الصدَى حي والصوت ميت

لعبنا ونحن أطفالٌ ألعاب الصدى، كنا نرسل أصواتنا ثم نسكت فنستمع إلى الصدى، وكأننا نطقنا به ونحن صامتون. تصوروا أننا في مكان نرسل فيه أصواتنا فلا يعود رجع صداها إلا بعد مدة طويلة، نكون فيها قد غادرنا ثم جاء بعدنا آخرون واستمعوا إلى رجع صدى أصواتنا نحن، وكأنها لشخص صاح بذلك الصوت منذ حين.
خيال الصدى له في عالم النجوم مثيل، لربما أبصرنا في السماء نجوما تتلألأ وهي قد ماتت من سنين. لا تخدعنا عيوننا لكن الضوء الذي تراه قد قطع زمانا طويلا ماتت فيه تلكم النجوم. نحن دائما نرى الأجرام السماوية بفارق بين زمن إرسال الضوء وزمن وصوله إلينا. واقع النجوم هذا له شبيه في عالم اللغة. فلربما استعملنا عبارات ماتت معانيها الأولى، وتكون علاقتنا بها كعلاقة عيوننا بالضوء الذي مات من زمان، غير أننا نتوهم أنه موجود.
بعض الوحدات المعجمية التي نستعملها في لغاتنا الطبيعية، ربما كانت أجسادا لأرواح من المعاني قبضت وماتت من زمان، غير أن تلك الأجساد لا تبلى. اللغة كائن مختلف عن البشر، تحيا أجسادها وهي ألفاظها، وتموت أرواحها القديمة وهي معانيها.
من منا اليوم لا يستعمل عبارة (قَلَق) وما كان شقيقا لها للتعبير عن الشعور بالضيق وكدر النفس هذا هو معناه الذي لا يخفى عن ذي نفس تكون عرضة للقلق. في المعاجم القديمة كان القلقُ يعني بالأساس معنى التحرك أو التحريك لشيء مثل تحريك الرجال السيف في الغمد، وعدم ثبات الوشاح على خصر المرأة؛ فالقلق ههنا منسوب إلى السيف لا إلى حامله، وإلى الوشاح لا إلى المتشحة به. الغالب على القلِق هو المتحرك من الأشياء وليس هو الضجِرُ من الأشخاص. جاء في لسان العرب: «القَلَقُ أن لا يستقر في مكانٍ واحدٍ.. وفي حديث علي بن ابي طالب: أقْلِقوا السيوفَ في الغِمَدِ، أي حركوها في أغمادها قبل أن تحتاجوا إلى سلها ليسهل عند الحاجة إليها» (10/ 324). ما نسميه معنى قديما ليس دلالة الكلمة على الحركة وحسب، بل هو إسناد تلك الحركة إلى الأشياء لا إلى الأشخاص مثلما يدل عليه حديث علي بن ابي طالب عن تحريك السيوف في أغمادها وإقلاقها، تأكدا من قبولها الخروج ساعة الحاجة. الفعل المزيد أقلق نستعمله اليوم في غير معنى تحريك الأشياء، بل في إثارة الاضطراب في الأنفس؛ نحن لا نقلق السيوف اليوم (لا سيوف لنا نقلقها) بل تقلقنا النفوس.
تطور المعنى حين بات فعل القلق، وهو في معنى الحركة يُسند إلى الحيوان، ولنا أن نستشهد بنصين متباعدين في الزمان: الأول للجاحظ والثاني لأبي الطيب. يقول الجاحظ وهو يتحدث عن الانتباه الغريزي في الكلب، في القصة المعروفة عما سيعرف علميا وتجريبيا لاحقا بالانعكاس الشرطي: «خبرني صديقٌ لي أنه حبس كلباً له في بيتٍ، وأغلَقَ دونه الباب، في الوقت الذي كان طباخه يرجع فيه من السوق ومعَه اللحم، ثم أحد سِكيناً بسكين فنبَح الكلب وقَلق، ورام فتحَ الباب لتوهمه أن الطباخ قد رجَع من السوق بالوظيفة، وهو يحد السكين ليقطع اللحم قال: فلما كان العشي صنَعْنَا به مثلَ ذلك لنتعرف حالَه في معرفة الوقت فلم يتحرك». ما يعنينا من هذا الكلام أن الخبر أسند فعل قلق للكلب حين استجاب للمثير، وأسند إليه الفعل (لم يتحرك) عند عدم الاستجابة له؛ وهذا يعني أن العبارتين (قلق) و(لم يتحرك) أفادتا في النص المعنى وضديده.

مات معنى القلق القديم ولسنا ندري متى مات، لكنه لم يخبرنا بموته، لأنه وهو يموت ترك ثوبه وجسده لشعور جديد هو القلق، عاش بين أجساد اللفظ القديم وجعل الفاهمين لا يصدقون بأن المعنى الأول قد مات من زمان.

ونحن نجد هذا المعنى نفسه في المقطع اللاحق من نص الجاحظ إذ يقول فيه: وصنعتُ ذلك بكلبٍ لي آخر فلم يَقْلَقْ إلا قلقاً يسيراً، فلم يلبث أن رجَعَ الطباخ فصنَع بالسكين مثل صنيعي فقلِق حتى رام فتحَ الباب». واضح أن الاستجابة للمثير تكون بحركة الكلب حركة قليلة (هو الذي سماه القلق اليسير) أو الملحة (قلق حتى رام فتح الباب) وأن عدم الاستجابة تكون بعدم القلق أو الحركة.
تدريس هذا النص أو دراسته سينقصه معناه إن نحن فهمنا قلقَ في معنى مجازي متطور عن معناه الحقيقي البشري، لا لأن هذا المعنى حادث وحديث، بل لأنه لا يتناسب مع ركن أساسي من أركان علمية التجربة (في عصر ما قبل التجربة) وهي الملاحظة. فأنت حين تريد أن ترى أثر إحداد السكين في الكلب، تريد أن تلاحظ رد فعل أو استجابة حسية حركية مرئية، تترجم بحركات الكلب المرئية وليس بحركة يعبر عنها بلفظة منزاحة عن حقيقتها، نعني القلق بما هو اضطراب باطن. بعبارة أخرى تقودنا الملاحظة الدقيقة إلى حركة الكلب لا إلى قلقه.
نحن نعود في قراءة النص السابق إلى استعمال قديم لفعل قلق، بالمعاني الحالية، التي لنا حوله، والحقيقة أن المعنى القديم قد زال أو اندثر، فلا أحد يستعمل اليوم قلق في معنى تحرك: مات المعنى الأصلي واعتقدنا أن المعنى الذي نراه الآن في الكلمات هو المعنى الذي ما يزال حيا: نحن نرى نورًا لنجم مات ونعتقد أننا نراه فعلا.

المثال الثاني الذي يؤيد أن استعمال قلق في معنى تحرك ويكون مسندا إلى الحيوان هو بيت المتنبي الشهير الذي يصف فيه حصانه: (عَلى قَلِقٍ كأن الريحَ تَحْتي * أُوَجهُه جَنوبا أو شمالا). يُقرأ البيت في المعنى القديم قراءة سليمة يقتضيها وصف الرحلة على الراحلة. حين تقرأ العبارة كما أثبتناها (قَلِق) أي على أنها صفة مشبهة باسم الفاعل فأنت تعني أن يكون الحصان قلقا، أي أن يتصف على وجه الاستمرار بصفة الحركة لتتناسب الراحلة نفسَ صاحبها المجبولة على الانتقال ورفض القرار تأكيدا لما جاء في البيت السابق (فمَا حَاولْتُ في أرضٍ مُقامًا * ولا أزْمَعتُ عن أرض زَوالا). الحصان قَلِقٌ لأنه من أجود الخيل وأجودها أسرعها وهذا المعنى يتناسب مع تشبيهه له بالريح: أن تركب قلقا سريع الحركة سريع العدو فكأنك ركبت الريح، لكن الريح يمكن أن توجهك إلى وجهتها والحصان طيع مستجيب للجهات التي تحددها إرادة الفارس.
بعض الشراحَ القدامى وكثير من القراء المحدثين يروون (قَلق) بفتح اللام على أنها مصدر ويفهمون القلق على أنه الاضطراب. هذا المعنى يعجب المحدثين كثيرا لأنه يتناسب مع معنى القلق السائد في أذهانهم ومع كيمياء النفس المضطربة، هم يسقطون نفوسهم القلقة على الشاعر الذي لا شيء يوحي في القصيدة بأنه قلقٌ قَلَقنا، ولا هو مضطرب اضطرابنا في أيامنا. الجو الذي يحيط بالقصيدة ويمثل أرضيتها النفسية يحوم حول الحزن، لا حول القلق (كأن الحزن مشغوف بقلبي فساعة هجرها يجد الوصالا) وهذا المعنى يتأكد بقوة في قرن الحزن بالسرور غير الباقي (أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا). جو الحزن هو جو الشعرية القديمة التي يكون فيها تأكيد الحزن عزاء، كما تقول مارغاريت دوراس، لكن جو الشعرية الحديثة هو جو القلق وهو جو ينمو في وجود صحراء اجتماعية كما يقول بعض المحدثين.
مات معنى القلق القديم ولسنا ندري متى مات، لكنه لم يخبرنا بموته، لأنه وهو يموت ترك ثوبه وجسده لشعور جديد هو القلق، عاش بين أجساد اللفظ القديم وجعل الفاهمين لا يصدقون بأن المعنى الأول قد مات من زمان. تموت المعاني فلا تجد لها من كفن ولا معلن عن الوفاة؛ بل قد لا تجد الوقت الكافي لكتابة وصيتها إلى المعنى الجديد: وصية انتقال الميراث القديم تحت شرعية المجاز، أو المواضعة الثانية.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية