الشيفرة السرية لشعبية الإسلاميين في دول الربيع العربي وآفاق المستقبل
5 - September - 2013
حجم الخط
1
يؤكد التحليل النفسي أنّ شعور الانجذاب لطرف ما أو شخص ما؛ يمكن أن ينبع من الرغبات المكبوتة الكائنة في ظلام اللاشعور، وبذلك فإنّ العقل الباطن يدفع المرء إلى التعبير بصدق عما يختلج في النفس، إذا أتيح له التصرف بعفوية؛ وفي بلدان الربيع العربي أصبح من الصعب تزوير الانتخابات، لذلك أتت نتائجها لصالح الإسلاميين، إذاً ربما كان العقل الباطن هو المسؤول عن تلك الشيفرة. تلك المقدمة يستطيع أي محلل نفسي متفيهق قليلاً كتابتها في أربعمئة صفحة، ويدعمها ببعض الإحصائيات ويحصل من خلالها على شهادة ماجستير في التحليل النفسي، فالعالم فتح فمه وهو يراقب ما يجري في دول الربيع العربي، ولكن الأمر أبسط من ذلك بكثير؛ فقد سئم الشعب في تلك الدول من معظم الأحزاب السياسية الكاريكاتيرية، ولن ينسوا ما جلبت على رؤوسهم من دكتاتوريات وفظائع. فالمسؤولون في دول الربيع العربي كانوا يشكلون متوالية هندسية من الفساد، تبدأ من أصغر موظف لتصل إلى الرئيس نفسه، ناهيك عن الظلم والقمع و…، وتوجد فكرة أصيلة في ثقافة الشعوب الإسلامية، هي أنّ الرجل المتدين نزيه فلا يسرق ولا يظلم وهو الأجدر بالثقة من غيره، ربما كان معهم حق، ففي مصر مثلاً نجد أنَّ الشخص الذي يرأس أعلى سلطة قضائية في البلاد، والذي كان على الرئيس مرسي أن يتقدم بشكوى إليه فيقوم بإصدار حكم قضائي – وفق ما لديه من قوانين يعيد فيه الرئيس مرسي لمنصبه ويبطل الانقلاب ويضع قادة الانقلاب في السجن؛ ولكن ماذا فعل لقد أخذ هو نفسه منصب الرئيس مرسي، ولم ينطبق الاسم على المسمى. إنّ عقودا طويلة من الفساد أورثت الدول العربية اقتصادات متهالكة ومستويات مرعبة من البطالة والفقر، فأصبح المواطن لا همّ له إلا لقمة العيش؛ التي ربما فشل أحياناً في تحصيلها، في ظل سيطرة نصف دَزِّينة على خمسة أرباع مقدرات الدولة بلا حولٍ منه ولا قوة، وبذلك فإنّ أول انتخابات حرة دفعت العديد من المواطنين إلى الانطلاق من فكرتهم المسبقة تلك في اختيار مَن يعتقدون بنزاهتهم وعدلهم. في الدول الغربية لا يُلاحظ حدوث تغيير في سياسة الدولة مع تغير الحزب الحاكم، وإلا ما الفرق بين أوباما وبوش الابن، أو بين بوش وكلينتون أو بين هولاند وساركوزي.. فالانتخابات تغير فقط الأشخاص، من دون أن تمس سياسة الدولة، والديمقراطية عندهم هي فقط فوز الحزب أو الشخص بنسبة 51′ من أصوات الناخبين، والفائز يأتي لينفذ مشروع الدولة المنطلق من مصلحة الشعب، والمجسد في استراتيجيات طويلة الأمد ويحكم وفق القانون والدستور لا وفق مزاجه الشخصي، وبذلك لن يلاحظ تبدل في سياسات تلك الدول مع تغير حكامها، ففي الواقع الذي يحكم هو القانون ومصلحة الشعب، وليس الرجل القابع في القصر الرئاسي أو دار الحكومة إلا كسائق القطار. لذلك يجب التركيز في الدول العربية على أن يكون الحكم في بلدانهم وفق القانون، أكثر من تركيزهم على الشخص أو الحزب الذي يحكمهم، وينبغي أن يقيَّم عمل الحكومة من خلال مدى التزامها بهذا المبدأ. قد يقول قائل يجب على المسؤول أن يتحرر من القوانين والقوالب الجامدة ويتحلى بالديناميكية، وهل القوانين التي تنظم أعمال الدولة الإدارية هي شيء منزل من السماء، إذاً يمكن تغييرها دائماً بما يتوافق مع المصلحة العامة؛ فاقتصاداتنا المنهكة ليست بحاجة إلى ديناميكية تفتح الأبواب للفساد، أما إذا ما تم تغيير أحد القوانين أو تعديله، فإن ذلك يوجِّه أنظار المواطنين أو النخبة منهم إليه، وبالتالي استمرار الرقابة الشعبية على عمل الحكومة. لا شك أنّ دول الربيع العربي حققت قفزة عملاقة بتخلصها من أنظمتها الديكتاتورية، ولكن يجب على شعوبها أن تتحلى بالواقعية فلا أحد يملك عصا سحرية، ولن تستطيع أي حكومة أن تحقق الرفاه الاقتصادي لشعبها في المستقبل القريب، ولربما احتاج الأمر لعشرات السنين حتى يصلوا لما وصلت إليه تركيا مثلاً، ومن الأجدى لهم أن يلتفوا حول حكوماتهم المنتخبة انتخاباً نزيهاً ويقبلوا نتيجة العملية الديمقراطية مهما كانت، ولا يسمحوا لموجات الثورات المضادة أن تعيدهم إلى ما قبل ربيعهم، تلك الموجات التي اختبأ وراء مظهرها التحرري أركان الأنظمة السابقة وأطراف خارجية آثمة لم تفق بعد من صدمة سقوط أنظمة كان حكامها بيادق بأيديها، وعلى الجميع الاتعاظ مما حدث في مصر، فقد تجلى للعيان عودة النظام السابق بكل ممارساته. علينا أن ننطلق في ديمقراطياتنا الناشئة من عقد اجتماعي جديد يركِّز على أن يتم حكم بلداننا بقوانين واضحة وشاملة، إنّ هذا المبدأ بديهي وموجود حتى في كوريا الشمالية، ولكن بشكل نظري فقط، فالبطولة أن يتم تطبيقه عملياً، فينبغي أن تدار الدولة من خلال قوانين تنطلق من مصالح الشعب وأن ترسم إستراتيجيات وطنية طويلة الأمد تجعل جميع الأحزاب تلتف حولها وتتسابق إلى تنفيذها بالشكل الأمثل الذي يعود بالنفع على المواطنين مباشرة، ويترك للشعب حرية اختيار قيادته مهما كان ذلك الخيار. كانت الحياة السياسية في دول الربيع العربي قبله مأساوية، فقد اقتصرت عملياً على حزب واحد يسيطر على كافة مفاصل الدولة ويمثل مصالح العائلة الحاكمة، أما نظرياً فكان معه عدد من الأقزام الحزبية لحفنة من المنتفعين، إلا إنّه بقيت في الظل أحزاب اسلامية زاد من شعبيتها ما كانت تعانيه من القمع والحظر، وبعد قيام الثورات استفاد التيار الإسلامي من جو الحرية الناشئ، إضافة إلى انهيار الأحزاب الكاريكاتيرية وتعريتها أمام المجتمع، فلم يبق على الساحة السياسية إلا الإسلاميون مع القليل من شخصيات المجتمع المدني المشهورة، التي سعى بعضها إلى تأسيس أحزاب جديدة، وبذلك فمن البديهي ألا يستطيع أحد منافسة الأحزاب الإسلامية، إضافة لما ذكر حول الفكرة المسبقة لدى العامة المتعلقة بنزاهة الرجل المتدين. لقد تبين خلال الأشهر الثلاثين من أعمار الجمهوريات العربية الجديدة، أنّ أعدى أعدائها السهولة السياسية، فقد أفاق المواطنون فيها على واقع جديد فيه كامل الحرية، نتج عنه ظهور عدد كبير مما يسمى بالناشطين السياسيين الذين يقومون بحشد المواطنين من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ويقدمون أفكاراً ذات مضمون ديماغوجي غير مسؤول، لا يلبث أن يجذب عدداً من الشبان المتحمسين وينتهي بهم الأمر إلى النزول إلى الشارع، فيدخلون بلادهم في أتون صراع سياسي لا يُسمن ولا يُغني من جوع، وهنا تبرز الحاجة إلى دور تلعبه الزعامات الوطنية لإرساء أسس الاستقرار والحث على ضبط النفس وشرح مفهوم الديمقراطية بشكل صحيح، والاهتمام بما يدفع العربة وليس ما يعيقها. وكما يقال حسبك من العقد ما أحاط بالعنق فليس المهم تطبيق الديمقراطية بقدر ما هو مهم فهمنا الصحيح لها والرضى بنتائجها النزيهه مهما كانت.