شهدت العاصمة السورية في خاصرتها الجنوبية في 24 آب/أغسطس الحالي، هجمات إسرائيلية استهدفت معملا إيرانياً مخصصاً لصناعة طائرات الدرونز “المسيرة” ضمن منطقة تابعة للنظام، حيث نجحت الصواريخ الإسرائيلية في الوصول إلى أهدافها وتكبيد فيلق القدس الإيراني وحزب الله اللبناني خسائر عسكرية فادحة، إضافة إلى خسائر في الأرواح، حيث اعترف حزب الله بمقتل 3 من عناصره.
الضربات الإسرائيلية، تبدو أنها بدأت تأخذ طابعا جديدا، يتمحور في انتقاء الأهداف بدقة عالية، وعملية مراقبة لحظية لأي تحرك إيراني أو لحزب الله في سوريا، إضافة إلى توقيتها وتواليها، في حين أن الجانب الإيراني وحزب الله، لا يزالون يحتفظون بحق الرد، في إشارة منهم بتقبل الضربات رغم مرارتها عليهم، مقابل دفع عجلة التصعيد وعدم الإنجرار إليها.
الباحث السياسي عرابي عرابي، يرى أن غالبية الضربات الإسرائيلية السابقة كانت تتعامل مع أهداف رابضة في المطارات أو القواعد العسكرية الإيرانية المنتشرة في سوريا، وكان آخرها ضرب معمل كبير لصناعة الصواريخ بعيدة المدى في مصياف، الأمر الذي سبّب خسارة كبيرة لإيران ودفعها لسلوك تكتيك جديد في هجماتها ضد إسرائيل وهو الطائرات الانتحارية المسيّرة.
هذا السياق الزماني المُتتالي يوضّح مغزى الاهتمام الإسرائيلي الكبير بهذه الغارة وما تلاها من ردود أفعال متبادلة بين الإسرائيليين والطرف الإيراني وحزب الله، ولعل أبرزها إسقاط طائرتين إسرائيليتين مسيرتين في قلب الضاحية الجنوبية في بيروت، إحداها سقطت بسبب عطل فني بينما فُجِّرَت الأخرى في إحدى مكاتب الحزب للعلاقات والإعلام. وبالنظر إلى الحجم الكبير للغارة التي نفذتها إسرائيل جنوب دمشق في منطقة عقربات، وراح ضحيتها حسن يوسف زبيب، وياسر أحمد ظاهر، وهما من كوادر حزب الله الخاصة والتي سافرت إلى إيران عدة مرات حسب بيان الجيش الإسرائيلي، ومكثا فيها لإجراء تدريبات خاصة في فيلق القدس على تشغيل الطائرات المسيّرة الانتحاريّة المتفجّرة.
ويقول عرابي لـ “القدس العربي”: هذا يوضّح لنا أن الكيان الصهيوني انتقل من ضرب القوات البرية الإيرانية وإمدادات الصواريخ إلى استنزاف وجود إيران والجماعات المرتبطة بها في العراق وسوريا ولبنان. فلم تعد حماية الحدود القريبة هي الهدف، وإنما منع ميلان موازين القوى الاستراتيجية لصالحها إضافة إلى الحفاظ على قواعد اللعبة السابقة والتي تتضمن منع نقل أسلحة إستراتيجية إلى الحزب في لبنان أو تهديد الحدود الإسرائيلية عبر سوريا”.
صراع نفوذ
ويستبعد عرابي أن يكون الصراع الإسرائيلي الإيراني وهميّا، وفي الوقت ذاته ليس صراعًا على الوجود كما تروّج الأدبيّات الإيرانيّة، التي تبالغ بوصف الكيان الإسرائيلي بـ “الكيان السرطاني” وتساند ذلك الوصف الشعارات الحماسية مثل “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”.
وقال: جُلّ ما يمكن وصف الصراع بين الطرفين بأنه صراع على استحواذ النفوذ وامتلاك القوة المطلقة في الإقليم، وبطبيعة الحال فإن انقلاب مجريات الثورة السوريّة إلى ما نراه منح إيران فرصة قويّة لبسط أذرعها في سوريّا وتمكين حليفها حزب الله منها دون إيلاء اهتمام كبير للنظام السوري وحساباته، أي انتقاله من وضع الحليف الذي يستنَد إليه إلى عنصر ضعيف تملى الشروط عليه.
تدرك الطبقة الحاكمة في إيران أن وجودها مهم للغرب وأن الغرب ينظر إلى تحركاتها بشكل مترابط ولذلك فإنها تستثمر أوراق اللعب التي تملكها لخدمة ملفاتها المتعددة كتصرفاتها في مضيق هرمز ودعمها للميليشيات الشيعية في العراق وسوريا واليمن لتحصيل مكاسب عدة في ملفات متوازية كملف المفاوضات النووية، وهذا يوحي لنا بوجود قنوات متبادلة بين الإيرانيين والغرب بما فيه أمريكا التي سمحت لإسرائيل بإيصال قطع غيار الطائرات المقاتلة إف 4 أثناء حرب السنوات الثماني واستمر تطور التعاون الأمريكي الإسرائيلي الإيراني على النحو الذي كشفت أسراره فضيحة إيران كونترا”.
تؤسس هذه الغارات لأمر واضح إلا أنه سيستهلك الكثير من الغارات والتوتر في الأيام المقبلة في مناطق مختلفة من العراق وسوريا ولبنان، وهو نزع أوراق التوازن والردع في وجه إسرائيل من يد إيران والجماعات الوظيفية المرتبطة بها.
هذا الأمر، من وجهة نظره، مرتبط بشكل وثيق بقدرة كل فريق على تثبيت خطوطه الحمراء أمام الطرف الآخر، ويبدو أن الإسرائيليين أدركوا حجم التهديدات الإيرانية على المدى البعيد ولذلك وسّعوا شبكة القصف وأماكنه ونوعية الأهداف، فباتت قواعد الحشد الشعبي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على قائمة الأهداف في سبيل منع أي خلل محتمل لتوازن الردع لصالح إيران أمامها.
ومما يعزّز هذه الفرضية الضربات الاستباقية التي تنفذها إسرائيل إضافة إلى حجم الاستنفار الذي تعدّه إيران عبر حزب الله في لبنان حيث أشعلت تهديدات حسن نصر الله مواقع التواصل الاجتماعي خاصة مع تعهده بالرد ومنع الاعتداءات على لبنان مرة أخرى مهما كلف الأمر، وقابله في الطرف الآخر تجهيزات إسرائيلية على طول الحدود اللبنانية بهدف منع أي خرق جوي عبر الطائرات المسيّرة أو أي تغلغل بري للحزب في شمال فلسطين المحتلّ، مما قد يدفع إلى اندلاع مواجهات محدودة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، وهنا ستكون العديد من السيناريوهات مفتوحة، وليست الحرب الشاملة.
ويبدو إن عدم ردّ إيران على إسرائيل مرتبط بسعيها لعدم حدوث مواجهة شاملة في سوريا بينها وبين القوى الغربية والإسرائيلية. لذلك فإنها تبحث عن السيطرة على مفاصل سوريا ودعم النظام لاستعادة ما يمكن استعادته بهدف التمركز فيه والاستفادة منه مستقبلاً في مختلف الملفّات المفتوحة.
وفيما تتلاقى مصالح طهران والأسد، ينحو بعض المحللين إلى ربط مصير الأسد بالوجود الإيراني في سوريا، وذلك استناداً على حجم التوغل الإيراني في سوريا، إضافة إلى ضخامة المبالغ الائتمانية التي قدمتها للنظام حيث وصلت إلى ما يزيد عن ستة مليارات دولار، وفي الوقت الذي تعاني إيران من ضغط اقتصادي خانق، نراها قد أنشأت ميليشيات داخل النظام تتبع لها.
وهنا ثمة تناقض ظاهري، إذ إن الأسد على الرغم من استفادته من إيران وميليشياتها، إلا أن الغارات الإسرائيلية تقدم له خدمة ثمينة بإضعافها للوجود الإيراني وميليشياتها التي ستنقلب عليه بالتأكيد حين تتمكّن من إحكام سيطرتها على سوريا بالكامل، حيث تؤخر هذه الغارات ذلك التمكّن الحتمي.
أين روسيا؟
ويرى عرابي، إن موسكو تستفيد من الغارات الإسرائيلية على نحو تكتيكي واستراتيجي في الوقت ذاته، ويميل إلى قراءة أوجه استفادة روسيا من الغارات الإسرائيلية على إيران من خلال المحددات الآتية:
– انتفاء حاجة روسيا الاستراتيجية لإيران في ميدان المعارك في سوريا، وذلك يعني أن التحالف الاستراتيجي بينهما قد وصل إلى نهايته، كما أن كُلًّا منهما ينظر إلى الآخر على أنّه منافس يستهدف تحصيل المكاسب كاملةً، ولذلك تبني روسيا جيشًا موازيًا مواليًا لها بينما تتوغل إيران في مفاصل الجيش السوري عبر الشخصيات الموالية لها.
– صمت روسيا عن الغارات دليل رضاها ومساهمتها الفاعلة فيها، حيث يعمل مركز التنسيق الإسرائيلي الروسي على ضبط الغارات وتنظيمها، مما يعني وجود يدٍ واضحة لموسكو في استراتيجية إسرائيل الهادفة لردع إيران في سوريا.
– إقصاء إيران عن سوريا إثر الحل المتوقّع هدف استراتيجي لروسيا، ولذا فإن إضعافها تسهيل لمهمّة روسيا المستقبلية، وهو ما تدركه إسرائيل.
أهداف إيران
عند الحديث عن إيران وتدخلاتها في الدول العربية، نجد انها تهدف إلى مشاريع مستقبلية كبيرة سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية.
وفي هذا الإطار يقول الخبير في العلاقات الدولية حسن الشاغل لـ “القدس العربي”: لدى إيران عدة مشاريع تسعى إلى تحقيقها في المنطقة العربية، منها ما هو ديني، واقتصادي، جغرافي وسياسي، مستغلة الفوضى السياسية التي خلفتها ثورات الربيع العربي. إضافة، إلى إيجاد الميليشيات وأنظمة حكم مساندة لها نقطة انطلاق لتحقيق أطماعها في المنطقة العربية”.
وتسعى إيران، وفق الخبير الدولي، إلى تحقيق ثلاثة مكاسب استراتيجية في المنطقة العربية أولها، هدف ديني حيث تسعى منذ 2003 لنشر التشيع وخاصة في سوريا، وقد بنَت الزوايا في مناطق كثيرة من سوريا وصرفت مبالغ كبيرة لتحقيق قاعدة شعبية لها في المنطقة. بالإضافة إلى تحقيق حلم قديم جديد لإعادة الإمبراطورية الفارسية.
أما الهدف الثاني، فهو جغرافي، إذ تريد إيران أن تصل موانئ في كل من سوريا ولبنان لتكون نقطة انطلاق لها الى أوروبا، في اليمن تسعى للسيطرة على الموانئ عبر ميليشيات الحوثي كي لا تصبح بيد دول الخليج وتكون بديلا عن المرور من مضيق هرمز الذي يشكل أداة ضغط بيد إيران أثناء تعرضها لضغوطات دولية بشأن برنامجها النووي.
ثالث أهدافها، اقتصادي حيت تعمل على تصدير احتياطاتها من الغاز والبترول عن طريق خط أنابيب الإسلامي الذي سوف يمر من العراق وسوريا ولبنان إلى أوروبا عن طريق جزيرة قبرص، ولأجل تحقيق هذا المشروع يجب ان يكون لديها تواجد في سوريا لحماية مصالحها الاستراتيجية.
وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية العدو الصريح لإيران، لا ترغب وفق ما قاله الشاغل، في القضاء عليها بشكل نهائي، بل تريد تحجيمها واضعافها بقدر معين، من خلال العقوبات الاقتصادية والضغوطات السياسية. الإدارة الأمريكية السابقة أطلقت يد إيران في الساحة العربية من أجل تبرير تواجدها المستمر في المنطقة العربية، وللضغط على دول الخليج لشراء الأسلحة من الأسواق الأمريكية، ومن أجل ان تبقى دول المنطقة تشعر أنها بحاجة إلى الحليف الأمريكي.
وتعمل إسرائيل وأمريكا على شن ضربات جوية على مواقع إيرانية والميليشيات المساندة لها في سوريا والعراق ولبنان من أجل تدمير قوات وأسلحة إيرانية ممكن ان تنقل الى مواقع قريبة من إسرائيل وتكون بذلك أداة ضغط عليها، فهذه الضربات المتكررة هدفها ضرب القوات والأسلحة الإيرانية وتقليص الخطر الإيراني.
كما تكون هذه الضربات على مواقع يفترض انها للجيش السوري، ولكن هي لميليشيات إيرانية، تمركزت في هذه الأماكن لتشتيت النظر عنها، لكن روسيا أصبحت رجل مخابرات لإسرائيل وهي التي تزودها بكافة مواقع القوات الإيرانية.
وهو يرى أن هناك توافقا دوليا على انهاء التدخل الإيراني في المنطقة العربية عامة وفي سوريا خاصة، لان إيران أصبحت تسعى إلى تحقيق مصالح تضر بمصالح القوى الدولية.