الصينيون في أفريقيا: شركاء أم مستعمرون جدد؟

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: من يجول اليوم في مختلف الأسواق الشعبية في بلدان القارة الأفريقية، يلاحظ تزايد إقبال الناس على المنتجات الصينية لعدة أسباب أهمها أزمة التضخم العالمية التي فاقمتها الحرب الروسية الأوكرانية. واللافت في هذه الأسواق وجود مشترين بأعداد كبيرة لم يكونوا يوضعون من قبلُ ضمن زبائن المنتج الصيني وهم من الفئات المتوسطة التي كانت تقبل على شراء المنتجات المستوردة مثلا من أوروبا أو من تركيا. ولعل أهم ما يثير الانتباه في الجولات التي يقوم بها أشخاص غرباء عن هذه الأسواق في رحابها وجود صينيين بينهم مشترون ولكن غالبتهم من الباعة الذين استقروا منذ سنوات عديدة في البلدان الأفريقية وتعلموا لغاتها.

ابن بطوطة ومبادرة الحزام

ومن يطلع على الدراسات السوسيولوجية حول الوجود الصيني في القارة الأفريقية، يهتدي إلى أن الروابط بين الصين وأفريقيا قديمة قدم المبادلات التجارية بين القارتين. ومع ذلك فإن شخصين أحدهما أفريقي والآخر صيني عاشا في القرن الرابع عشر ميلادي قد لعبا دورا كبيرا في تعزيز هذه الروابط وهما الرحالة المغربي ابن بطوطة والرحالة الصيني تشينغ خه المعروف لدى العرب باسم «حجي محمود شمس الدين». وقد ولد حجي هذا في عائلة مسلمة في جنوب غرب الصين وقام بسبع رحلات بحرية استمرت قرابة ثلاثة عقود وساهمت في تعزيز العلاقات التجارية والثقافية أساسا بين جنوب شرقي آسيا ومنطقة الخليج العربي وأفريقيا الشرقية. ومن رحلات ابن بطوطة وحجي محمود شمس الدين استُمدت الأسس التي قامت عليها طريق الحرير التي ربطت بين الصين من جهة وأفريقيا وأوروبا من جهة أخرى في القرن التاسع عشر. وسعت السلطات الصينية إلى تحديث هذه الطريق وإعادة الاعتبار إليها وفقا للمصالح الصينية الجديدة قبل كل شيء مع أخذ مصالح البلدان الأفريقية والأوروبية بعين الاعتبار أيضا. ومن هنا جاءت فكرة إطلاق مشروع عُرف في البداية بمشروع «حزام واحد وطريق واحدة» ثم أصبح يعرف اليوم باسم «مبادرة الحزام والطريق». ونظرا لأن القيادة السياسية الصينية تعتبر المبادرة استراتيجية فإنها أدرجتها في دستور البلاد في عام 2017 وتعمل جاهدة على الانتهاء منها في عام 2049 أي في سنة الاحتفال بمئوية قيام جمهورية الصين الشعبية على يدي الزعيم ماو تسي تونغ.
ومن أهم أهداف مبادرة الحزام والطريق الصينية ربط القارات الآسيوية والأفريقية والأوروبية بعضها بالبعض الآخر عبر شبكة طرقات بحرية وبرية لتنشيط المبادلات التجارية بين القارات الثلاث انطلاقا من فكرة المساهمة في تنمية بلدان هذه القارات دون التدخل في شؤون كل بلد من البلدان التي تشقها هذه الطريق.
وتسعى الصين عبر مبادرة «الحزام والطريق» في ما يخص القارة الأوروبية إلى تزويد أسواق أوروبا بالمنتجات الصينية ولاسيما تلك التي تخص صناعة النسيج والملبوسات والتي أصبحت تتحكم فيها على المستوى العالمي منذ تسعينات القرن الماضي. وتحرص من خلال تعزيز علاقاتها مع أوروبا أيضا على الاستفادة من معارفها ومهاراتها وتقنيانها المتطورة لاستكمال النهضة العلمية والصناعية الصينية الجديدة. أما بشأن البوابات الأفريقية في طرق الحرير الجديدة، فإن الصين تريد أن تكرس عبرها مقاربة يمكن تلخيصها في مقايضة الموارد الطبيعية الأفريقية بالمنتجات والمساعدات الصينية. فخلال العقدين الأخيرين أصبحت الصين تُلقَّب بـ»مصنع العالم» وبالتالي فإنها وجدت في القارة الأفريقية خزانا لمصادر الطاقة التي تحتاج إليها ومعينا للموارد الطبيعية الأخرى ولاسيما المعادن والخشب لتشغيل مصانعها ولإعادة تصدير جزء من هذه المعادن إلى العالم كله في شكل منتجات جاهزة أو شبه جاهزة. ومقابل ذلك تتعهد الصين بالمساهمة في إقامة البنى التحتية الأفريقية التي تساعد من جهة على تسهيل العمل التنموي الداخلي في البلدان الأفريقية وتسمح من جهة أخرى بتسهيل عملية نقل الموارد الطبيعية الأفريقية التي تحتاج إليها الصين ونقل المنتجات الصينية إلى أسواق القارة السمراء.
ويكفي إلقاء نظرة على بعض الأرقام المتعلقة بالعلاقات الاقتصادية الصينية الأفريقية للتوصل إلى خلاصة مُفادها أن الصين نجحت في أقل من عقدين في فرض نفسها كشريك مهم ذي خصوصية بين شركاء أفريقيا التجاريين والاقتصاديين. فالصين اليوم هي أول شريك تجاري لأفريقيا لاسيما بعد أن أبرمت مع غالبية بلدان هذه القارة اتفاقيات ثنائية من حول مبادرة الحزام والطريق. وكانت في عام 2008 تملك نسبة 10.6في المئة من الأسواق الأفريقية فرفعت هذه النسبة إلى 18.8 في المئة عام 2020. وهذه الحيوية الصينية في الأسواق يقابلها مثلا تراجع فرنسي ملحوظ في هذ الأسواق. فقد كانت فرنسا تمسك بـ 10.6 في المئة من أسواق أفريقيا عام 2002 انخفضت إلى 4.4 في المئة خلال عام 2020.
وما يشد الانتباه في المساعدات الاقتصادية التي تقدمها الصين إلى البلدان الأفريقية أن فيها شقين مهمين يتمم كلاهما الآخر: شق يتعلق بالبنى التحتية المتصلة مباشرة بحاجات الأفارقة الأساسية وآخر هو الاستثمارات والمساعدات المالية. وفي الشق الأول نجد مثلا كثيرا من المستشفيات والمعاهد والجامعات والمصانع والسدود ومحطات معالجة المياه التي بناها الصينيون في بلدان أفريقية في فترات وجيزة ما انعكس إيجابا على السكان.
وقد أثبتت أزمة جائحة كورونا أن الصين قادرة على استخدام ما يسمى «الدبلوماسية الناعمة» عبر إيلاء القارة الأفريقية منزلة خاصة في مجال الهبات التي قدمتها لمساعدتها على مواجهة الجائحة وفي مقدمتها الكِمامات واللقاحات. بل إن الصين الشعبية هي الطرف الأساسي الذي يسمح اليوم لكثير من الأفارقة بتحسين أوضاعهم المعيشية عبر استخدام تطبيقات التكنولوجيا الرقمية بواسطة الشركات الصينية وفي مقدمتها شركة «هواوي». أما بخصوص الشق المتعلق بالتمويلات والمساعدات المالية، فإن الصين منحت البلدان الأفريقية كثيرا من القروض المخصصة للعمل التنموي الداخلي عجزت البلدان الأفريقية عن الحصول عليها من صندوق النقد الدولي أو من البنك العالمي أو من البلدان الغربية. وقٌدِّم جانب من هذه المساعدات في شكل هبات أو قروض بامتيازات تفضيلية أو بدون فوائد.
بداية التساؤلات المحرجة عن منهجية التعاون الصينية
استطاعت الصين استغلال الصورة غير الإيجابية التي يحملها الأفارقة عن منهجية التعاون التي يستخدمها الغرب مع بلدانهم والتي تظل قائمة على خدمة مصالح الغرب وجزء قليل جدا من النخب الأفريقية. ولم تجد عناء كبيرا في فرض نفسها على أفريقيا باعتبارها طرفا همه الأساسي المساهمة بحق في العملية التنموية الأفريقية الشاملة التي تعود بالمنفعة على فئات واسعة من الناس لا على القلة فحسب. وواضح أن وقوف الصين إلى جانب شعوب القارة الأفريقية في نضالها ضد الاستعمار الغربي كان عاملا مهما من عوامل تقريبها من أفريقيا خلال العقدين الماضيين عبر التعاون التنموي بشكل خاص. بل وظف الطرفان هذا التعاون في المحافل الدولية. وفي هذا الشأن يقول تييري فيركولون منسق مرصد أفريقيا الوسطى والجنوبية لدى المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إن أفريقيا هي التي ساعدت الصين على تبوء مناصب قيادية في عدة منظمات دولية من أهمها المنظمة العالمية للأغذية والزراعة «الفاو». ويضيف فيركولون فيقول إن الصين أيضا بذلت جهودا كبيرة للدفاع عن مرشحي القارة الأفريقية بهدف الوصول إلى مناصب مهمة في المنظمات الدولية.
أما الدكتور حسان التليلي المتخصص في التنمية والساسيات البيئية، فقال لـ«القدس العربي» إن «الصين الشعبية التي تُعَد فعلا قاطرة الاستثمارات العالمية في ما يخص مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة حريصة على الاهتمام بالقارة الأفريقية في هذا المجال برغم أنها تستورد منها مصادر الطاقة الأحفورية». ويضيف: «صحيح أن بعض بلدان أوروبا الشمالية تولي الجانب البيئي في مساعداتها إلى البلدان الأفريقية أولوية خاصة. ومع ذلك فإن الصين أكثر قدرة من البلدان الأوروبية على تمويل مشاريع بيئية في المناطق النائية في البلدان الأفريقية وفي إنجازها بسرعة عجيبة حتى وإن أدى الأمر إلى استقدام عمالة صينية إلى هذه البلدان للعمل ليل نهار والانتهاء منها في ظرف قصير جدا». ولكن التليلي يرى أن الصين ارتكبت عدة أخطاء في منهجية التعاون مع البلدان الأفريقية بينها إيفاد عمالة إلى أفريقيا كان بالإمكان استخدامها من الموارد البشرية الأفريقية. وهذه مثلا حال العمال الصينيين المكلفين بتشييد الجسور وشق الطرقات في أفريقيا.
ولا بأس هنا من التذكير بأن سلطات البلدان الأفريقية وجدت نفسها مضطرة إلى القبول بهذه العمالة الصينية غير المُرحب بها من قبل العمالة الأفريقية نظرا لهامش المناورة الضيق الذي تتركة الصين لشركائها الأفارقة بعد توقيع اتفاقيات التعاون والشراكة معهم. ويوجز بول نانتوليا الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في أفريقيا والتابع لوزارة الدفاع الأمريكية هذه الإشكالية فيقول: «كل مشروع متصل بالبنى التحتية بين ثلاثة مشاريع في أفريقيا تنجزه شركات صينية تابعة للقطاع العام. وكل مشروع أفريقي بين خمسة مشاريع ممول من قبل مؤسسة مصرفية صينية».
والحقيقة أن التساؤلات حول ماهية الشراكة الصينية الأفريقية وأهدافها وبداية الحذر مما يسميه بول نانتوليا انعكاسات «العقود الصينية المغرية» بدأت عندما اكتشف الأفارقة أن العمال الصينيين أصبحوا يزاحمونهم في عقر ديارهم. وتشهد على ذلك بعض المشادات التي تحصل من حين لآخر في عدد من الأحياء الشعبية في المدن الأفريقية بين تجار هذه الأحياء وصينيين وصلوا إلى أفريقيا لتشييد الجسور والسدود فأصبحوا تجارا في هذه الأحياء يكادون أن يعملوا ليلا ونهارا بدون انقطاع.
وشيئا فشيئا أصبح خبراء الاقتصاد والتنمية في أفريقيا ينبهون إلى مخاطر التبعية الجديدة التي بدأت تربط اقتصادات البلدان الأفريقية بمصنع العالم أي الصين. فهذه التبعية أصبحت مشكلة تنعكس سلبا على واردات البلدان الأفريقية المالية مما تصدره إلى الصين من موارد طبيعية لاسيما خلال فترات انكماش الاقتصاد الصيني. وقد بدأت الصين تعي هي الأخرى أهمية مراجعة منوالها في التعاون مع أفريقيا على خلفية تزايد منافسيها في السوق وخاصة الهند وتركيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية. وهي تدرك اليوم أنها قادرة على أن تكون مكملة لعدد من هؤلاء المنافسين ولكنها تعي في الوقت ذاته أن عودة الولايات المتحدة الأمريكية بقوة إلى أفريقيا تشكل خطرا عليها وعلى مصالحها في القارة السمراء وأنه عليها إعداد العدة لمواجهة الولايات المتحدة في كل مكان في إطار الصراع الجديد بين العملاقين والذي خلف الصراع بين الولايات المتحدة وما كان يسمى الاتحاد السوفييتي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية