لا أحسب أن «الثقافي» ظلّ حُراً في صياغة أسئلته، وفي صناعة منابره، فعلاقته الملتبسة بـ»السياسي» و»الأمني» جعلته أكثر هشاشة، وفرضت عليه قيودا لامرئية وغامضة، تبدت من خلال ضعف الوظيفة النقدية في التعاطي مع أزمات الصراع التي فرضت رهابها الكوني، وأطلقت العنان «لقوى الرأسمال» لأن تُعبّر عن وجودها من خلال إعادة تدوير مفاهيم السيطرة والهيمنة، وعبر أشكال اختلط فيها الأيديولوجي بالسياسي والأمني والعسكري والاقتصادي.
إعادة إنتاج صورة الثقافي العالقة بحادثة الضابط «درايفوس» واحتشاد عدد من المثقفين الفرنسيين للدفاع عنه ستُثير السخرية، والمرارة، فلا أظن أن أحدا سيدافع عن اتهام العالم بالخيانة، ولا عن تحوّل مجتمع المعلومات إلى مجتمع مقاولات، كما سمّاها إحسان الباهي، ولا عن أزمة الإنسان ما بعد «النووي» وربما سيتعرّض مثقفو الرفض إلى الاعتقال والنفي/ لأنهم سيُتَهمون بالخروج على النظام العام ومصالح الأمة، وعلى سلطة المقدّس الرأسمالي. «الغرب السياسي» و»الغرب الرأسمالي» وربما «الشرق الجديد» يصنعون لنا الآن نوعا من الحافات الملتهبة، على مستوى التهديد بحروب المختبرات والأسلحة النووية، أو على مستوى التغول في أزمات الإفراط في الترويج لسرديات العنف، وثقافوية العرّابين الجدد، فضلا عن الذهاب المتعسّف إلى استهلاك غير منضبط للطاقة، وتناسي تأثيراتها المرعبة على المناخ وعلى البيئة، رغم انعكاساتها الخطيرة على الصحة العامة، وعلى برامج التنمية والرفاهيات الاجتماعية والاقتصادية، وعلاقة ذلك بتغوّل مظاهر التضخم والهجرة واللجوء وتعقيد أنماط المعيش، وربما سيقود إلى صناعات أشد تطرفا في مواجهة الآخر الأيديولوجي والديني، وصولا إلى إنتاج كراهيات عرقية وعنصرية تتبدى فيها شعارات كراهية المهاجرين والملونين وغيرها. التوصيف الاستهلاكي للاقتصاد العالمي لم يعد شعارا ثقافيا للحداثة، والإشباع، فنمطيته جعلته يتجه إلى مستويات مفرطة في العنف الاستهلاكي، بما فيه عنف «اللغة» عبر الإعلان والميديا، وعنف «التسلّح» عبر البحث عن «الجغرافيا الساخنة» فضلا عن العنف في السيطرة على الموارد الطبيعية، وعلى مستوى احتكار واستهلاك الطاقة والغذاء، الذي وصل إلى مستويات فارقة، فضلا عن التغوّل في مجال «الاستهلاك العسكري» إذ تضخمت اقتصادات الحروب، وصناعة الأسلحة جعلت العالم مكشوفا، وأسواق السلاح تحولت إلى مجالات صاخبة، وصالحة للتصريف والتسويق السريعين، وصولا إلى «سلعنة» العلاقات الدولية وإخضاعها إلى مقايسة مرعبة تقوم على المعاقبة والمراقبة والدبلوماسية الضيقة والإيهام الثقافي بعداوة الآخر..
ما يجري في الحرب الروسية الأوكرانية جعل العالم أكثر رعبا، ليس لطبيعة هذه الحرب الغرائبية، ولتفاقم أخطارها الإنسانية والأمنية، بل لأنها كشفت عن العيوب التداولية لمفهوم «الاستهلاك» إذ جعلت العالم مهددا بالفقر الوجودي، وبالرثاثة «الحضارية» فقيم الحداثة أضحت مُهدَدة، وقيم المستقبل خضعت هي الأخرى إلى نوع من الأدلجة الاستهلاكية، ومجتمع المعرفة صار الأقرب إلى مجتمع العسكرة، وصولا إلى التلويح بـ»العنف النووي» الذي سيكون مدخلا للحديث عن نهايات فانتازية، سبق أن تحدّث عنها سرديو الخيال العلمي، وها هي اليوم تتبدّى وكأنها جزء من يوميات المشهد، ومن لعبة السياسة والأمن وهي تتضخّم وتُهدد بما يشبه الفناء و»الحرب الساخنة» التي لا تنفع معها أطروحات كيسنجر وبريجنسكي وفوكوياما وهينتغتون وغيرهم، وحتى الحديث عن «نهاية التاريخ» سيكون خاضعا بعد هذا التغوّل الاستهلاكي العنفي إلى معايرة ضدية، ترفض السياق المؤطّر الذي اقترحه فوكوياما بربط نهاية التاريخ بنهاية الأيديولوجيا، لتبدو تلك النهاية محكومة بشهوة استخدام الصواريخ النووية، وبقدرة السيطرة على الجغرافيا والممرات المائية، وعلى أسواق الطاقة وحقول القمح..
العالم وخذلان العقل الثقافي
الحديث عن براءة الطبيعة، وعن طمأنينة «العولمة» وإيهامات «الذكاء الصناعي» سيكون مدعاة لمواجهة الواقع ومفارقاته، والبحث عن بيئة سياسية تتقبل النقد والمراجعة، وعن بيئة اقتصادية تسعى إلى معالجة أزمات التضخم، والتهديد بالركود، وكذلك عن بيئة ثقافية تُعيدنا إلى أسئلة «ثورة الطلاب الفرنسيين» عام 1968، التي عبّرت عن احتجاجها على مركزيات السلطة والعقل والبنية، والتي عدّها البعض أخطر الثورات الثقافية التي هددت «العقل الغربي» المركزي، فضلا عن الحديث عن بيئة «أيكولوجية» تملك القدرة على مواجهة أزمات التلوث، والعوز، وتداعيات الآثار الكارثية التي قد يتعرّض لها كوكب الأرض، فالحديث عن هذه الحرب الملعونة، سيجعل العالم مفجوعا، باقتصاداته الملعونة، مثلما سيجعل النظر إلى المستقبل غائما ومحفوفا بخطر سيميائي، ووجودي، فالأرقام تجاوزت المألوف والطبيعي، ومفاهيم التقدّم والحداثة تحولت إلى نوع من الكوميديا السوداء، وربما أكدت الحقيقة المُغيَبة عن عيوب الرأسمال الغربي، وعن عيوب أيديولوجيا الرفاهية والاستهلاك، حتى بات البعض من أصحاب النظرة التشاؤمية يقولون: إن حرب أوكرانيا ستكون آخر حرب يخوضها العالم الغربي. وهو قولٌ له حمولته المُستَفِزة، إذ تعني مفردة «آخر» نهاية افتراضية لأوروبا القديمة، ونهاية لمفهوم الغرب، مثلما يعني القبول بـ»انتصار روسيا» نهاية ضدية لحكاية فوكوياما عن «نهاية التاريخ» وتقويضا لغرور الغرب، وعودة إلى أيديولوجيا الثنائيات القطبية في الهيمنة والمركزية، وبهذا التحوّل سيفقد الاستهلاك بمعناه التسويقي جدواه، وقد يُحرّض بعض دول الغرب على إعادة النظر بجدوى وظائف الاقتصاد المركزي، بمعناه الحكومي، أو بمعناه الاحتكاري، أو بمعناه «الاشتراكي».
قال الفيلسوف سلافوي جيجك بأن « السلام ليس خياراً في الحرب الأوكرانية وأن إيقاف بوتين يحتاج إلى شيء واحد فقط هو القوة» وصولا إلى قيام إحدى الجامعات الإيطالية بمنع محاضرة عن الروائي الروسي دوستويفسكي.
خذلان «العقل الثقافي» يعني تمثيلا لخذلان أشدّ تعقيدا، وأكثر تعبيرا عن طبيعة ما بدت فيه مستويات الصراع، عبر الإفراط في صناعة العنف بأشكاله المتعددة، بما فيه العنف الثقافي والعنف الإعلامي، وعنف منصات التواصل الاجتماعي، وحتى العنف الذي سيدخله «الذكاء الصناعي» واصطناعه لمنصات وتطبيقات، سيكون جزءا من تغوّل الوظيفة الثقافية الدافعة إلى تغذية أوار الصراع، وربما الدفع ببعض الفلاسفة والمفكرين إلى الدخول في اللعبة وفي التمثيل الأيديولوجي الثقافي للذات القومية، أو الذات المؤسسية، كما يفعل اليوم الفيلسوف الكسندر دوغين، الذي ينظر إلى حرب روسيا مع الغرب بوصفها حربا قومية، أو مثلما قال الفيلسوف سلافوي جيجك بأن « السلام ليس خياراً في الحرب الأوكرانية وأن إيقاف بوتين يحتاج إلى شيء واحد فقط هو القوة» وصولا إلى قيام إحدى الجامعات الإيطالية بمنع محاضرة عن الروائي الروسي دوستويفسكي.
هذه المواقف الثقافية العنفية، وكوميدياها السوداء تجعل الحديث في الثقافي أكثر مرارة، لأن الثقافي سيبدو ظلاً للحديث عن المسكوت عنه في الاقتصادي والبيئي، وبذلك فإن الثقافي سيبدو هامشيا، وضيّقا، مقابل الحديث عن سعة لها مراكزها وبرامجها، التي تدفع إلى تغويل الحرب، وإلى الكشف عن تفاصيلها ومشكلاتها ووفرتها وخسائرها، فالحديث عن هذه الوفرة، يعني بالمقابل حديثا عن وجود خسائر استراتيجية في الطاقة والغذاء وفي السوق، لن تجدي معها صيانات العنف العسكري والأيديولوجي، فهذه الوفرة قد تؤمّن ـ كما تقول بعض الإحصائيات – ما يعادل ترليون دولار من السيطرة على الأسواق العامة وعلى تجار التجزئة، والتلف جرّاء النقل والخزن، و120 مليار دولار بسبب التحوّل إلى الطاقة الذكية، لكن ذلك لا يعادل شيئا في حرب مفتوحة حرقت أكثر من 2.3 تريلون دولار خلال سنة واحدة، حتى إن البعض قال: إن هذه الحرب ستقضي على المخزون العسكري الأوروبي، وأن الغرب سيحتاج إلى ميزانيات انقلابية لإعادة تسليح دوله، لاسيما وأن روسيا قد انسحبت أو طُردت من أغلب الاتفاقات الدولية التي تضبط السيطرة على الأسلحة الاستراتيجية، ومنها الأسلحة النووية، وبالتالي أفقدت أمريكا والغرب مجساتهما في التعرّف على ما يجري في نظام المخازن الروسية، وفي غرف الرئيس بوتين السرية..
هذا الإفراط التسليحي سيكون هو العنصر الفاعل، والمُهدد لنظام الاستهلاك والرفاهية، وربما سيدفع الغرب إلى البحث عن جغرافيات أخرى، في الشرق أو الجنوب، لكن ليس على طريقة «الاستعمار القديم» بل على أساس إعادة النظر إلى المتغيرات، ومراعاة المصالح المتبادلة والمتناظرة، لأن الشرق قد تنمّر هو الآخر، وصارت نسخه الصينية والهندية والكورية الشمالية أكثر تمردا، فهو لم يعد صالحا لرحلات السندباد القديم، ولا لشهريار يعاني من عقد الجنوسة والحميمية، وحتى الجنوب الكوني لم يعد جنوبا باردا، بل صار أكثر راديكالية وسخونة وتمردا على السيد سرفانتس، وعلى أحلام المكتشف الفاتح الكئيب كولومبوس، وعلى سياحة الأساطيل الأمريكية التي تجوب العالم تهويما بصناعة اطمئنانات مغشوشة وأعداء افتراضيين…
كاتب عراقي