الصوغ الدرامي لسيرة ‘الخبز الحافي’

حجم الخط
0

شكلت سيرة ‘الخبز الحافي’ الروائية للكاتب المغربي الراحل محمد شكري محطة رئيسة في تاريخ الأدب العربي بشكل عام والمغربي خصوصا.
ولعل في الاقتراب الجمالي الثوري للكاتب من قضية الهامش وأسئلته ولغاته التعبيرية واجتراحه للغة سردية تروم تدنيس المقدس وتقيم القطيعة مع التقليد العربي السائد في خصوص جنس السيرة الأدبية ما يفسر الانتشار الكبير لهذا العمل على الصعيدين العربي والعالمي والاختلاف الذي وسم أنماط التلقي والقراءة وتضاربها بين حدي السلب والإيجاب. ولئن كان هذا العمل الذي ترجم إلى لغات عالمية متعددة قد انتقل إلى السينما بفضل المخرج السينمائي الجزائري رشيد بلحاج وباتفاق مع الكاتب في أواخر أيامه وشارك فيه بظهور دال في المشهد الأخير، فإنه حظي أيضا باستعادة أو إعادة كتابة مسرحية. ويعود الفضل في هذا الإنجاز التعبيري الدال إلى الكاتب والمخرج المسرحي المغربي الراحل محمد مكروم الطالبي -1959-2012 الذي اضطلع بالصوغ الدرامي لهذا العمل في سياق مشروع يروم استدعاء شخصية الكاتب محمد شكري في سياق عمل مسرحي. صدر هذا العمل عام 2008 عن منشورات وزارة الثقافة المغربية وقامت فرقة تياترو القصبة بطنجة بتقديمه في عدد من المسارح وقاعات العرض داخل المغرب.
يفترض الاقتراب النقدي من هذا العمل الوعي اللازم بتلاحم النص والعرض؛ بما يستدعيه ذلك من افتراض كون الكتابة المسرحية منذورة للتشخيص على الركح. وسوف يعثر القارئ للعمل في الاستهلال على ورقة تقنية تؤشر على طبيعة الإعداد الدرامي للركح من ممثلين وسينوغرافيا وإضاءة ومؤثرات صوتية وغير ذلك. يتوزع العمل على ستة فصول اختار لها الكاتب هاته العناوين: ملي خرجو من الكتابة، ملي هرموه، ملي عول يطفرها، ملي وصلتها البرية،ملي ركبو البحر فالحلامة ، ملي خرجو من الضو.
اختار الكاتب ودائما بالنظر إلى مراهنته على الإعداد المسرحي الاحتكام إلى الدارجة المغربية. ولا يخفي في هذا السياق أن هذا السياق يبقى موصولا برهان استشراف التفاعل الدينامي مع جمهور المتلقين. ولأن العامية تبقى أكثر قدرة مقارنة باللغة الفصيحة على التعبير عن أكثر الانفعالات إمعانا في الحميمية، ولأنها وهو الأهم منفتحة على كل الطبقات الاجتماعية، فإن الركون إليها في هذا الصوغ الدرامي يبقى مبررا بقوة.
كان اختيار الشخصيات المؤثثة لهذا الصوغ الدرامي محكوما بأفق انتظار الكاتب والأسئلة التي طرحها على نص ‘الخبز الحافي’. وسوف يكون هذا التوظيف مقرونا برؤية خاصة إلى الراهن ومسافة نقدية حيال فضاء طنجة الذي احتضن جزءا كبيرا من أحداث الرواية السير ذاتية. سوف نلاحظ والحالة هاته ان الكاتب سوف يدير الحوار الدرامي على امتداد هاته اللوحات الركحية بين سبع شخصيات كان لها حضور سردي مؤثر في سيرة ‘الخبز الحافي’، وتتوزع بين الأب حدو والأم ميمونة وشخصيتي محمد وأحمد وفاطمة ويامنة وقابيل. بيد أن ما نلاحظه في هذا الخصوص يتمثل في ركون الكاتب إلى توظيف شخصيتي أحمد ومحمد للتمثيل لمبدع ‘الخبز الحافي’. وغير خاف في هذا الخصوص ان هذا الاختيار يؤشر على رغبة الكاتب في التعبير، من جهة، على التعدد الذي يسم شخصية محمد شكري، وعلى تمفصل سيرته بين معاناة البؤس وقسوة الهامش في مرحلة الطفولة والمراهقة والرغبة في الانعتاق من خلال المعرفة والكتابة في مرحلة الشباب من جهة أخرى.
يتعالق استدعاء سيرة محمد شكري في هذا العمل المسرحي بطموح صريح إلى تكثيف جرعات النقد والسخرية والفضح حيال الزيف والتشوه اللذين يميزان الواقع الراهن. سوف نلمس في هذا المعرض كيف مثلت سمة التمرد على الأعراف السائدة وتراتبية القيم والرؤى إلى العالم والاستبداد وأيقوناته الخيط الناظم لهذا الصوغ الدرامي. وسوف نتبين في هذا الخصوص أن شخصية أحمد تضطلع بدور البعد المضاعف لمحمد أو ولد ميمونة والذي يوقظ الذاكرة ويحث على المبادرة إلى الفعل والجرأة على الفضح وتدنيس المقدس.
لئن كان محمد في هذا النص تمثيلا لبطل ‘الخبز الحافي’ الذي ينوء تحت وطأة الهامش ويصارع من أجل الانعتاق، فإن أحمد يحيل إلى محمد الذي درس واكتسب المعرفة وعركته الحياة واكتسب القدرة على النقد الواعي بواسطة الكتابة لأعطاب وتشوهات طنجة. يبدو الحوار الذي يدور بين شخصية محمد وشخصية يامنة التي حلت محل سلافة في كوخ المهرب قابيل قرينة دالة على رغبة الذات الكاتبة في طرح أسئلة وتوقعات وخيبات الراهن على نص ‘الخبز الحافي؛ بحيث يمكن القول إنها إعادة تفكير واستحضار لشخصية محمد شكري باعتباره ضمير طنجة الغائب وشاهدا حيا على التشوه الذي تعاني منه.
في هذا السياق إذن، يشكل استثمار موضوعة الحلم تدعيما لارتباط هذا الصوغ الدرامي بالسياق الراهن. لقد تمكن الكاتب من القبض على إشارة دالة في سيرة الخبز الحافي وكتاب زمن الأخطاء إلى رغبة البطل السارد في السفر ثم عزوفه عن ذلك لكي يسلط الضوء على معضلة الهجرة إلى الغرب. يبدو الحاح شخصية فاطمة على محمد كي يقطع حبله السري مع عروسته طنجة بحكم أنها بائرة وحاقت بها الشيخوخة محفزا على الانتفاض ضد العجز والاكتفاء بأمجاد طنجة الغابرة:
‘فاطمة: تمسكه من يده وتسحبه وسط الخشبة:شوف..!! حقق مزيان..! ها طنجة لي معلق راسك بها. ذبلات…! ما بقى فيها غير الحروف… كلشي فيها تبدل: الحيوط.. الناس.. شوف الناس كيف رجعو..! النص غرق والباقي ف السما تعلق.. هاذ الشي كامل مقدكشي..؟
محمد: كالحالم: كنشوف شمسها شارقة ونهارها ضاوي.. سماها صافية وليلها راوي..’ المسرحية، ، 56.
يذكرنا هذا الحوار بمثيله في سيرة الخبز الحافي بين البطل محمد والعاهرة سلافة في كوخ المهرب قابيل. ولئن كانت سلافة تحث محمد على الهرب سوية في اتجاه الدار البيضاء وأيضا خارج المغرب هربا من قابيل ، فإن استدعاءه في هذا الصوغ الدرامي يكتسي راهنية دالة بالنظر إلى فداحة التدهور الذي يعصف بالمدينة وساكنتها والتي أرغمت جزءا كبيرا على اقتراف الهجرة السرية. يحتفظ محمد في المقابل بالأمل في طنجة المشرقة والباسمة ويتشبث بفكرة البقاء والانتصار على قسوة الهامش.
يشكل حضور المرأة في هذا النص عنصرا إيجابيا في سيرورة الاستدعاء الدرامي. ويبدو من خلال تمثيلات هذا الحضور، أقصد الأم ميمونة ويامنة وفاطمة أنها تكف عن اشتغالها السلبي لتعانق دور المحفز الإيجابي على الفعل ومناهضة التشوه. ربما لهذا السبب، استعاض الكاتب عن سلافة في سيرة الخبز الحافي بشخصية يامنة التي تحض شخصية محمد على الخروج من الحلم إلى الواقع واحتمالاته الثرة. ولئن كان محمد يعاني في بعض اللوحات من وطأة الكوابيس التي يستحضر فيها سطوة وجبروت الأب حدو، فإن فاطمة هي التي تنتشله مما يشبه حالة الغرق وتقود إلى بر الواقع.
يستثمر النص موضوعة الموت ويستدعي بطريقة ذكية تأثيرها على مبدع ‘الخبز الحافي’. وغير خاف في هذا الصدد أن هذا الاستدعاء يتعالق دراميا بطموح إلى توصيف حالة الخراب التي آلت إليها المدينة بما هي جغرافيا وتواريخ وتعدد. سوف نعثر في اللوحة المسرحية الأخيرة على ما يشبه تشخيصا جنائزيا لرحيل محمد شكري أو ولد ميمونة والذي يوازي اجتياح الطوفان للمدينة. يبدو استدعاء حكاية طوفان نوح قرينة دالة في المستوى الظاهر للتطور الدرامي على انتصار غريزة الموت على غريزة الحياة وانحسار الفرح والرغبة عن المدينة. يصرخ محمد معلنا خوفه من الموت الذي يزحف. تلوح السفينة التي تؤشر العلامات السينوغرافية الدالة على البحر والأمواج على وجودها. وتهيب به فاطمة إلى الصعود والإفلات من الغرق. لكنه يذكرها بما مفاده إن السفينة لا تحمل إلا الأزواج من الذكور والإناث، وأن ليس في مكنته الصعود بحكم افتقاره إلى امرأة.
تستشرف الاستعادة الدرامية نهايتها بالظلام الذي يحول بين محمد والرؤية. بيد أن فاطمة التي تضطلع حتى النهاية بدور المحفز الإيجابي تستحثه على قهر الظلام والخوف من الموت. نلفي ذواتنا والحالة هاته أمام مشهد احتفالي صاخب يتمثل في أطفال يحملون أقفاصا بداخلها طيور ويعبرون المدينة إلى حين وصولهم إلى ساحة كبيرة. وهناك فتحوا أبواب الأقفاص مفسحين المجال للطيور كي تخرج وتنطلق إلى الفضاء الفسيح. تبدو هاته النهاية موصولة برؤية إيجابية إلى الحياة واحتفاء بقيمة الأمل واستدعاء للبعد الإيجابي لمحمد شكري. وليس من قبيل الاعتباط والحالة هاته استهلال الكاتب لهذا الصوغ الدرامي بقولة محمد شكري المأثورة: أكره من يجعل من لحظاته الأخيرة تمثيلية حزينة.
يمكننا أن نفترض أن نص ولميمونة قد أفلح على طريقته في المراهنة المسرحية على ولادة أخرى لمحمد شكري في فضاء طنجة. عبر مبدع هذا المشروع الإبداعي الجميل الراحل محمد مكروم الطالبي عن ذلك بقوله: فصول من أضغاث رحلة عد عكسي، تقودها شخصيات/ أشباح خرجت للتو من سديم الكتابة والموت بحروف الكلمات، بعد أن أيقنت أنه ومورس عليها حيث وتدمير وجودي، أحالها إلى كائنات ملحقة أحادية الصوت والصورة…كيف السبيل إلى كسب رهان الولادة الأخرى على عتبة الركح بعد انسداد الأذن على فضاء الصفحة؟ ذلك ما ستحاول حبكه كائنات ألف فيما بينها موقف التمرد والخروج عن معطف كاتب يدعى ‘ولد ميمونة’. المسرحية. ص، 5.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية