إن الوضع المتردي للبنى التحتية المدنية في قطاع غزة يتميز بجهاز صحي مهزوز، قليل المعدات –بما في ذلك معدات فحص كورونا والوقاية للطواقم الطبية– وأسرة المستشفيات. أفراد الطاقم الطبي ليسوا خبراء بما يكفي. وفي الخلفية، ثمة أزمة ثقة بين السكان وجهاز الصحة والمنظومة السلطوية لحماس بشكل عام.
الضفة الغربية وقطاع غزة – فجوة كبيرة في الجاهزية لمواجهة الوباء.
ويسود في الأجواء إحساس بأن تهديد الوباء أكبر من قدرة القطاع وقيادة حماس بخاصة للتصدي له. ومع أن عدد المصابين بالفيروس حتى الآن منخفض نسبياً، ولكن قد يكون هذا معطى يعكس قلة الفحوصات التي أجريت في المنطقة. وفي الأسابيع الأخيرة أغلقت معابر الحدود في القطاع وأقيمت منشآت عزل قرب معبر رفح، في المدارس وغيرها من المباني العامة، وأعلن عن بناء نحو ألف غرفة عزل. كما منعت التجمهرات وأغلقت المساجد. غير أنه لا يوجد متابعة لأولئك الذين دخلوا قبل إعلان العزل ولا توجد متابعة لحاملي الفيروس المحتملين. وبالتالي يتصاعد الخوف من ارتفاع مفاجئ في عدد المرضى وتفش واسع للوباء. ومع ذلك، يلوح انخفاض في خوف سكان القطاع مع مرور نحو ثلاثة أسابيع من العزل للوافدين إليه، عقب عدم انتشار أو ارتفاع حقيقي لعدد المرضى. وبالتالي يعد الإغلاق كابحاً ناجعاً في وجه المرض. ويبدو أن مستوى الخوف انخفض أيضاً في أعقاب موافقة السلطة الفلسطينية على فتح المستشفى التركي الذي أقيم في قطاع غزة ولم يبدأ عمله حتى الآن بسبب معارضتها.
تلقي قيادة حماس وإلى جانبها منظمات حقوق الإنسان مسؤولية مصير القطاع على إسرائيل. فقد قال خليل الحية، عضو المكتب السياسي لحماس في 24 آذار إن إسرائيل مسؤولة عن أن توفر للقطاع احتياجات مكافحة فيروس كورونا، وعليها أن ترفع الحصار وتستأنف نقل المساعدات للمحتاجين في القطاع. وتعبر هذه الأقوال عن رغبة في ممارسة الضغط على إسرائيل وعلى محافل في الساحة العربية والدولية لتقديم المساعدة، وبالتوازي رفع المسؤولية عن حماس التي من شأنها أن تكون عرضة لاحتجاج جماهيري إذا ما بدأ تدهور خطير في الوضع.
في إسرائيل ذاتها يبدو واضحاً وعي للخطر الذي يحوم فوق قطاع غزة في حالة انتشار واسع للوباء. وعليه، فقد وسعت إسرائيل حجم المعدات الطبية التي تدخل إلى المنطقة، بما فيها 20 جهاز تنفس، تضاف إلى 80 جهازاً توجد فيه، ونحو 300 طقم فحص و 50 ألف كمامة، ومعدات كثيرة أخرى يفترض أن تصل من الصين هذه الأيام. كما أن قطر هرعت للمساعدة. فقد وعد الأمير بتحويل مساعدة مالية أخرى بمبلغ 150 مليون دولار، في ست دفعات شهرية. وتنفيذ الوعد القطري يحتاج إلى دور إسرائيلي ومصري في زمن تتعطل فيه معظم المطارات، كما يفترض أن يكون هناك تنسيق لنقل مرضى من القطاع إلى مستشفيات شرقي القدس، كما تفعل وزارة الصحة في السلطة الفلسطينية، وإن لم تكن لها سيطرة على ما يجري في القطاع. بالمقابل، فإن الوضع في مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية جيد بقدر واضح. فقد سبقت السلطة حتى إسرائيل في الإجراءات التي اتخذتها بعد اكتشاف المرض في بيت لحم، في ظل إظهار الوعي نحو المخاطر الصحية التي تنطوي على الاحتكاك مع إسرائيل والإسرائيليين، بمن فيهم سكان المستوطنات وشرقي القدس. وتتركز جهود وزارة الصحة الفلسطينية على الضفة الغربية. فقد عملت الوزارة على تشخيص مناطق العدوى ورسم خريطة لها، ومحاصرتها وتوسيع الإغلاق بالتدريج، وفقاً لانتشار الوباء. وتفرض التعليمات للجمهور بالقوة، بما فيها منع التجمهر ودخول العرب الإسرائيليين إلى مدن الضفة، ويبدو في هذه اللحظة أنها تتحكم بوتيرة تفشي الوباء. إضافة الى ذلك، عملت وزارة الصحة الفلسطينية على التخفيف من العقوبات التي فرضتها السلطة على حماس في قطاع غزة وطلبت أن تنفذ في القطاع التعليمات ذاتها التي طبقت في الضفة، رغم إمكانية ألا تستجيب حماس لها بالضرورة. وأعلن رئيس الوزراء محمد اشتية عن إعادة موظفي السلطة في القطاع، ابتداء من نيسان القريب إلى صيغة العمل السابقة، قبل أن تفرض اقتطاعات في رواتبهم ومكانتهم كموظفين.
إضافة الى ذلك، حرصت السلطة منذ بداية الأزمة على أن تنسق مع إسرائيل كل أعمالها بشأن وباء كورونا، بل وشددت علناً على أهمية التنسيق. وأشار الناطق بلسان الحكومة إبراهيم ملحم إلى أن غرفة عمليات مشتركة مع الجانب الاسرائيلي أقيمت لغرض مكافحة الوباء. عملياً، التنسيق مع إسرائيل هو بين الأسباب لثقة الجمهور الفلسطيني للخطوات التي تتخذها السلطة، وكذا لإطاعة التعليمات.
في ضوء الأزمة، قررت إسرائيل أن تحول إلى السلطة 120 مليون شيكل من أموال المقاصة التي جبتها لها. وذلك إلى جانب توثيق التنسيق الصحي ونقل المعدات الطبية. ويتواصل عمل العمال الفلسطينيين في إسرائيل على أساس اتفاق مشترك بأن يبقوا للمبيت على مقربة من مكان عملهم. ومع ذلك، دعت السلطة لاحقاً إلى إعادتهم إلى أراضي الضفة في أعقاب حالة إصابة أحدهم وخوفاً من انتشار العدوى على نحو واسع (وكذا أيضاً غضبا على شروط المبيت التي خصصها للعمال أرباب العمل في إسرائيل).
إن أداء السلطة يحظى بتقدير الجمهور الفلسطيني: استطلاع للرأي العام أجراه مؤخراً بين الجمهور الفلسطيني معهد البحوث برئاسة د. نبيل كوكالي، أشار إلى ثقة 80 في المئة من الناس بأداء السلطة. وبالتوازي، سجلت مبادرات خاصة تساعد عمل السلطة وتدعمها. هكذا مثلاً، نقلت تبرعات غذائية من الخليل إلى سكان بيت لحم، التي تعاني من العدوى أكثر من المدن الأخرى؛ فنقلت مساعدات إلى العائلات المحتاجة، وجرى توزيع مجاني لخط الإنترنت في صالح المتصفحين من شركة الاتصالات الفلسطينية.
المخاطر: على أصحاب القرار في إسرائيل أن يفترضوا بأن حجم العدوى بكورونا في قطاع غزة والضفة الغربية أخطر مما يبلغ عنه. والتحدي الأكبر في هذا السياق هو الوضع في غزة، سواء بسبب احتمال التفشي السريع والواسع للوباء، أم بسبب قدرة حماس والقطاع المحدودة، كمنطقة ضائقة كثيفة السكان، على مواجهة أزمة واسعة. إضافة إلى ذلك، ليس هناك بين إسرائيل والقطاع آليات تنسيق جارية وناجعة، كتلك التي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
إن انتشار الوباء في قطاع غزة وفقدان سيطرة حماس سيضعان إسرائيل أمام وضعية معقدة وصعبة عقب احتمال الانزلاق من المنطقة إلى أراضيها. كما تحتمل أيضاً محاولة من حماس لتصعيد الوضع الأمني بنية صرف انتباه الجمهور عن عجزها في مواجهة الوباء. وبالفعل، ظهر مؤخراً جهد من حماس لإثبات السيطرة في القطاع على خلفية الوباء، وتشددت قيود الحركة وإنفاذ القانون. غير أن فقدان ثقة سكان القطاع بقيادة حماس قد يؤدي إلى اندفاع جموع الناس نحو الجدار الحدودي.
وبالنسبة لمناطق الضفة الغربية، فعلى إسرائيل أن تستعد لإمكانية انتشار واسع للوباء ومصاعب كبيرة أمام السلطة لاحتواء الأزمة، بسبب الإمكانيات الطبية المحدودة ونقص أطقم الفحص وأجهزة التنفس. ولهذا، فمن المهم تعزيز المستشفيات الفلسطينية في القدس، على اعتبار أنها عنصر حيوي في جهاز الصحة الفلسطيني وجبهة خلفية لعلاج طبي متطور لسكان الضفة والقطاع أيضاً. ومن شأن الانتشار الواسع أن يؤدي إلى انهيار الاقتصاد الفلسطيني، وفقدان ثقة الجمهور بقيادة السلطة، بل وإلى الفوضى كنتيجة لنقص في الغذاء والمياه والكهرباء والأدوية. وبالتالي فإن مساعدة السلطة والتعاون معها، والظهور المشترك للمحافل المهنية من الطرفين، كالأطباء مثلاً، سيوضح للجمهور الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء خطورة الأزمة، إضافة إلى استمرار التعاون الأمني الذي سيساعد في احتواء الأزمة. ومع ذلك، من الصواب أن تستعد إسرائيل أيضاً لسيناريو انهيار السلطة، سواء كنتيجة لانهيارها الاقتصادي أم لمصاعبها في أداء مهامها.
وبالنسبة للمنطقتين –الضفة والقطاع- على إسرائيل أن تستعد لمنع محاولات التسلل إلى أراضيها والرد في حالة نجاح بعضها. إن إغلاق الحدود بين الجهتين مطلوب في حالة انتشار عام للوباء، حتى لو كان الواقع في الضفة أكثر تعقيداً بسبب وجود المستوطنات اليهودية في قلب المنطقة.
الفرص: يبدو أن قيادة حماس على وعي بشدة التحدي أمامها وبتعلقها بإسرائيل. فضلاً عن ذلك، فإن انتشار الوباء في أراضي القطاع قد يعرض وجودها للخطر. وبالتالي، يمكن في هذه اللحظة الصعبة أن تشجع حماس على أن تلين أمام شروط التسوية مع إسرائيل. وعلى فرض أن المصلحة الإسرائيلية هي تسوية واسعة مع القطاع، فيحتمل أن توفر أزمة كورونا لإسرائيل فرصة لتحقيقها.
ومن جهة أخرى، إذا كانت المصلحة الإسرائيلية هي إعادة السلطة الفلسطينية إلى السيطرة الناجعة في القطاع، كمرحلة ضرورية لاستئناف المسيرة السياسية، فيحتمل أن تكون أزمة كورونا حافزاً وفرصة لاتخاذ خطوات في هذا الاتجاه. ربما برعاية مصرية وسعودية، وربما بتدخل قطري، إلى جانب مبعوث الأمم المتحدة ملدنوف. إن خطورة الأزمة وفهم حماس لضعفها، وإلى جانب ذلك مساعدة طبية من السلطة الفلسطينية لسكان غزة وتخفيف عقوبات السلطة على حماس، كفيلة بتقريب إمكانية تسوية العلاقات بين القيادتين، وإن لم تكن مصالحة، وفي هذا الإطار استعداد السلطة لأخذ مزيد من المسؤوليات في الجوانب المدنية في القطاع، وإن لم تكن سيطرة كاملة في المنطقة.
بقلم: يوحنان تسويف وكوبي ميخائيل
نظرة عليا 6/4/2020