لا يعلى على جماهير أرسنال من جهة المطالبة دائماً بتحقيق النجاح، ان كان من لاعبيهم أو مدربهم أو ادارتهم، الى درجة أنهم تخلصوا من العديد من الأسماء الكبيرة والأساطير لمجرد الإخفاق في الوصول الى تطلعاتهم، وأبرزهم في السنوات الاخيرة المدرب الاسطوري أرسين فينغر، الذي لم تسعفه ألقابه السابقة مع النادي.
اليوم تغير الأمر بعض الشيء، وبات «الصبر» مفتاحاً تحمله الجماهير وأيضا اللاعبون في أرض الملعب. فالجماهير ساهمت في رحيل المدرب الاسباني القدير أوناي ايمري، بعد دفع فينغر خارج أسوار النادي، رغم أن المدرب الاسباني أوصلهم الى المباراة النهائية للدوري الأوروبي في 2019، وحتى بعد تعيين المدرب الحالي ميكيل أرتيتا، لم تتوقف المطالبات باقالته حتى بعد احراز كأس إنكلترا في أول موسم له مع الفريق في 2020، ولولا علاقته الرائعة مع مالك النادي كرونكي وابنه جاك، لرحل المدرب الشاب، لكن العنوان الرئيسي كان «الصبر» على المدرب الواعد، الذي نجح في صناعة فريق رهيب حالياً، رغم التهديد والوعيد بان هذا الموسم قد يكون الأخير له لو لم يحرز الدوري الإنكليزي أو دوري الأبطال، كونه حل ثانيا في آخر موسمين في الدوري الممتاز ووصل الى نصف نهائي التشامبيونزليغ الموسم الماضي، لكن الإدارة هذا الموسم فعلت ما لم يخطر على بال أشد المتعنتين من جماهير أرسنال، بانفاق أكثر من 250 مليون جنيه استرليني على ضم 8 لاعبين جدد في مختلف المراكز، لتكون ربما أفضل نافذة انتقال في تاريخ النادي، بحيث أصبح عمق الفريق أكثر توازنا وربما أفضل من كل الفرق المنافسة له محلياً وأوروبيا، بل أفضل حتى من ليفربول الذي انفق بدوره أكثر من 450 مليونا في نفس النافذة، فصار هناك أكثر من لاعبين اثنين رائعين لكل مركز، فبدءاً من حراسة المرمى، حيث ضم الاسباني أريزابالاغا بخمسة ملايين إسترليني فقط، وهو الذي كلف خزينة الجار تشلسي أكثر من 70 مليون إسترليني قبل سنوات، ليشكل البديل المثالي للحارس دافيد رايا، وفي الدفاع تخلص أرتيتا من أصحاب الإصابات الكثيرة والمشاكل العضلية، فسمح لتومياسو وتيرني وزينتشينكو بالرحيل ليثبت المتألق يورين تيمبر الى جانب بن وايت على الجهة اليمنى من الدفاع، والى جانب صخرتي الدفاع صاليبا وغابريل ضم الاكوادوري هينكابي والاسباني الواعد موسكيرا بعدما سماح للبولندي كيفيور بالرحيل، وثبت الإيطالي كالافيوري الى جانب الشاب الواعد لويس سكيلي على الجهة اليسرى من الدفاع، علما ان كل الأظهرة الأربعة بامكانهم اللعب في أكثر من مركز. أما في وسط الملعب وبعدما سمح للمخضرمين جورجينيو وتوماس بارتي بالرحيل المجاني، عزز هذا الخط بضم الاسباني المتألق مارتن زوبيمندي الذي كان مطلوبا من أكثر من ناد كبير في أوروبا، الى جانب ضم الدنماركي المخضرم كريستيان نورغارد، الذي سيرضى أن يبقى على مقاعد البدلاء ليكون مستعدا لاراحة الاساسيين مثل ديكلان رايس وميكيل مورينو. وأكمل أرتيتا الصفقات الكبرى بضم ايبيريشي ايزي ليكون منافساً مع أوديغارد على المركز رقم 10، او القيام بدور صانع الألعاب. ولأن النجم الأول بوكايو ساكا كثير الإصابات وغيابه دائما ما يكون مؤثرا على الفريق، آثر ارتيتا ان يضم جناحا تمثل بنوني مادويكي، ليكون هناك جناحان رائعان على الجهة اليمنى، مثلما هو الحال على الجهة اليسرى، بوجود غابريل مارتينيلي ولياندرو تروسار. لكن أبرز صفقات أرتيتا هذا الصيف كان بضم المهاجم السويدي العملاق فيكتور يوكيريس الذي حل مشكلة كبيرة في الفريق، الذي افتقد للمهاجم رقم 9 لمدة طويلة، في ظل غياب كاي هافيرتز وغابريل جيزوس بسبب الإصابة، رغم انهما ليسا مهاجمين تقليدين في مركز رقم «9». وأثبت أول شهرين من الموسم الحالي مدى قوة الفريق بوفرة الخيارات والبدائل مع تنوع المسابقات وكثرة المباريات وزيادة الغيابات والاصابات. وهنا خطفت جماهير أرسنال ثمار صبرها على المدرب والإدارة.
هذا «الصبر» امتد أيضا الى أسلوب لعب الفريق حالياً، فهو لا يضغط بصورة مفرطة كالسابق، بل يأخذ وقته في تفتيت خصمه، مثلما فعل مع العنيد أتلتيكو مدريد في دوري الابطال عندما هزمه برباعية نظيفة، جاءت كلها في الشوط الثاني، حيث يؤمن صلابة دفاعه لحماية مرماه، ثم يضرب الخصوم بقوة، بحيث كان هذا الانتصار هو التاسع على التوالي له على أرضه في المسابقة، حيث سجل 27 هدفا خلالها ولم يدخل مرماه أي هدف، ولهذا كان من السهل على نجم هجومه مارتينلي أن يصرح بأن فريقه «سيخشاه كل الفرق في أوروبا، وسيتمنى الجميع تفادي لقائه».
«الصبر» هو العنوان الرئيسي لنجاح ارسنال حتى الآن هذا الموسم، باعتلائه صدارة الدوري الإنكليزي، وهو أيضا من بين 5 فرق فقط من أصل 36 حققوا العلامة الكاملة في دوري الأبطال، فهل يقوده الى فك عقدة احراز لقب الابطال للمرة الأولى والبريميرليغ أيضا للمرة الأولى منذ 2004؟