عندما يلج طبيب عالم الكتابة الأدبية كاتبا ومبدعا؛ فإننا نستبشر كثيرا، لأسباب عديدة، أولها: أننا في حاجة ماسة إلى الأطباء الأدباء، فهم الأجدر بالتعبير عن قطاع كبير من حياتنا يتمثل في المرضى بكل آلامهم، وما فيه من سرديات ومشاعر جياشة، ذلك أن الطبيب يتعامل مع المريض في أقسى حالات ضعفه، وهي حالة المرض، وهي الحالة التي يفيض كثير من المرضى بالحديث عن أحاسيسهم نحو الحياة والأحياء وتقلبات الدنيا، وعندما ينال المريض الشفاء، فإن نظرته السوداوية للحياة تتبدل، ويقبل على الدنيا سعيدا، شاكرا كل من كان عونا على شفائه، وصاحبه خلال رحلة المرض.
ثانيها: يتمثل في التعبير عن عالم المستشفيات والعيادات والمصحات، وهو عالم زاخر بقصص وروايات وأحداث، وعندما يكتب طبيب من أعماق هذا العالم فإنه يكتب عن دراية وحنكة، بعيدا عن الكتابات النمطية، التي تصور الأطباء بأنهم شخصيات هادئة دوما، حديثها الطب والأمراض، عندما نراهم ينقلون أخبار الحالة المرضية بكلمات قليلة مع ابتسامة مطمئنة، فنحن في حاجة إلى تقديم هذا العالم بكل جزئياته وتفاصيله، فالطبيب شأنه شان أي شخصية أخرى في المجتمع، ولكنه يمتاز بأنه خبير في تخصصه وتجاربه، بعوالم المرضى والاستشفاء.
ثالثها: انحسار ظاهرة الأطباء الأدباء، بعدما كانوا ملء السمع والبصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وما زلنا نتذكر إبداعات الشاعر إبراهيم ناجي (1898 ـ 1953)، صاحب قصيدة الأطلال الشهيرة، وأحد مؤسسي تيار الرومانسية في الأدب الحديث، أحمد زكي أبو شادي (1892 ـ 1955)، يوسف إدريس (1927 ـ 1991) وغيرهم، وهؤلاء نافسوا بإبداعاتهم متخصصي اللغة العربية، وجمعوا بين الأدب والطب معا.
يمثل سليمان عوض نموذجا للطبيب الأديب، الذي يعود تكوينه الأدبي إلى مرحلة الخمسينيات، التي شهدت مولده في العام (1955)، وبدأ في صباه وشبابه الغض مرحلة الكتابة المبكرة، التي عبرت عن موهبة حقيقية، شعرا وسردا، حيث تبدو قدرته على تجميع خيوط السرد، ومن ثم تضفيرها في بنية روائية تجمع ما بين البساطة والتشويق، وتتابع الأحداث، بدون انفلات سردي، وبعبارة أخرى، إنه يكتب بنضج فني عال، يأخذ بتلابيب القارئ، ليظل معه إلى النهاية، بل إن شخصيات السرد ذاتها، تعلق في النفس، وتظل في دائرة فكره. ولعل الملمح الأبرز في تجربة سليمان عوض الأدبية، أنه عندما نشر كتبه، لم ينشر تجاربه الأولى في الكتابة، التي تقترب عادة من الخواطر أو الأفكار المكررة، وإنما حرص على تقديم ذاته الإبداعية من خلال روايات وأشعار من واقع اللحظة المعيشة. وهذا ما أطالب به عادة أي أديب، لا يبدأ بنشر بداياته، وإنما عليه أن ينشر تجاربه الناضجة، ففكرة أن ينشر الأديب كل ما كتب هي أمر صعب، فالتجارب الأولى فيها ما فيها من حماسة وطزاجة وأيضا سلبيات وعثرات.
وفي روايته الثانية «أمنية» نصادف أربع شخصيات رئيسة في المتن السردي، مع تعدد دور كل شخصية في الأحداث، واختلاف رؤاها وأفكارها.
عندما نقرأ رواية «حلم عفت الصياد» ( دار سندباد للنشر، 2018)، لسليمان عوض، فإننا نجد تعانقا في المشاعر والأحلام بين «عفت الصياد» المحامية، مع ربيب طفولتها، وأيضا الحب الأول له ولها، وهو «الدكتور سعيد» طبيب جراحة المخ والأعصاب العائد من أمريكا بعد اغتراب لما يقارب الخمسة والعشرين عاما، باحثا في قريته، عن بيته وأرضه، عقب وفاة والده وأسرته كلها في حادث غامض، ليتفاجأ أن عمدة القرية احتال لشراء بيته وأرضه بعقود مزورة، فيلوذ بابنة قريته «عفت»، التي أصبحت محامية شهيرة في القاهرة، ومن ثم يدخل في مواجهة مع العمدة لاستعادة البيت والأرض، فتكون المواجهة بين ثنائية، الخير والشر، والحب والافتراق، ويتعاون «سعيد وعفت» طيلة المتن السردي، ليحققا معا أحلام العمر الذي سرقته سنوات العمل والغربة منهما، حتى تنجلي الحقيقة، ثم يعمل سعيد على مساعدة أهل قريته بإحداث تغييرات عديدة في حياتهم، بمساعدة الشباب، وهل سينجح سعيد في التخلص من إلحاح حسن الذي يدعوه للانضمام للجماعة. في الرواية تقاطعات عديدة حول تيار الإسلام السياسي، والتطرف الديني، كما نجد إشارات عديدة حول واقع الفساد المالي والإداري في الوطن، وأيضا تعانق السلطة مع الثروة. وتنتهي الرواية نهاية سعيدة، بعثور سعيد على شقيقته، التي عاشت باسم مستعار مع «عفت»، خوفا عليها من مؤامرات العمدة ورجاله، ليقرر «سعيد» في النهاية الاستقرار في مصر والزواج من محبوبته.
جاء بناء الرواية زمنيا من خلال الفصول المتتابعة المرقمة، ولكن الملمح الأبرز، أن الروائي صاغ روايته من زمن متأخر نسبيا على انتهاء الأحداث، أي من زمن كهولة الشخصيات، وتقدمها في العمر، بدون أن يعرج إلى الطرق التقليدية، والمتمثلة بالبدء بالطفولة ثم الرحيل إلى الغربة، وإنما تكون الزمن السردي خلال عام تقريبا، وعرفنا من ثناياه الحب الأول، ومآلات الأسرة.
وإن لامست الرواية أجواء رومانسية تقليدية، تبدت في النهاية السعيدة، وفي الانتصار التقليدي للخير على الشر، مع وجود عبارات أسلوبية مباشرة في خطابها وتقريريتها.
وفي روايته الثانية «أمنية» نصادف أربع شخصيات رئيسة في المتن السردي، مع تعدد دور كل شخصية في الأحداث، واختلاف رؤاها وأفكارها. فالبطلة «أمنية» جميلة، راقية، رقيقة، مثقفة وفاعلة في المحيط حولها، من خلال تقديم طرحها الدائم لوجهات نظر وآراء سديدة، في مختلف القضايا الملحة. وقد شكلت حلما أنثويا للشخصية الثانية الطبيب سامي.
كما نجد شخصية الممرضة «سامية»، بحنانها، وابتسامتها الساحرة، وتأثيرها النفسي الكبير، وقد انسجمت مع الطبيب عبدالخالق»، الذي هو نموذج للطبيب الراقي والنبــــيل، كما يبدو في تفهـــمه وتعاونه معها في غرفة العمليات بدون أن يتكلما، لذا اختارها زوجة له، والشخصية الرابعة هي الطبيب «سلام»، نائب الجراحـــة، الموصــوف بأنه هادئ الطباع، دمث الأخلاق، لا ينادي الصغير والكبير إلا بحضرتك وسيادتك.
ومن ثم تغوص بنا هذه الروايات في عالم الأطباء بكل ما فيه من علاقات ونوازع إنسانية.
لا شك في أن تجربة سليمان عوض اختطت لنفسها تميزا مبدئيا من واقع الخبرات المختلفة التي يحملها صاحبها، وندعوه إلى الاطلاع على تيارات السرد العربي المعاصر، بكل جمالياتها وأبنيته الفنية الفريدة، خاصة أنه امتلك الأدوات بشكل كبير على صعيد الخيوط القصصية، وحركة الشخصيات، وجذب القارئ، وثراء الأسلوب، ويحتاج إلى تكوين تراكم إبداعي، أكثر عمقا، وأعظم اكتمالا، مبتعدا عن الصياغات الأسلوبية التقليدية، وهكذا هو الأدب، لابد أن تتعدد روافده، لتتنوع مصباته.
٭ كاتب وأكاديمي مصري