الصدق الذي يستملح الكذب!

الخبر عند البلاغيين العرب يحتمل الصدق والكذب فحين يقول لسان الدين بن الخطيب (جاءت معذبتي في غيهب الغسق) فهذا يصنّف عندهم في باب الخبر الذي يحتمل الصدق، أو الكذب بمعنى أنّه يحتمل أن يطابق فيه القول المرجع ويحتمل ألاّ يطابقه. لكنّ الإشكال في هذا المثال أنّه لا يليق مثالا بدرس عن الخبر، فقيمته الحقيقية ليست قيمة الصدق.
قيمة الصدق، هي التسمية المنطقية لما يسميه البلاغيون الصدق والكذب، ويعنون بها قيمة تسند إلى كل قضية منطقية وهي الجملة بالتعبير النحوي والتي تتألف من الموضوع والمحمول، ففي قضية من نوع (أنا مجنون) فإنّ الضمير (أنا) هو الموضوع و(مجنون) هو المحمول. والقضية المنطقية (أنا مجنون) هي القضية التي يحكم عليها إمّا بالصدق وإمّا بالكذب لا بكليهما. ويسمّي المناطقة ذلك بمبدأ التكافؤ، وهو مبدأ يقضي بأن كلّ قضية لا تكون لها إلا قيمة واحدة من قيمتي الصدق فهي إمّا صادقة وإمّا كاذبة. لكنّ قيمة الصدق لا تنطبق على قولك (كن مجنونا) أو (هل أنت مجنون؟).
لا أحد من المناطقة يعنيه الواقع الذي يجعل قولي عن نفسي (أنا مجنون) مطابقا أو غير مطابق له، إنّما عين المناطقة على اشتغال القضايا المنطقية، وفق مبدأ التكافؤ وعين البلاغيين أيضا لا تبحث كعين المحقّقين في المطابقة، أو عدم المطابقة بين المقول والقائل من ناحية، وواقعه من أخرى، لكنّ دخول الكذب الأخلاقي الدرس البلاغي بنية طيبة أو نيّة خبيثة هو الذي يميّع مسألة الصدق والكذب البلاغية. فبلاغة الكلام أن يقبل الخبر الوسم بالصدق أو الكذب بقطع النظر عن التحقيق فيه واقعا أو مرجعا، لكنّ بعض التيسير على طلبة الدرس البلاغي يجعلهم يخلطون بين كذبين أو صدقين: صدق الأخلاق وكذبها وقابلية المطابقة أو كذبها. بعبارة أخرى لا يعني أيّ أحد إن كان قولي (أنا مجنون) صادقا بلاغيا أو كاذبا لكنّ ذاتي التاريخيّة تتدخّل في الموازنة الأخلاقية بين قولي عن نفسي إني مجنون، هل أنا مازح (أي كاذب بشيء من التهذيب) أو جادّ؟
الصدق أو الكذب الذي يدرس في القضايا المنطقية أو في الكلام البلاغي هو حكم على الكلام أي حكم على الأقوال بقيمة تربطها بقيمة ما أو بمرجع ما القيمة المنطقية يكون فيها الصدق والكذب داخلين في متلازمتين متكافئتين كأنك تسند صفرا وواحدا، أو كأنك تسم لونا بالأبيض والأسود، لكنّ الصدق عند البلاغيين أوسع نظرا من ذلك لأنّه يرتبط بالمطابقة بين المرجع واللغة. هناك فرق بين الإحالة والمطابقة الإحالة أن يحيلك الاسم في اللغة أو ما شابهه على مرجع ما يكون واقعيا أو خياليا، كأن يحيلك اسم الأسد على ذلك الحيوان، أو فعل المشي على حركة التنقل التي تسمح للبشر بأن يتحولوا على أقدامهم من مكان إلى مكان. لكنّ المطابقة تعني أن يكون لك تصوّر عن واقع وتبحث له عمّا يطابقه. حين أقول (أنا مجنون) فعليك أن تفترض أو تتوقع أو تعرف واقعا من يكون هذا المتحدّث الذي يسند إلى نفسه صفة الجنون، حين لا تعرف هذه الذات سوف تحمل كلامه على الصدق لأنّك تثق فيه حين يتكلم لكنّك ستصدقه في شيء يمكن أن يكون فيه تناقض فهل يكون المجنون قادرا على اتهام نفسه بالجنون؟ سوف تحمله إذن على المبالغة، أو على الغضب عندئذ سوف لن يكون للمطابقة من قيمة إنّما ستخلق شيئا جديدا اسمه إنشاء التصوّر عن هذا الذي يصف نفسه بالجنون سوف تحكم عليه بالغضب أو بالاندفاع أو بالمبالغة. سوف تنسى الصدق والكذب ولن يعنيك من شأن من تكلم، أنه وصف نفسه بما يطابق الواقع أو لا يطابقه.
حين يصدر الأطباء بعد اجتماع رأيا طبيا يقضي بأني فقدت مداركي العقلية، سيحمل الكلام محمل الصدق حتى لو كان ذلك الحكم خطأ وقع بيني وبين شخص آخر، وتداخلت الملفات لتشابه الأسماء سيكون حكما صادقا أو حكما كاذبا سأسعى إلى نقضه؛ الصدق والكذب حكم بالمعنى القضائي أو الشرعي على حالتي حين يحكم عليك طبيا بالجنون ستكون لغة الطب دقيقة مهذّبة في توصيف تلك الحالة فلن تستعمل جملة من نوع (أنت مجنون) بل ستختار الصفة الدقيقة وسوف يتحدث عني بضمير الغائب وستكون أناي مغيّبة، أو في غيبوبة عقلي العالق في عوالم أخرى.

يعيش العالم لغويّا حالات الكذب أكثر ممّا يعيش حالات الصدق، غير أنّه يحوّلها إلى أحكام أو معتقدات أو خيالات أو أشعار أو حكم، أو غير ذلك من الانطباعات والانفعالات والمشاعر والأحكام والأوهام.

يعيش العالم لغويّا حالات الكذب أكثر ممّا يعيش حالات الصدق، غير أنّه يحوّلها إلى أحكام أو معتقدات أو خيالات أو أشعار أو حكم، أو غير ذلك من الانطباعات والانفعالات والمشاعر والأحكام والأوهام. حين أسمع صباح فخري يغني (جاءت معذّبتي في غيهب الغسق كأنّها الكوكب الدريّ في الأفق) وأكون في مقهى شعبيّ أضع ساقا على ساق، فإنّي لن أبحث في الحكم على الكلام صدقا أو كذبا، لن أكون لا بلاغيّا حتّى إن اشتغلت بالبلاغة ولا منطقيا حتى إن اشتغلت بالمنطق سأكون منسجما مع حالتي في الكون: لربّما ترنّمت مع الأغنية بصوت عال وأنا أرتّب أوراقي في لعبة الورق مع رفاقي وربما جذبت نفسا من سيجارتي وأنا أشاهد صباح فخري يغني في حالة من نشوة الفنانين نادرة.. لن يعنيني من الكلام معناه بل مغناه، ولن تعنيني من تكون التي جاءت وهل جاءت فعلا أم أنّه محض خيال نسجه الشاعر الوزير ابن الخطيب وأوهمنا أنّها جاءته غسقا.. وما يعنيني أنا أصلا من امرأة جاءت رجلا غسقا أو فجرا، غير أن أترنم وأنا أمارس نشاطا آخر وأدندن مع المطرب بما يهزج.. لقد كانت الكلمات جزءا من نغم ينبغي أن أردّده دالاّ من دوال الموسيقى لا غير. يضيع الصدق والكذب في تفاصيل الفنّ وتفاصيلي أنا، التي تتفاعل في خارج مغلق وضمن نفسية معلومة تشجّعت لتغنّي مع صباح فخري.
لكنّ الأمر يختلف لو كنّا إزاء وضعية سرديّة تصف شخصيّة تجلس ذات مساء في مقهى شعبيّ وهي مفكّرة وفيها سُهُوم وتدخّن سيجارة عميقة وتستمع إلى صباح فخري يتغنّى بمعذّبة ابن الخطيب. في هذه الوضعية لن يلتفت من يقرأ هذا المقطع أو من يشاهده فيلما لا إلى الصدق ولا إلى الكذب؛ ستشتغل أدوات التأويل في اتجاه واحد: إن الشخصيّة تذكرت حبيبة كأنها الكوكب الدريّ تأتيه في غيهب الغسق.. سيكون الكذب في جهة أخرى: جهة مطابقة التأويل لسير الأحداث حين يكتشف من أوّل أن من يجذب الدخان في سيجارة هو يفكرّ فعلا، لكن في دفع فاتورة الكهرباء وليس له من مغيث.
الصدق والكذب المعتمدان بلاغيّا مفهومان مائعان في الكلام يراد بهما أن يبنيا الإنشاء بناء مخالفا للأخبار، لكنّ هذا المعنى لا قيمة له في التشبيه، أو في السرد، أو في بناء العوالم الممكنة القائمة على الافتراض، أو التخيّل أو حتّى الوهم. كثير من الوهم لا يتراءى لك وهما إلاّ إذا كنت خارج دائرة الوهم، وهناك من داخل دائرة ما يقبل الكذب جماليّة ينبغي عدم الحسم فيها باستعمال قيمة الصدق. فعلى سبيل المثال هناك فرق لا يدققه البلاغيون بين (هي الكوكب الدري) و(كأنّها الكوكب الدريّ في) الجملة الأولى خبر يقبل الصدق والكذب فهو من هذه الجهة يشبه (أنا مجنون) على الرغم من أن دلالة (هي الكوكب الدري) لا تنزلها منزلة المطابقة للواقع، بل تجعلها من العالم المقارن الممكن. لم توضع (هي الكوكب الدري) إلاّ لتقبل التصديق ولبناء تجربة إدراكية معيشة وجمالية بأدوات فلكيّة. أمّا (كأنّها الكوكب الدريّ) فجملة فيها تردّد بين عتبتي الصدق والكذب تريد أن تصدّق أنّها كوكب درّي لكنّك تكذّب ثمّ تعود لتصدّق وتكذّب، حتى لكأنّك في خيال بين خيالين واحد مطابق لما تراه ذاتك الحالمة، والثاني مخالف لما تحلم به ذاتك العالمة.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية