«العائلة النّحويّة» قرابةٌ بلا دم

من حسنات العرفانيين علينا في شأن الاستعارة، أنّهم حرّروها من وهْم الألفاظ والحلي، فباتت الاستعارة عندهم جزءاً من بنية التفكير، وغدا كلامنا بما فيه الكلام العادي استعاريا بطبعه. هذا الإقرار بفضل العرفانيين اليوم ليس من باب المدح، وإنّما من باب الاعتراف بقيمة الآخر، وقد انعكس هذا التصور على الممارسة اللّغويّة اللّسانيّة في الدّرس اللّسانيّ العربيّ الحديث، حتى أننا أصبحنا نرى استثمار الاستعارة التّصوريّة سارياً عندنا، وفي كثير من البحوث، لاسيما في تطبيقها على كثير من الظواهر اللّغويّة ضمن البحث اللّغويّ القديم، بلاغةً ونحواً وأدباً شعراً كان أو نثراً.
يقول لنا العرفانيون، نسبة إلى اللسانيات العرفانيّة، إنّ الاستعارة مجالها الذهن، وأنّها في بنية تفكيرنا، وأنّنا حينما نتكلّم فنحن في الأصل نستعيرُ مجالاً ما لنعبّر به عن مجالٍ آخرَ، كأنْ نستعير مجال المال لنعبّر عن الزمن تحت استعارة كبرى «الزمنُ مالٌ»، ولهذا نقول في كثير من المواضع «وقتي من ذهب»، «لا تهدر لي وقتي». وهي كلّها استعارات تُمَفْهِمُ الوقت باعتباره مالاً. وإذا ما أردنا تفكيك هذا بمنطق العرفانيين، فإنّنا سنجد أنَّ الوقت هو المجال الهدف، وأنّ المال هو المجال المصدر، حيث يقوم المتكلّم بضرْب من الإسقاط الاستعاري بين مجالين ليحقّق التناسب، وهو تناسب محكومٌ بترسيمات في الذهن تكوّنت عبر تجربة الإنسان في التّاريخ. هذا العرض البرقي لتصورات إخوتنا في الإنسانية وفي اللّسانيات على وجه الخصوص مهمٌ باعتباره يضع القارئ في إطاره، فنحن سنعاينُ عبارةً لغويةً ونفكّكها بمنطق هؤلاء، أي تفكيكاً استعارياً تصورياً يقفُ عند الخلفيّات والأنساق المسيّرة لذهن قائلها. هذه العبارة هي «العائلة النّحويّة».
في البدء كثيراً ما نمرّ على عبارة «العائلة النّحويّة» ونحن نُقلّب أمهات كتب النّحو والبلاغة، وقد نمرّ عليها مرور الكرام، بدون أن نتساءل عن حقيقة صياغتها، وأقصى ما يُمكن أنْ نفعله أنّنا نُدرجها في باب المجاز ونمضي. في حين تمثّل هذه العبارة المركّبة فضاءً لغوياً يُخفي وراءه عوالم ذهنيّة وأنساقاً تصوريّة تكشف عن حقيقة اللّغة في علاقتها بالإنسان والوجود.

تخضع قرابة النّحو إلى هندسة قرابة الدم في حياتنا الحقيقيّة، فنجد مجموعة من الأخوة تنضوي تحت مقولة الاسم، وأخرى في باب الفعل، وللحرف قرابته الخاصة، وهذا ما يُعبّر عنه بالنسب الأخصّ، فنحن نتعايش بهذا المنطق في واقعنا اليومي.

تعتبر«العائلة النّحوية» في هذا المقال استعارة تصوريّة، صِيغت في سياق التّعليل النّحوي وبناء هيكلته العامة، وقد استعملها النّحاة آليةً كبرى من آليات تنظيم أبواب النّحو ومسائله، وهي تأتي في إطار التّعبير عن معطيات لغويّة تتقارب في الإعراب وفي أدائها للمعنى، فنسمع توصيفات من قبيل «أخوات كان» و«أخوات إنّ»، أو هذا «باب أفعال المقاربة والشروع، هذا باب «أفعال القلوب والاعتقاد» وغيرها.
تخضع قرابة النّحو هذه إلى هندسة قرابة الدم في حياتنا الحقيقيّة، فنجد مجموعة من الأخوة تنضوي تحت مقولة الاسم، وأخرى في باب الفعل، وللحرف قرابته الخاصة، وهذا ما يُعبّر عنه بالنسب الأخصّ، فنحن نتعايش بهذا المنطق في واقعنا اليومي، فليس ابن العمّ المباشر كالذي يحمل اللقب نفسه في العائلة الموسّعة، وليس الأخ من رضاعة كالأخ الشقيق، ولهذا تسمع أشياءً من قبيل «الحروف المشبّهة بالفعل»، أي يشبهه في كثير من التفاصيل، وهذا الفضاء الحقيقي يقع إسقاطه على فضاء النّحو، حيث نعيش في النحو وفق القرابة الأصليّة غير أنّها بلا دم.
إنَّ عبارة العائلة النّحويّة استعارة تصوريّة يقوم فيها المتكلّم بإسقاط مجال تصوري قائم على رابطة الدم، وهو مجال العلاقات العائلية وعلاقات القرابة في واقعنا المعيشي، على مجال النّحو الذي يخضع إلى هذه البنية نفسها. وهذا الإسقاط التصوريّ فاعلٌ في تقريب الصور، باعتبارنا نستسيغ مباشرة قواعد الإعراب وتوزيع المسائل، فالمشابهة في مفهومها العام تبسّط المسألة وتجعلها في متناول القارئ، وهذا في اعتقادنا مهمٌّ في استراتيجيات الإفْهام، حيث أنّ تبليغ المقصد من خلال ما نعيشه يكون ناجعاً في أغلب الأحيان.
ولا تعجبْ إنْ قلت لك إنَّ عائلة النّحو هذه قدْ تجدُ فيها ما لم تكنْ تتوقّع، وقد تُبهرك بهندستها، وفي رحابها تنشأ فلسفات التمكين حيناً والإقصاء حينا آخر، ففي أبجديات عيشها تجد الممارسة القبلية تحكم كيانها، فتقصي عنصراً وتتعصّب للآخر تحت فلسفة النسب، فنعثر في رحابها على أنّ هذا الاسم متمكّن وآخر غير متمكّن، ونتحسّس في عمق تفكيرها وعيشها أنّ الاسم الأعجمي دخيلٌ على جيناتها الوراثية، وليس هذا فقط، فقد تُمارس عائلة النّحو الإقصاء حتى على بني جلدتها حيث تنحاز للذكر على حساب الأنثى، فتقصي المؤنّث في كثير من المواضع وتحرمه العيش بكل حرية تحت جناح العائلة النّحويّة. وإنْ أنت عرجت إلى أبواب البلاغة ستجد سيادةً تماثل سيادة الأب على عائلته، حيث تجـــــدهم يعلنون أنّ الخبر أصلُ الكلام وأشرفه، وأنّ الإنشاء قائم عليه، وهذا يخضع إلى هندسة الأصل والفرع، وهي هندسة تجد لها في منطــــق العائـلة الحقيقـــيّة حضوراً لافتاً، فتلتقط آذاننا عــــبارات من قبيل تتناسل العائلات اللّغويّة، وهذا التّصنيف العائلي موجود في المــــدارس اللّســــانيّة اليوم ضمن ما يُعـــرف بالتداولــــية، فنجـــد الحكميات والممارسيات والأوامر والخــــبريات، تُصنّف تحـــت منطــــق المشابـــهة في كلّ صــنف، وهذا ما يُعرف بالشبه العائلي عند «فيتغنشتاين».
قد تكون عائلة النّحو هذه سليلة العائلة الحقيقيّة ولكن لا أظنّ أنّ منطق القرابة في فلسفتها إتيقي ومحكوم بتصورات دينيّة وأخلاقيّة، وإنّما هو من باب الخوف على الإعراب وقضايا تقعيد اللّغة، ورغم ذلك فاللّغة تخاف على نفسها وتحارب من أجل بقائها أكثر من خوف الإنسان على ضياع نسبه، فهل تكون اللّغة أكثر انسجاماً وانتماءً من بني الإنسان الذي يخجل أن ينتمي؟ في انتظار أنْ تجيب، يحقّ لي أن أقلب الأدوار وأقول: العائلة الإنسانيّة قرابةٌ بلا دم.

٭ باحث تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية