الصحافية الإسرائيلية عميره هاس: ما أجهل السائل وما أوقح إسرائيل!

حجم الخط
0

وجه لي س. وهو من سكان غلاف غزة، عدة أسئلة سبق أن وجهها لي أشخاص آخرون من قبل. “أنا قارئ متابع لـ “هآرتس” ولمقالاتك. وبصفتي أحد سكان الغلاف، أحاول معرفة موقفك مما حدث في قطاع غزة منذ الانفصال. لماذا حسب رأيك بالتحديد، خرجت المقاومة الأقوى من المكان الذي ألغت فيه إسرائيل الاحتلال؟”.

“منذ سنوات والفلسطينيون يصرخون بأن الاحتلال سبب كل الشرور. والآن تم إجراء تجربة صغيرة لإلغاء الاحتلال؛ كان يمكن للفلسطينيين أن يبنوا لأنفسهم دويلة نموذجية هناك، ولكنهم فضلوا استثمار الأموال في محاربة إسرائيل. هل لديكِ تفسير لذلك؟”.

تحية للقارئ س: الانفصال في 2005 لم يكن إلغاء للاحتلال الإسرائيلي. أولاً، استمرت إسرائيل في السيطرة على حياة السكان في القطاع وعلى إمكانية تطوره حتى بعد أن تم تفكيك المستوطنات والمواقع العسكرية التي كانت فيه. ثانياً، حسب اتفاقات أوسلو التي وقعت عليها إسرائيل، لا يعتبر القطاع كياناً منفصلاً، بل جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية التي احتُلت في العام 1967. وحسب الفلسطينيين وحسب الموقف الدولي، كان يجب أن تصبح هذه المناطق ضمن الدولة الفلسطينية. وحقيقة أن إسرائيل عملت على فصل سكان القطاع عن سكان الضفة الغربية، وحقيقة أن الإسرائيليين تعاملوا ويتعاملون مع قطاع تنقصه الموارد ومعزول والذي مساحته 365 كم مربع على أنه كيان منفصل، هي بحد ذاتها دليل على سيطرة إسرائيل عليه، بل على وقاحة إسرائيل.

لا يمكنني تلخيص ما كتبته في مئات وربما آلاف المقالات، ولكن سأقول باختصار: رئيس الحكومة شارون لم يتشاور حول الانفصال، ولم ينسق تنفيذه مع قيادة الحكم الذاتي الفلسطيني المقيد، التي كانت ما تزال برئاسة حركة فتح، وغير منقسمة بينها وبين حماس. تقدم شارون في المسار التدريجي الذي وضعته إسرائيل منذ بداية التسعينيات وأحسنت إخفاء خطورته وأهميته في عملية أوسلو: هذا نظام حظر وتقييد لحرية حركة الفلسطينيين مع خلق جيوب فلسطينية. في 15 كانون الثاني 1991 بدأت إسرائيل في هذه السياسة الكاسحة، وكانت نتائجها الفورية التي تفاقمت مع مرور السنين هي فصل سكان القطاع عن الضفة وعن العالم.

واصل شارون ما فعله أسلافه. الحصار الخانق الذي فرضه إيهود أولمرت على قطاع غزة في 2007 كان تغييراً كمياً وليس نوعياً. هذا التساوق في السياسة يظهر الفكرة من وراء هذا العمل: هو ليس تجربة لإلغاء الاحتلال، بل وسيلة لإفشال إقامة الدولة الفلسطينية في الإطار الذي شاهدته م.ت.ف والمجتمع الدولي أمام ناظريهم. كان للسيطرة على قطاع غزة حتى 7 تشرين الأول، عدة مظاهر: الأول هو السيطرة المطلقة على سجل السكان الفلسطيني، وعلى سجل سكان القطاع. إسرائيل هي التي تحدد من يمكنه الحصول على بطاقة الهوية كأحد السكان في القطاع أو في الضفة الغربية. أي شخص، ومكان سكنه المسجل في بطاقة الهوية الصادرة من قبل السلطة الفلسطينية تقنياً فقط، يحتاج إلى مصادقة إسرائيل. وسكان القطاع الذين سحبت منهم إسرائيل مكانة المقيم قبل العام 1994لا يمكن تجديدها بدون مصادقتها.

الفصل عن الضفة الغربية (وعن إسرائيل) تسبب بضرر كبير لقدرة التطور الاقتصادي في القطاع، الذي كان في الأصل منذ 1967 في وضع تدهور أو جمود من جراء خطوات متعمدة اتخذتها إسرائيل. إسرائيل لا تسيطر على معابر الحدود فحسب، بل كذلك على الفضاء الجوي والبحري للقطاع: لا تسمح لسكان القطاع بتجسيد حقهم في حرية الحركة في البحر والجو. إسرائيل بهذه السيطرة أيضاً تقيد فرع الصيد الفلسطيني ولا تسمح للفلسطينيين باستخدام مخزونات الغاز التي اكتشفت في مياه غزة، كما أنها تسيطر أيضاً على الموجات الإلكترومغناطيسية الضرورية لتطوير التكنولوجيا. وبسيطرتها على التصدير والاستيراد، فهي كذلك تقيد قدرة وجدوى الإنتاج الداخلي. هي تواصل سيطرتها على مدخولات الضرائب. ومصر أيضاً لم تفتح معبر رفح أمام حركة حرة للفلسطينيين والأجانب، سواء خوفاً من استيطان الغزيين فيها أو كمعارضة سياسية لفصل القطاع عن الضفة أو خضوع لإملاءات إسرائيل.

تعمد شارون أو لم يتعمد، أضعف بخطوته الأحادية تلك السلطة الفلسطينية، التي تمسكت بمسار المفاوضات. وقد منح جائزة لحركة حماس التي قالت إن “الكفاح المسلح” الذي اتبعته في الانتفاضة الثانية وتطوير قدرتها العسكرية، هو الذي أجبر الجيش الإسرائيلي على الانسحاب، وليس المفاوضات أو اتفاق يتم التوقيع عليه. هكذا اعتقد وما زال يعتقد كثير من الفلسطينيين. ليس من الغريب أنه تفوز حماس بعد بضعة أشهر على الانفصال، في كانون الثاني 2006، بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني (لكن ليس بأغلبية أصوات الناخبين).

في البداية، يجب الإجابة عن سؤال لماذا فعلت إسرائيل كل ما في استطاعتها لإفشال إقامة الدولة الفلسطينية الصغيرة في القطاع والضفة الغربية. بعد ذلك، يمكن التقدم ومحاولة الشرح لماذا شعر سكان “الدويلة” المحاصرة والمعزولة بأنهم محكومون بالمؤبد وفي حالة عوز، في الوقت الذي يخضع فيه أخوتهم في الضفة الغربية لحكم عنيف لمشروع الاستيطان الموسع. بعد ذلك سنتحدث عن الوهم أو الهذيان أو عن مشروع الكفاح المسلح في فرصة أخرى.

 هآرتس 11/2/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية