديم ويخوضون النقاشات السياسية، عن الحرية والالتزام وغيرهما من موضوعات الساعة. لكنّ الأمور لم تمض على ما يرام، فتُشن حملة اعتقالات، كان ضحيتها إسماعيل وزينب وحلمي وغيرهم من جيل ثورة يوليو/تموز 1952. ويتعرضون لأبشع وسائل التعذيب، بحجة الانتماء للإخوان المسلمين مرة، وللحزب الشيوعي مرة أخرى. وفي المرة الثانية، عبر وسائل الترغيب والترهيب، ينخرط إسماعيل وزينب، ككاتبي تقارير ضد زملائهما. وبالنتيجة حدث انكسار نفسي، خاصة لزينب التي اغتصبت واستدعوا إسماعيل لكي يراها تُغتصب، إن لم يعترف بانتمائه السياسي. حلمي، كان إحباطه معادلاً للتبرم من قرنفلة وعواطفها الزائدة تجاهه، فيفر من بيتها، وهي تراه المعادل العاطفي لاستمرار ربيع حياتها، وقد بلغت مشارف الشيخوخة. جاء الفيلم ليوجّه انتقاداً للتجربة الناصرية، من جهة أن قمع الحريات وحملة الاعتقالات ضد الناشطين آنذاك كانت سبباً في انكسار الجبهة الداخلية، والهزيمة في الحرب. قمة الهزيمة النفسية، حصلت بعد موت حلمي في التعذيب. وشعور إسماعيل وزينب بأنهما السبب في ذلك. يظهر مشهد أن الأخيرين يحضران اجتماعاً لمعارضين في بيت حلمي، وما أن بدأ الحديث في السياسة وتوزيع المنشورات، تحرّجا من هذا الأمر، إذ يجب أن يبلّغا الجهات الأمنية بذلك، وذهبا للدراسة في شقة قرنفلة، بعد أن سلّمهما حلمي المفتاح. ويقال إن الأزمات العنيفة يعقبها غالباً اشتداد الرغبات الجنسية، وذاك ما حدث بعد أن استسلمت زينب لإسماعيل في تلك الليلة. وتتكرر مشاهد سقوط زينب، بظهورها في مشهد مثير مع أحد الأشخاص، موظف حكومي وزير نساء شغوف أيضاً بقرنفلة لكنها تصدّه دائماً. وبعد المغادرة كلّ منهما إلى بيته، يعتقل إسماعيل للمرة الثالثة، ويتهمه مدير الاستخبارات «خالد صفوان» (كمال الشناوي) بأنه خان الأمانة. ولم يبلّغ عما حدث في شقة حلمي، فقد كانت المبلّغة زينب، بدليل أنها لم تُعتقل، بل جاءت إلى خالد صفوان لتطالب بإطلاق سراحه. وقعت الاعتقالات الثلاثة، قبل نكسة يونيو 1967، بل الاعتقال الثالث، استمرّ وقد قامت تلك الحرب، فكان المشهد المعبر والمؤثر جداً، عندما تخللت مشاهد التعذيب الوحشي وقائع الحرب.
تشريح عوامل النكسة

وهنا يثبت لنا الفيلم والرواية أن ضعف الجبهة الداخلية، وغياب الحريات والاعتقالات والقمع الوحشي، هي من أسباب النكسة. فقد أخذت مشاهد التعذيب الوحشي حيزاً من وقت الفيلم، إلى الدرجة التي بات المشاهد حانقاً على الجهات المعنية بهذا الأمر، وهو رسالة إلى المواطن المصري بأن الثورة شابتها سلبيات كثيرة، وأي مسعى لحذف هذه الصور المرعبة من ذهنية المواطن، لا يكون إلاّ بإجراء التصحيح الشامل، وهذا ما بثه صنّاع الفيلم، بإبراز القرارات التي اتخذتها الحركة التصحيحية بقيادة السادات، من إفراغ السجون من المعتقلين السياسيين، وإقالة المسؤولين عن ذلك ومنهم خالد صفوان، ويظهر مشهد زجّ الأخير في السجن مع المعتقلين الشباب، الذين عذبهم أشد العذاب هو وجهازه القمعي. بعدما حصل من شرخ نفسي في أعماق إسماعيل وزينب، ودخولهما في المتاهة، لا يعرفان ماذا يفعلان. يفسخ إسماعيل خطبته مع زينب، ربما لاستسلامها المفاجئ له، أو لشعوره بالضعة والتخاذل كونه انصاع لخالد صفوان وجهازه القمعي، بأن يصبح رقيباً. إذن هذا الفيلم تتشابك في حبكته ثلاث ثيمات؛ الحب والحرب والقمع الوحشي. خاتمة الفيلم تواصل ما بدأه، حيث حرب أكتوبر 1973، وصحوة إسماعيل من كبوته الكبيرة، فسُمح له أن يدخل المستشفى، ليرافق زينب في المجهود الحربي الطبي.
بين الفيلم والرواية حديث ذو شجون
قيل الكثير عن هذه الرواية انتقاداً، بأنها أضعف روايات محفوظ حبكة ومبنى. قارئها يعجب كثيراً للتغيير الذي أجراه السيناريست ممدوح الليثي على مبنى الرواية، لتخرج فيلماً سياسياً كبيراً. المبنى الروائي قام على أربعة أقسام، كل قسم معنون باسم إحدى الشخصيات الفاعلة. في قسم قرنفلة مثلاً، يتعرف الراوي العليم على صاحبة مقهى الكرنك. ويجري معها حوارا، إذ تعرّف عليها نجمة ملهى عماد الدين في أربعينيات القرن الماضي، كراقصة محترمة جددت في الرقص الشرقي. وحبها الجارف لحلمي حمادة. الراوي العليم يصبح جزءاً من المقهى وشخصياته، فيتعرف على الشيوخ، وكذلك الشباب الجامعي، فكان معايشاً لاعتقالاتهم، ومن ثم صدى النكسة على رواد المقهى، بوصفهم جزءاً من الشعب المصري. الراوي كان محاوراً جيداً للشخصيات، ويبدو أن السيناريست ابتنى السيناريو بما يستشفه من أسئلة الراوي، وأجوبة الشخصيات، ومنها تتضح رؤية كل واحدة عن الأحداث.
كان القسم الثاني عن إسماعيل الشيخ، الذي يروي قصة حياته في حارة دعبس، في بيت لعائلة فقيرة، وهو عبارة عن غرفة واحدة وفناء، وأبوه عامل. ولكن الفيلم ألغى دور الأب نهائياً لعدم فعاليته حتى في الرواية. وله أخوة ذوو مهن بسيطة. ولكن في الفيلم له أخ فقط، «أحمد» (أحمد عبد الوارث) يبدو أنه موظف في السد العالي – أسوان. يسرد إسماعيل علاقته بزينب منذ أيام الطفولة والمراهقة ولغاية الجامعة. ومن ثم الاعتقالات وطريقة حدوثها، ويقين إسماعيل بأن مسؤولين مثل خالد صفوان أساؤوا للثورة ولم يخدموها بإخلاص، أو أن رؤيتهم للإخلاص فردية، أي بمعنى أن الجهات العليا لا تعرف بما يفعله خالد صفوان وحاشيته في الجهاز القمعي. في القسم الخاص بزينب أيضاً كانت هناك افتراقات، مثلاً أن «حسب الله» تاجر الدجاج (علي الشريف) خطب زينب وهي في الثانوية، في حين أن الفيلم بدأ وهي طالبة جامعية. طلبها من أبيها، وهو الذي رفض، لأنها ستصبح طبيبة، كناية عن تطلع هذه العائلة الفقيرة للافتخار بابنتهم، ورؤيتهم لها بهذا المستوى من الرقي العلمي والاجتماعي. يستنطق الراوي زينب بشأن ما جرى من اعتقالات، وحرجها العائلي، خاصة أمها، من أن كل ما جرى لها بسبب حبها لإسماعيل، فهو حبها الأوحد. لكن اغتصابها وتكليفها كمراقبة أمنية أضعفها كثيراً، وقلّل من رغبتها في الحياة إلى حد محاولتها الانتحار. فقرات كثيرة لم نرها كمُشاهَدة بصرية، ولكنّ الرواية قالتها. فقد واصلت زينب سقوطها المدوي، وأسلمت نفسها إلى حسب الله تاجر الدجاج، وقبضت الثمن. لكنها في النهاية، كما تقول للراوي، عاشت حياة متقشفة، لكي تنجو بنفسها من السقوط المستمر.
ما ألغاه الفيلم من الرواية القسم الرابع، الخاص بخالد صفوان، الذي يأتي فجأة إلى الكرنك، فيثير عاصفة من التساؤلات عن مغزى مجيء هذا المسؤول الدموي، وخلال ذلك نعرف أنه خرج من السجن بعد ثلاث سنوات مع مصادرة أمواله. وبتكرار المجيء إلى المقهى، اعتاد رواده عليه. كان يتحدث عن آرائه وتجربته في المسؤولية، وأن خلاصته تعلن كفره بالاستبداد والعنف الدموي. هناك شاب جديد اسمه منير أحمد، ظل الراوي يناكفه عن انتمائه السياسي، ومساره في الحياة، ودخلت قرنفلة في النقاش مؤيدة للشاب الجديد، فهجس الراوي بأن الشاب ربما سيكون المحطة العاطفية الجديدة لقرنفلة، لتكون نهاية الرواية، أنه لا بد ان تستمر الحياة وتتجدد.
كاتب عراقي