«العائلة» في خدمة النخبة الحاكمة والإمبراطوريّة معاً: عن نفوذ الأصوليّة الدينيّة وزيف الدّيمقراطيّة الأمريكيّة

حجم الخط
1

لم يعد من قبيل اللغو حقيقة أن السّلطة في الأنظمة السياسية البشريّة، منذ حكم الفراعنة وإلى وقتنا الراهن، توظّف عقائد دينية كجزء من عدّة الهيمنة على الجماهير. وليس سراً في أجواء واشنطن دي سي، عاصمة الإمبراطوريّة الأمريكيّة التي تحكم العالم، بأن اليمين المسيحيّ الإنجيليّ يمتلك نفوذاً يصل إلى أعلى مستويات صنع القرار في النظام الأمريكيّ، وأن من المتعاطفين معه رؤساء ووزراء وسيناتورات، إضافة إلى عدد من كبار الإعلاميين والرأسماليين ودهاقنة البنوك. لكن وثائقي «العائلة» الذي أنجزه الصحافي الأمريكي جيف شارليت والمخرج جيسي موس في خمس حلقات -باشرت منصة نيتفليكس عرضه قبل أيّام– يضع تلك الحقيقة رسماً بصريّاً أخاذاً على صيغة دراما وثائقيّة يسهل استيعابها من قبل جمهور أوسع بكثير من جمهور الكتاب الذي يحمل الاسم نفسه ونشر عام 2009 –وذلك طبعاً سحر الوثائقيّات الجديدة– متسبباً في صدمةٍ ونقاشات كثيرة بين الأمريكيين العاديين وغيرهم من غير المطلعين على دقائق دوائر النفوذ الذي يهيمن على السّلطة والثروة في الولايات المتحدّة.

نظريّة مؤامرة لا بدّ منها

ولعلّه من أكثر ما لفت الجمهور أن ما يسمى اليمين المسيحي الإنجيلي المتطرّف من الأعمدة التي يدين لها الرئيس دونالد ترامب في صعوده إلى قمّة هرم النظام الأمريكيّ الحاكم، رغم أنه ليس متديناً، وسلوكه لا يتوافق بأي شكل مع مبادئ الدّين المسيحي التقليدي. ويجيب الوثائقي على هذا التناقض بالكشف عن حقيقة ذلك التنظيم الأصوليّ المتواري عن الأنظار الذي يشار إليه بـ «العائلة» ويجمع بين جبروت الرأسمال الخاص والشكليّات الدينيّة المقتطعة من سياقها في التراث المسيحي–اليهودي، المنحاز حصراً إلى جانب ذوي السُّلطة والنّفوذ، فيراهم مختارين من الله لقيادة العالم، مهما كان سلوكهم الشخصيّ مريباً أو متخماً بالرذائل. عند «العائلة»، دونالد ترامب هو رجل الله الذي اختاره لحكم العالم، ولا بدّ من التحالف معه ودعمه.
بالطبع، فإن تنظيماً مثل هذا خطر مباشر وصريح على أسس النّظام الديمقراطيّ الأمريكيّ، وإدماج للدّين بالدّولة مجدداً رغم العلمانيّة النظريّة التي يستند إليها ذلك النّظام، ويبني شبكات نفوذ عابرة للأحزاب والانتخابات والمؤسسات الدستوريّة للدولة الأمريكيّة، ويحصر مواقع الفاعليّة بيد طائفة محددة ذات قناعات إلغائيّة تجاه الآخرين.
قدرة هذا المنتج البصري الشاهق على تقديم التفسيرات المقنعة، لمسألة شديدة التناقض، مثل تحالف ترامب والأصوليّة الرجعيّة اليمينية، وغيرها من العلاقات والأحداث التي تبدو غير مفهومة من بعيد، مما يمنحه مصداقيّة استثنائيّة، رغم أن البعض قد يصنفوه –دون كثير تدقيق– في خانة نظريّات المؤامرة. وليس هناك من شك في أن «العائلة» قد نجح إلى حد بعيد في جمع قطع كثيرة من ألغاز متفاوتة وغامضة لينسج منها نظريّة متكاملة تُزيل القشور وغطاء الرأس عن جزء مهم مما يجري في فضاءات العالم حولنا.

لنصلّ معاً، ولنحكم العالم

يبدأ الوثائقيّ بحدود عام 2000 عندما كان جيف شارليت صحفياً شاباً مهتماً بالكتابة عن علاقة السياسة بالدين. وقد طلبت إليه أسرة أحد رفاقه المتفوقين التوسط معه ومحاولة فهم المجموعة الدينيّة الغامضة التي التحق بها بعد أن ترك كل شيء وراءه دون إنذار. وهكذا، فقد دعاه رفيقه للالتحاق به والإقامة في مقر للتنظيم لبعض الوقت، والاطلاع على أمر المجموعة عن كثب. هناك وجد شارليت مجموعة من الشباب اليافعين المنحدرين من أسر مترفة يعيشون معاً في أخويّة دينية، ويقضون جلّ نهاراتهم في التريّض وقراءة النّصوص المقدسّة والصلاة، وتتركز أيديولوجيتهم حول كتيّب بسيط يحمل اسم شخص السيّد المسيح قافزاً على كل شيء آخر بما خص التفاصيل الدّينية المختلفة التي يحملها الدّين المسيحيّ. تلك المجموعة كانت ترى نفسها أنها في مهد لتجهيزها وتدريبها على حكم العالم.
وحسب الوثائقيّ، فإن مقرّ الأخوية لم يكن نوعاً من معتزل زاهد متواضع، بل مبنى بالغ الثراء يرتاده على شكل منتظم شخصيّات معروفة، سواء على ساحة السياسة الأمريكيّة، أو من زعماء العالم، وكبار الشخصيات.
يكشف شارليت على أن التنظيم نشأ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي بعد حفل إفطار سريّ جمع بين 19 من كبار أصحاب الأموال لإيجاد صيغة بهدف توحيد النخبة في مواجهة المدّ اليساري الذي كان يهدد من خلال إضرابات اتحادات العمال الغاضبين نتيجة الأوضاع الاقتصادية المزرية التي أنهكتهم بعد فترة الكساد الكبير. ويبدو أن تلك المجموعة التي قادها مهاجر نرويجيّ يدعى أبراهام فيرايدي اختارت أن تكون كياناً متوارياً، يمارس النفوذ من وراء الكواليس وفي غرف مغلقة، واعتنقت أفكار مؤسسها حول التضامن بين أصدقاء حلقات الصلاة لدعم قلّة من مختارين لحكم العالم والالتحاق بهم، وأن دعوة السيّد المسيح ليست للفقراء والمستضعفين في الأرض كما يعتقد العامّة، بل هي حصراً للنخب المسيطرة مهما كانوا هؤلاء منحرفين أخلاقياً وحتى دينياً.
يبدو أن «العائلة» قد نجحت عبر السّنوات في ضم عدد غير محدد من (الأصدقاء) ينتمون إلى كافة أطياف اللّون السياسي الأمريكي جمهوريين وديمقراطيين ومستقلين، لا سيّما بعد أن تحوّل إفطار الصلاة القوميّ الذي ينظّم سنوياً منذ أيّام الرئيس إيزنهاور عام 1953 –علماً أنه لم يكن عضواً في الأخويّة، لكنه اقتنع بأهميّة التّنظيم لخدمة المجهود الحربيّ في الحرب الباردة- وحتى اليوم إلى تظاهرة لم يغب عنها رئيس أمريكيّ واحد، وتتوافد للمشاركة فيها أعداد هائلة من النّخب، إضافة إلى عديد أصدقاء أمريكا عبر العالم، بما فيها العالم العربيّ. وهناك تمثيل للتنظيم رديف لـ»العائلة» يجمع بين قيادات سياسيّة وماليّة مهمة في الشرق الأوسط بين بيروت وعمان و(تل أبيب) ونيقوسيا.

الدّبلوماسية الخفيّة: سفراء متجولون للنخبة

ويكشف شارليت عن دور دبلوماسيّة خفيّة يلعبها التنظيم تسمح للنخبة الحاكمة في الولايات المتحدة بالتعامل عبر العالم مع أنظمة ديكتاتوريّة وقيادات فاسدة ومنظمات متطرّفة مشبوهة –لا يشترط أن تكون مسيحيّة بالطبع- لتحقيق غايات الإمبراطورية دون الحاجة إلى مرور بمؤسسات الدّولة الرسميّة. ويتحدث للوثائقيّ جيمي كارتر، الرّئيس الأمريكيّ السّابق، الذي يصف دوراً هاماً لـ»العائلة» بتحقيق اختراق نوعيّ في العلاقات بين مصر وإسرائيل، وتالياً توقيع اتفاقيّة كامب ديفيد. وهناك أيضاً رواية عن زيارة سريّة قام بها عضوان من التنظيم للعقيد الراحل معمر القذافي في ليبيا نجحا خلالها بإقناعه بحسن النّوايا الأمريكيّة على نحو سمح بكسر الجليد بين الطّرفين، ومن ثم السّماح بالتحقيق مع موظفين ليبيين بشأن حادثة لوكربي، والتّخلي عن خطط امتلاك سلاح نووي. إضافة إلى ادعاءات بتأثير ملموس في مسائل تتعلق بالإجهاض والمثليين لدول كثيرة، منها رومانيا وأوغندا وغيرها. وهناك أيضاً تفسير مقنع للغاية لطبيعة اللقاءات المزعومة بين مبعوثين روسيين وسياسيين أمريكيين من فريق الرئيس ترامب، إذ تبين أن هؤلاء كانوا يفدون إلى الولايات المتحدة بدعوات رسميّة من أعضاء –واجهات– بالكونغرس الأمريكي لحضور إفطار الصلاة القومي السنويّ الذي تنظمه «العائلة»، واقتناص الفرصة لعقد لقاءات غير رسميّة مع نخب أمريكيّة ومن مختلف دول العالم على هامش الإفطار.

عربياً: «العائلة» مرّت من بغداد

من وجهة نظر عربيّة، فإن «العائلة» لا يضيء فقط على بنية جزء مهم من منظمة القوّة والنفوذ داخل النظام الأمريكيّ، بل ويكشف على أن نخباً عربيّة كثيرة في أعلى دوائر السلطة والمال منخرطة بقدها وقضيضها في تحالف موضوعيّ وفعليّ مع مجموعة متطرّفة موهومة عابرة لكل أشكال السيادة الكلاسيكيّة وأنظمة الحكم الظّاهرة. ولعل الأخطر من ذلك كلّه أن تلك المجموعة التي تمتلك مفاتيح التأثير في الدّولة الأقوى عسكرياً تستمد أفكارها المجتزأة من نصوص عبرانيّة قديمة تدفع باتجاه تحقق رؤى توراتيّة بشأن حكم العالم، وحتميّة المعركة النهائيّة الفاصلة -الهارمجدون- بين الأخيار والأشرار، كما مركزيّة مفهوم دولة إسرائيل وتشييد هيكل سليمان كهدف أسمى. وقد شهدنا كيف أن تلك الرؤى ذاتها كانت ديدن مجموعة المحافظين الجدد التي سيطرت على الدّولة الأمريكيّة خلال فترة حكم الرئيسين بوش الأب والابن، وتسببت في دمار العراق وملايين الضحايا ودشنت مرحلة سوداء في تاريخ الشرق الأوسط.

 إعلاميّة وكاتبة لبنانيّة بريطانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية