الطاهي الذي ضل طريقه فأصبح كاتبًا ماهرًا

كنت دائمًا أحب الحلوى، لكنني لا أعرف لماذا أتحاشى صنعها وأستثنيها من غرامي بالطبخ، لكن ابنتي مي التي بدأت فجأة تهتم بالمطبخ، وضعت ولعها في الحلوى دون أن تكون مغرمة بتناولها. قالت لتفسر لي ما رأيتُه تناقضًا: عمل الحلوى شيء يبعث على الرضا، كأنْ تكتب قصيدة. هذا ما يطبخه، أقصد ما يكتبه الروائي والكاتب متعدد الكتابات عزت القمحاوي في كتابه « الطاهي يقتل..الكاتب ينتحر « الصادر عن الدار المصرية اللبنانية للنشر والتوزيع، ويهديه لأمه وبطولاتها اليومية التي مكنتها من الوفاء بكل ما أراده الله له، وفيه يتساءل أيضًا كيف تبتعد طفولاتنا وننظر إلى ذلك الماضي كما لو كان مساحة من البراءة، متناسين شهواتنا وطموحاتنا الشريرة التي كانت مستعرة آنذاك! عزت القمحاوي، الذي أحب كتابته بشكل خاص وأجد في قراءتها متعة كبيرة تأسرني وتجعلني أتأمل الأشياء من حولي متسائلًا أنّى له أن يكتب كتابة كهذه الكتابة؟، يكتب هنا فيقول إنه بالحكاية والطبخ تمكن البشر من استئناس بعضهم بعضًا، وصارت لدينا مجتمعات بشرية، ولم يزل الطعام حاضرًا في الاحتفالات الاجتماعية الدينية، مشيرًا إلى أن وقت الطبخ وتناول الطعام سيظل وقتًا للحكاية، وسيظلان معًا مقومات التماسك الاجتماعي، متصورًا أن الوقت الذي ينفقه الكاتب في المطبخ ضروري لبناء مهاراته في الكتابة، فهو، على حد توصيفه، وقت للتأمل وتفريغ التوتر والخوف من الكتابة ومن القارئ، أما الطاهي فهو أفضل حظًّا من الكاتب، فليس من الوارد أن يطبخ المرء لعدوه إلا أن يكون أسيرًا، أو زوجة لرجل عديم الحب، أو خادمًا في بيت قليل الإنسانية.
الموت بسلام
هنا يرصد عزت القمحاوي بعضًا من الاختلافات والمتشابهات بين الكاتب والطاهي إذ يقول إن الكاتب يختلف قليلًا عن الطاهي، فهو لا يقتل، بقدر ما ينتحر، وإن النوع الأسوأ من الكتاب هم الذين لا يعرفون كيف يموتون في النص بسلام، وهؤلاء هم الذين لا يمتلكون مهارة التخفي، ويفتقدون مهارة رفع واقعة من مستوى الواقع إلى مستوى الفن، كذلك يرى القمحاوي أن الكاتب ليس أقل احتياجًا من الطاهي إلى الصبر والحيلة وابتكار ما يدفع بالكتابة إلى آفاق أبعد مهما كانت الصعوبات، ويكون الكاتب، في البلاد الفقيرة إلى الحرية، أكثر احتياجًا للاحتيال كي يتفادى الصدام مع حراس الاستبداد الواقفين للكلمة بالمرصاد، وإن كان كاتب الأدب أسعد حظًّا من المفكر، لأن التخفي ضرورة فنية في الأدب. ما يثبته هنا أيضًا عزت القمحاوي أن الكاتب، قبل المهارة، يحتاج إلى القدرة على الانسحاب من العالم والإصرار على النصر بالحيلة وعدم الخجل من الهشاشة واعتياد البقاء في الظل وعدم انتظار الجزاء خصوصًا في هذا العصر حيث يتضاعف إغواء الجوائز والربح. كذلك يذكر القمحاوي هنا أنه لديه اعتقاد بأن الكتابة كانت في البدء عملًا أنثويًّا تمكن الرجل من الاستيلاء عليه، اختاره لأنه كان العمل الأكثر سهولة في البداية، عندما كانت أدوات الكتابة أكثر رقة من أدوات الطبخ، مشيرًا إلى أن هناك اختلافًا بين الطهي والكتابة يتعلق بنظرة المجتمعات لكل من النشاطين، أما ما يراه مهمًّا فهو معرفة لحظة النضج في مطبخ الكاتب والطاهي، وهي لحظة رهيفة للغاية، قبلها نجد الطعم النئ، وبعدها تبدأ الطبخة في التدهور، مؤكدًا أن الحدس قد يخذلنا في تحقيق ما كنا نأمل، ومن هذا الخذلان نفسه تولد الرغبة بالتعويض والدافع لبدء عمل جديد.

الحياة معجزة
القمحاوي الذي يرى أن الطبخ الجيد يخبرنا بأن الحياة معجزة وتستحق أن نغتنمها، ذاكرًا أن كل عنصر في الكتابة يعزز نقيضه ويتعزز به، ويمكن تحقيق الانسجام عبر الاختلاف، مثلما يحققه اجتماع الحلو والمالح في الطبخة، يكتب هنا قائلًا إنه يحلو لبعض الكتاب أن يرددوا أن كل شخصيات رواياتهم تصنع مصائرها، لكن تطور الأحداث ليس اعتباطيًّا، وليس نزوة شخصيات تندفع في طريقها بلا منطق، بل يحكمها تكوينها، معلنًا أن مهارة الروائي والطاهي تقاس من قدرتهما على التحكم في الشكل، وأن تُقيّم الروايات ويُكتب لها الخلود انطلاقًا من الشكل الذي يحتضن حكمتها ويساهم في صنع تلك الحكمة، وكذلك تحصل المطاعم على رتبها وتستمر عامرة بالرواد انطلاقًا من حساسية الطاهي تجاه الشكل دون التضحية بجودة المكونات، كما يقول إن الجملة الأولى هي رأس الرواية وعندما يجدها القارئ يتوقع وليدًا موفور الصحة، وإننا، في الطبخ، نعرف من الطريقة التي يقف بها الطاهي في مطبخه ويرتب بها طاولته أيَّ وعد ينتظرنا قبل أن يبدأ، مؤكدًا أن البوفيه المفتوح في الرواية يقتل شهية القارئ، لهذا لا بد للكاتب من الصبر على ما يعرف، وألا يُلقيه في وجه القارئ دفعة واحدة، مضيفًا أن الخفاء أعلى سلطة في الكون وكذلك في الرواية، زاعمًا أن الأدب يُقرأ للمرة الأولى، وقت نشره من أجل ما يقوله بشكل ظاهر، لكنه لا يجتاز اختبار الزمن إلا بفضل المخفي فيه، الذي لا يتكشّف بسهولة في القراءة الأولى.
الحالم والكاتب
عزت القمحاوي الذي يرى أنه في كل الأحوال لا تستحق الكتابة اسم «رواية» إلا إذا جعلت القارئ يتوحد مع عالمها، فتصبح الفنتازيا واقعًا ملموسًا ويتناغم موتيف صغير قديم مع عالم الأسرة الواقعية، وتجعلنا نرى ونسمع ونشم ونلمس ونتذوق، بل ونحتفظ بكل تفاصيلها، يلفت انتباهنا هنا إلى أنه في تراث الإيروتيكية العربية يتبادل الطعام والسرد وظيفة واحدة، وتخصص بعض الكتب الباب الأخير منها لوصفات الأطعمة والأشربة المقوية للقدرة الجنسية، ويفضل بعضها الانتهاء بقصص مثيرة، تتضمن مستويات خيالية من الأداء الجنسي، ذاكرًا أنه حينما يطالع هذا النوع من الكتب لا يشغله في وصفاتها للطعام وظيفتها المتوهمة في صيانة وشحذ آلة الذكورة، بل عجائبيتها، كيف تصنع هذه الوصفات عجائبيتها وتجعلها تبدو واقعية؟ مثلما يقارن بين الحالم والكاتب، ذاكرًا أن الحالم حر بالمطلق، هو المؤلف والمتلقي في الآن نفسه، بينما الكاتب ليس حرًّا في المطلق شأن الحالم، لأنه لا يحلم لنفسه، بل لقارئ، وتنتهي حدود حرية الكاتب عندما تبدأ حرية القارئ، كما يجعلنا نعرف أن الفرق بين الفنتازي في الأدب وبين الرسم الكاريكاتيري هو الفرق بين إمكانيات اللغة وإمكانيات الرسم، إذ لا تعبث فنتازيا الأدب بالبشر والموجودات المادية فحسب، بل تستطيع أن تلعب بالزمان والمكان، وفي الطبخ نجد نجومًا بنوا شهرتهم من خلال ذلك التوأم الملتصق «الفنتازيا والسخرية»، وأن الرواية الحديثة بدأت بمزحة، مؤكدًا أن المزاح في الأدب ليس أقل قيمة من الجدية، بل هو شكل من أشكال المقاومة على حد توصيف إدوارد سعيد. عزت القمحاوي الطاهي الذي ضل طريقه فأصبح كاتبًا ماهرًا وهو في صدد حديثه عن التوابل، بشتى أنواعها، وما تُحدثه من متعة ومذاق في الأطعمة، يعلن أن السرد الأدبي والسينمائي لا يستغني عن التوابل التي تتعدد أشكالها في اللغة والشخصيات والمواقف، وتوابل الكتابة هي كل ما ليس أساسًا في السرد، وأن الطبخ فن يخترق أجسادنا كما أن الرواية تخترق أجسادنا، وكلاهما يحتاج إلى النزاهة. وهكذا، وبمهارة يُحسد عليها، يفتح عزت القمحاوي شهيتنا على الأكل والقراءة وهو يطوف بنا بين مطبخي الأطعمة والكتابة، مُظهرًا العلاقة بينهما وقدرتهما معًا على إسعاد وإمتاع المتلقي، سواء أكان آكلًا متذوقًا أم قارئًا متأملًا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية