تهاجم مجموعة من القوات الغربية حدود المنطقة الوسطى فتعثر على «جندي» ترك دورية الحراسة وشرد في طريق العودة. تقوم المجموعة المهاجمة بقيادة هتشرسون وأخيه ريتشموند ذي اليد المقطوعة بقتل العنصر التائه، وهو ما سيعتبر حدثا صغيرا ضمن معارك التوسع واختراق الحدود بين الغربيين وسكان المنطقة الوسطى. جرت هذه الواقعة في غابة نغوغو الأوغندية، التي تعتبر مقرا لمجموعات كبيرة من الشمبانزي، وقد عرضتها سلسلة وثائقية على موقع «نتفليكس» بعنوان «إمبراطورية التشيمب» The Chimp Empire.
يقارب عدد أفراد القبيلة المركزية من فصيلة الشمبانزي في غابة نغوغو، 120 فردا، يقودها الذكر المهيمن جاكسون مع حلفائه من عتاة المحاربين، الذي يحافظ على سيطرته السياسية، بطريقتين رئيسيتين: استعراض أشكال القوة والإرهاب والاستئثار بالطعام وتوزيعه على الحلفاء في عشيرته، من جهة، وجمع قوى المجموعة لخوض المعارك ضد الأعداء المهددين، من جهة أخرى.
تعتبر فصيلة الشمبانزي «أقرب أقاربنا الأحياء» وإضافة إلى اشتراكنا معها
بـ98% من جيناتنا، تظهر السلسلة الوثائقية عناصر أخرى مثيرة للتفكر: إنها ذكية للغاية، وعاطفية جدا، والواحد منها يمكن أن يعيش حتى 60 عاما، وكل فرد منها ذو شخصية وأهداف فريدة. مجتمعها متطور يمتلك شبكة معقدة من الروابط العائلية والاجتماعية، وعلى كل فرد منها أن يجد مكانه ضمن الجماعة، ويخضع المجتمع لتسلسل هرمي. نكتشف، خلال متابعة الحلقات، أن لكل «زعيم» طريقته في الحكم، ففي حين يحتفظ جاكسون، «ملك» المنطقة الوسطى، بالسلطة المطلقة، فإن هتشرسون يتزعم بطريقة أكثر ديمقراطية تتوزع فيها المهام بين الذكور والإناث. تدفع هذه العدوانية والسلطة المطلقة، بعض الطامحين في المنطقة الوسطى، مثل أبرامز، للارتقاء، وهو خطر يستشعره القائد ويعالجه بمحاولة عدم إظهار أي إشارة ضعف، ورغم أنه مضطر لإشراك أبرامز في المعارك، لكنه يضعه تحت المراقبة، ويعرّضه للازدراء أحيانا عبر استثنائه من مأكلة دسمة، حين تصيد المجموعة فردا من فصائل القردة الصغيرة، التي تعتبر «طعاما» لا أعداء، كما هو حال فصائل الشمبانزي الأخرى.
الإناث يشاركن في المعارك
حين يُظهر القائد رهبته نسمع زعيق الأمهات الخائفات على أطفالهن، وابتعاد الأفراد عن طريقه، أو تأهبه وقوفا، كما لو أنهم يوجهون تحية عسكرية له، فيما يقوم حليفه الأكبر بالتربيت على ظهره لإظهار الاحترام والسعي للتهدئة، ويمارس العملاقان بعدها أشكال التودّد عبر تنظيف كل واحد منهما شعر الآخر، وهو ما يعتبره علماء الرئيسيات، شكلا من المفاوضات مهمتها إنشاء العلاقات الاجتماعية والإقناع والاتفاق وإظهار الدرجات الاجتماعية، حيث يمكن أن يرد الذكر رفيع المقام، على شكل التودد هذا بالتجاهل، أو التقبل والمبادلة.
سنرى أحد العناصر، وهو يتيم وغريب، يحاول الدخول للجماعة بهذه الطريقة، كما سنرى أبرامز يعقد تحالفا مع أحد الذكور الأقوياء. سنتابع أيضا عالم الإناث، عبر كريستين وطفلتها الصغيرة، وسنرى كيف ستقوم الإناث، في المجموعة الغربية، الأقل عددا من الوسطى، بمشاركة الذكور في المعارك لتعديل الاختلال في ميزان القوّة بين القبيلتين، كما سنشهد، ترك إحدى الإناث الشابات للعشيرة والتحاقها بعشيرة منافسة، في طريقة، على ما يبدو، لتأكيد التواصل داخل الفصيل، وكذلك تحسين التنوّع الجيني كطريقة لحفظ النوع والبقاء. سنشهد في السلسلة القصة الملحمية لنهاية جاكسون، التي تتشارك فيها عناصر الهجوم الخارجي و»التآمر» الداخلي، لكنّ الأهم من ذلك أننا سنشهد ليس عناصر التشابه الكثيرة بين مجتمعات الشمبانزي والبشر، في مجالات السياسة والحرب والعنف، لكن أيضا عناصر تفوق، ربما، على البشر، في بعض الأحيان، كما نكتشف حين يطلب الذكر المهيمن من إحدى الإناث «الوصال» وأن ذلك رهن بموافقتها.
يمكن تقصّي تكتيكات الحرب والنزاع البشرية في تلك الجذور البعيدة، حيث يعتبر الشمبانزي من الفصائل الحيوانية القليلة التي تقوم بما يشبه حربا منظمة للحفاظ على الحدود، وهو يشبه إلى حد كبير الكثير من النزاعات الحدودية البشرية المستمرة.
على خطى العالم الإنكليزي الشهير، ديزموند موريس، صاحب «القرد العاري» في مسعاه لقراءة جذور السلوكيات البشرية ضمن سلوكيات فصائل الرئيسيات العليا من القرود، تابعت، بعد مشاهدتي لسلسلة «إمبراطورية الشيمب» وثائقيا يدعى «الطريق الطويل إلى الحرب» الذي يحكي عن جذور الحرب العالمية الأولى. تجاهلت، قاصدا، السردية المنحازة داخل ذلك الوثائقي كون المنتج هو وزارة الثقافة والمعلومات في جمهورية صربيا، وفتّشت عن الخطوط العريضة للتشابهات الغريبة بين «امبراطورية الشيمب» وامبراطوريات البشر التي تصارع قادتها وجيوشها خلال «الحرب العظمى» أيضا على الموارد والحدود والغنائم لكن بطريقة لم يشهدها كوكب الأرض ولا غابة نغوغو من قبل!
من غابة نغوغو إلى انهيار الإمبراطوريات
ورث البشر الصراع على الحدود، وخلال الحرب العالمية الأولى تحالفت «عشائرهم» الكبرى ضمن محورين، تقع في قلب الأول دول المركز مثل، النمسا ـ هنغاريا وألمانيا وإيطاليا (ثم خرجت الأخيرة وانضمت الإمبراطورية العثمانية) في وجه محور تمثّل دول الغرب الكبرى فرنسا وإنكلترا ثم أمريكا عناصره الرئيسية. شملت الحرب أكثر من 40 دولة، وشنّت عبر الأرض والجو والبحر، وبعد سبطانات البنادق والدبابات والمدافع (التي كانت في شكلها الأولي مجرد عصا يحملها ذكر الشمبانزي المهيمن لإرهاب الآخرين) انضمّ السلاح الكيميائي وغازات الكلور والخردل، ما أدى لمجازر رهيبة، فخسرت فرنسا، مثلا 26 ألف جندي في يوم واحد، وخلفت الحرب خلال أربع سنوات، بين تموز/يوليو 1914، وتشرين الثاني/نوفمبر 1918، 16 مليون قتيل و20 مليون جريح، كما أدت، في النهاية، لانهيار امبراطوريات «الشيمب» الحديثة، النمساوية ـ الهنغارية، والألمانية، والعثمانية، والروسية، وصعود أمريكا كقوة عالمية مهيمنة، وظهور النازية وصعود هتلر، وانتصار البلشفية وظهور ستالين، زارعة البذور للحرب العالمية الثانية، ثم للحرب الباردة وأزمات الشرق الأوسط والبلقان وغيرها.
تطوّر البشر بشكل هائل، لكن التسلسل الهرميّ ظل موجودا، وظلت التحالفات عاملا أساسيا في السياسات الداخلية والخارجية، وكما استخدم جاكسون الحرب ضد الخارج كوسيلة لتعضيد سلطته ضد الراغبين في إزاحته، ما زالت هذه الاستراتيجية رئيسية في السلوك السياسي البشري، وانتقلت أشكال التخويف البسيطة التي يستخدمها الذكر المهيمن، إلى أشكال من استبداد الفرد المطلق، على شاكلة هتلر وستالين وخط طويل ما زال مستمرا حتى اليوم، كما صار التخويف الفردي والأذى الذي يلحق ببعض الأفراد بسببه أشكالا من إرهاب الدول، والإبادات الجماعية، والمجازر المعممة.
يمكن تقصّي تكتيكات الحرب والنزاع البشرية في تلك الجذور البعيدة، حيث يعتبر الشمبانزي من الفصائل الحيوانية القليلة التي تقوم بما يشبه حربا منظمة للحفاظ على الحدود، وهو يشبه إلى حد كبير الكثير من النزاعات الحدودية البشرية المستمرة. يمكن أيضا ملاحظة التشابهات في أشكال التحالفات والروابط الاجتماعية التي تلعب دورا كبيرا في البقاء، وبالإشارة إلى ما حصل في الوثائقي من مشاركة الإناث، بمن فيهن الأمهات اللاتي يحملن أطفالا، في الحرب حين يكون التوازن العددي مختلا، فقد شهدت الحرب العظمى حلول النساء محل الرجال في المصانع، وكانت العاملات في قطاع الأسلحة في فرنسا، خلال الحرب تلك، يمثلن ربع القوى العاملة، وقد عملت النساء أيضا سائقات للحافلات، وشهدت قطاعات عديدة دخول النساء، ومن المثير للتأمل أنه بعد انتهاء الحرب عادت النساء إلى البيوت، واضطرت الفرنسيات والإيطاليات، مثلا، لانتظار نهاية الحرب العالمية الثانية للحصول على حق التصويت، الذي اكتسبته البريطانيات والألمانيات بعد الحرب الأولى.
أكبر ميّزات الجنس البشريّ طبعا هي امتلاكه نظام لغة متطور وقدرة على التفكير المجرد، ما يسمح له بابتكار استراتيجيات معقدة، ومعاهدات واتفاقيات، لكنّ القدرات الهائلة التي طوّرها الدماغ الإنساني وأدخلته حقب الحضارة العظيمة التي تتطوّر حاليا بشكل مذهل، جعلته في وضع هائل الخطورة، فهل يجب أن نعزو هذه الخطورة، التي تهدد بانقراض الجنس البشريّ، إلى تلك الجذور البعيدة والمناطق الحيوانية المظلمة في الدماغ البشري التي تعود إلى تلك الحقبة (حسب ما يقترحه كتاب «إشكالية التشيمب» للكاتب ستيف بيترز، أم أنها، بالأحرى، تعود إلى الفرادة التي بناها البشر وتميزوا بها عن مخلوقات العالم؟
كاتب من أسرة «القدس العربي»