لندن – «القدس العربي» : لأكثر من عقدين بعد انتشار خدمة الإنترنت والتّوقعات تتالى بنهاية قريبة محتّمة للصحافة المكتوبة. وبالفعل تراجعت مبيعات النّسخ الورقيّة لمعظم الصحف والمجلات منذ العام 2000 لمصلحة أشكال أخرى من النّشر السيبيري على نحو قضى على كثير من العناوين الإقليميّة، ودفع بالأسماء الكبرى لأن تعيد النظر كلياً في نموذج الأعمال المعتمد عند صّناعة الصحف، منذ مئة عام تقريباً، لمصلحة نظام هجين يجمع بين الشّكلين معاً، ورقي وإلكترونيّ، ولاحقاً تحوّل بنيوي نحو صيغة المنصّة الإعلاميّة الشّاملة التي تظل طبعتها الورقيّة مجرّد جزء من كلّ أكبر وأشمل، أو مواجهة الانقراض.
وبالطبع، فإنّ المنتج الورقيّ بقي حيّاً، رغم كل شيء، إذ أن هنالك أجيالاً من قراّء الصحف الأكبر عمراً ما زالت معتادة على تجربة تقليب الأوراق، التي تقصر السّطوح الباردة عن تقديمها، فيما نجحت كثيرٌ من العناوين في البقاء اعتماداً على التّخصص في خدمة محددة بجغرافيّة (صحف محليّة للمدن الصغيرة والأحياء في المدن الكبيرة)، أو بمنظومة نقل معينة (شبكة قطارات الأنفاق وحافلات النقل الجماعيّ)، أو بنشاط ترفيهي معين (المسرح أو سباقات الخيل وما شابه).
وقد نَجت هذه العناوين المتخصصة بفضل حصة من الإعلانات استهدفت جمهورها على نحو خاص، فيما تمكّنت صحف ومجلات قليلة تجاوز العاصفة عبر المضمون المميّز، ففرضت حواجز للدّفع مقابل الوصول إلى المحتوى (نيويورك تايمز مثلاً)، أو وسعت قاعدة اشتراكاتها المطبوعة عالميّاً (الإيكونومست مثلاً)، فيما بقيت باقي الصحف الأخرى، لا سيّما تلك ذات المحتوى الباهت على قيد الحياة، بفضل الدّعم الحكوميّ أو الأيديولوجيّ، أو حتى التسّول الأنيق.
جيل جديد من الجمهور
ورغم نوع من الاستقرار النسبيّ لهذا النظام الجديد، وحتى نجاحه في عبور جسر (الأخبار الكاذبة) الذي أفقد قطاعات واسعة من جمهور الصحف والمجلات ثقتها بالعناوين الكبرى لمصادر يعتمد عليها في دقة المعلومات فإن التوقعات المتشائمة بشأن موت نهائيّ للنسخ المطبوعة بقيت سيّدة الموقف، لا سيّما بعد أن كبر جيل جديد من الجمهور يعتمد بشكل تلقائيّ على الشاشات الذكيّة في جمع معلوماته – ومنهم من لم يقرأ صحيفة مطبوعة جلّ حياته – وأيضاً تطوّر أدوات النشر وتوزيع المحتوى الصحافي – وبالتالي الإعلانات، عبر وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة أن شركة فيسبوك تريد في مرحلة السنوات القليلة المقبلة أن تصبح بمثابة الصحيفة اليوميّة لكل البشر، تجمع لك ما يناسب من الأخبار والمعلومات في لغتهم، وبحسب اهتماماتهم ومواقعهم الجغرافيّة، بحيث ينبغي عندها لمنتجي المحتوى المرور عبر بوابة الموقع الأزرق إن هم رغبوا في البقاء على قيد الحياة، فيما شرع ملايين الأفراد والمجموعات في إطلاق مدونات، خاصة بهم أو مواقع صحافيّة ومجلات إلكترونيّة بديلة للإعلام الجماهيري.
كل شيء تغيّر في يوم ليلة بعد تفشي فيروس كورونا وتحوّله سريعاً إلى وباء عالميّ استنفر كل حكومات وشعوب العالم لاتخاذ إجراءات عزل استثنائي غير مسبوقة في التّاريخ الحديث، يبدو أنها ستستمر لعدة أشهر.
إذ رغم عودة كثيفة للجمهور بحثاً عن المعلومات الموثوقة والتحديثات، وحتى الترفيه أثناء فترة العزل، وحقيقة أن الصحافيين بالذات يناسبهم مزاج العمل من منازلهم، فإن المفارقة كانت أن الصحافة الورقية في العالم الغربي بدت وكأنّها وصلت إلى محطتها الأخيرة، وتلقت الضّربة القاضية من الفيروس القاتل الخفيّ المنسل لتفارق الحياة، أو تموت موتاً سريرياً في انتظار قرار حكيم شجاع بإعلان وفاتها ورفع أجهزة الانتعاش عنها.
التحول نحو النسخ الإلكترونية
في الولايات المتحدّة سارعت مجلّة «بلاي بوي» العجوز الشمطاء الشّهيرة (66 عاماً) والتي كانت تحتضر منذ سنوات إلى الإعلان عن توقف نسختها المطبوعة والاكتفاء بالنسخة الإلكترونيّة.
وقال بين كوون، المدير التنفيذي للمجلة في رسالته إلى قرائها «إن كورونا أجبرنا على اتخاذ قرارات لطالما تأخرنا في أخذها لتغيير منتجنا وفق متطلبات مستهلكينا اليوم».
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي فعلت صحيفة «سيتي أيه إم» التي توزع مجاناً في قطارات أنفاق قلب لندن المالي والتجاري الشيء ذاته، بعدما انخفض عدد مستخدمي شبكة قطارات العاصمة البريطانية بأكثر من 92 في المئة، منذ بدء إجراءات العزل مؤخراً، وبالتالي تبخّر الإعلانات، التي كانت تستهدفهم. ولم يخف كريستيان ماي، رئيس التحرير تشاؤمه من مستقبل الصحافة الورقيّة عن موظفيه، وأبلغهم بتخفيض رواتبهم منذ شهر بمعدّل النّصف. وتبدو الصحف البديلة والإقليميّة متجهة إلى المصير المظلم ذاته.
وما لم تتدخل الدّولة في بريطانيا لإنقاذ آخر 60 عنواناً محليّاً فإنها ستلحق خلال أسابيع أو أيّام بـ 245 جريدة ورقيّة كانت توقفت عن النشر بين الأعوام 2005 – 2018 وفق أرقام «برس غازيت»، فيما شهد الأسبوع الماضي أسوأ مذبحة لهذا النوع من الصحف الأمريكيّة التي توقف مئات منها بالفعل بعد تفشي فيروس كورونا أو أنها أبلغت موظفيها بالاستعداد للأسوأ. ووصف البروفيسور جاشوا بينتون، الذي يدير مختبر الميديا في جامعة هارفارد بـ»إن مزيجاً لتراكم محاولات الإثراء من قبل مالكي الصحف وسعيهم لتحقيق الربح على حساب الاستثمار بنوعيّة المحتوى مع صدمة كورونا ستجعل من العام 2020 ، دون شك، أسوأ عام على الإطلاق للصحافة المحليّة في تاريخ الولايات المتحدة».
ولن يكون أمر العناوين الصحافيّة الكبرى في أحسن حالاً، رغم ظروفها الماديّة الأفضل نسبياً. فهذه «التليغراف» البريطانية العريقة، التي كانت تبيع ما يقرب من مليون نسخة يوميّاً، معروضة للبيع منذ عدة أشهر دون وجود مهتمين، بعدما تراجعت أرقام المبيع لأقل من 300 ألف نسخة يشتري أغلبها كبار السنّ فقط.
وبعد كورونا فإن تلك المجموعة من القراء تحديداً أكثر المجموعات تعرضاً لإمكان فقدان حياتهم حال تعرضهم للفيروس، ولن يخاطروا بالطبع للخروج صباحاً لشراء جريدتهم المفضلّة.
وهكذا قد تنخفض أرقام توزيعها لأقل من 100 ألف نسخة. والأمر شبيه عند الصحف الأخرى، إذ تبدو «الغارديان» مثلاً موشكة على فقدان مبيعات جزء كبير من آخر 100 ألف نسخة يومياً تمكنت من الاحتفاظ بها لبعض الوقت، بعد سنوات تراجع مذهل للأرقام من مستوى المليون نسخة في الأيّام الذهبيّة لها خلال القرن الماضي، فيما أعلنت مجلّة الترفيه «تايم أوت» – لندن توقفها عن الطباعة وتحويل اسمها على الموقع الإليكتروني إلى «تايم إن»، وخفضت «إيفنيننغ ستاندارد» المسائيّة المجانية نسخها المطبوعة بنسبة الثلث إلى حوالي نصف مليون نسخة يومياً، وستحاول البقاء عبر تعويض التّوزيع في محطات القطار من خلال إيصال الجريدة إلى المنازل، ولم يعد يديرها سوى هيكل أساسي من عشرة أشخاص فقط.
أين ذهب قراء الصحف الورقيّة؟
تقول صحيفة «دايلي ميل» – ثاني أكبر صحف بريطانيا من حيث أرقام المبيع – إنها فقدت جزءا كبيراً من مبيعاتها الورقيّة، بينما تضاعفت الحركة على موقعها الإلكتروني «الميل أون لاين» بأكثر من 50 في المئة، منذ تطبيق إجراءات العزل الأخيرة.
كما علم من هيئة الإذاعة البريطانيّة أنها استعادت خلال الأسابيع الماضية أعلى مستويات المشاهدة لبرامجها لمستويات ما قبل 2008 والأزمة المالية العالمية حينها، بعد عقد من تراجع الإقبال. فمن الواضح أن الجمهور استعاد تعطشه للأنباء والمعلومات والتحليلات، لكنه مضطر إلى تغيير عاداته في استهلاكها لمناسبة الأوضاع المستجدة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أملا في استعادة الكلمة المطبوعة حصتها بعد انقشاع العاصفة، إذ أن الاقتصاد العالمي لا يبدو في وارد التعافي سريعاً من مفاعيل الأزمة الحاليّة، وقد تأخذه سنوات قبل استعادة شهيته على الإنفاق الإعلاني في صحف ورقيّة. سنوات لا تمتلكها صناعة كانت تمشي مفتوحة العينين إلى حتفها الأكيد.
إنها المحطة الأخيرة. فلتأخذوا أمتعتكم يا رفاق الورق وتتفضلوا بالنزول.