العالم العربي وجائزة نوبل… مأساة تستحق كل الفروع

محمد فتيلينه
حجم الخط
2

منذ أن ودّع العالم العربي مستعمريه عند بوابات الاستقلال، لم يبدأ نهار الحرية الموعود، بل حلّ محلّه ليل آخر أكثر غموضا، وأشدّ وطأة. رحل المستعمِر بجسده، لكن روحه ظلّت عالقة في أروقة الإدارات، في وجوه البيروقراطيين، وفي وعي الزعماء الذين ورثوا عنه أدوات السيطرة ذاتها، واحتفظوا بجوهر الكولونيالية كما هو: إخضاع الإنسان واستغلال الأرض وإدامة التخلف بوصفه قدرا جغرافيا. لقد كانت الاستقلالات العربية، في جوهرها، إعادة تدوير للهيمنة، بل ربما إعادة إنتاج أكثر دهاء. فالمستعمَر القديم لبس بدلة المستعمِر، وتعلّم لغته، وحمل دفتر تعليماته، وراح يمارس على شعبه ما مارسه الغريب عليه بالأمس، ولكن هذه المرة باسم الوطنية والسيادة. وهكذا وجد المواطن العربي نفسه بين مطرقة السلطة الشمولية وسندان الحاجة، يبحث عن معنى الحرية بين الشعارات والخيبات.
في عالم كهذا، يبدو الحصول على جائزة نوبل، فعلا رمزيا لا يقلّ عبثا عن انتظار المطر في صحراء أُحرقت رمالها. ومع ذلك، لو كانت نوبل تُمنح للشعوب لا للأفراد، لو كانت تُقاس بكمّ المعاناة والصبر والقدرة على البقاء، لاستحقها العربي في كل فروعها: في الأدب، والطب، والكيمياء، والفيزياء، بل وفي الصبر أيضا.

في الأدب: أوديسة المأساة الكوميدية
يستحق العربي جائزة نوبل في الأدب، لأنه كتب، ولا يزال يكتب، أوديسة المأساة الكوميدية الكبرى في التاريخ الحديث. مأساة تبدأ من فقدان الحلم ولا تنتهي إلا بإعادة تدويره في قصيدة، أو رواية أو حكاية شفوية تروى في المقاهي.
الأدب العربي الحديث ليس مجرد حبرٍ على ورق، بل هو سجلّ جماعيّ لرحلة الخذلان، وصوتُ من نجا من الغرق في بحر التاريخ. من نجيب محفوظ الذي صوّر الطبقات المقهورة في زقاق المدق، إلى الطاهر وطار، الذي فضح مأزق الثورة التي أكلت أبناءها، إلى محمود درويش الذي جعل من الشعر وطنا بديلا، كلهم كتبوا سيرة الجرح العربي الممتد. لقد تحوّل الأدب إلى وسيلة للبقاء، وإلى نوعٍ من المقاومة الرمزية. فحين يعجز العربي عن تغيير واقعه، يكتبه. وحين يُحرم من الحرية، يخلقها في اللغة. فيصبح النصّ بديلا عن الوطن، والشخصيات الروائية مرايا لما لم يتحقق. إنها مأساة مضحكة مبكية، يختلط فيها الحنين بالسخرية، والبطولة بالهزيمة، والعشق بالمنفى. ومن هنا يستحق هذا العالم الممزق جائزة نوبل في الأدب، لأنه كتب نصّه بدمه لا بقلمه، ولأنه جعل من كل يومٍ رواية عن البقاء في وجه الفناء.

في الطب: شفاء الذات بالأمل
في الطب، العربي مريضٌ مزمنٌ منذ قرون، لكنه مريض يرفض الموت. أصيب بكل أمراض العصر: الاستبداد، الفقر، الأمية، الهجرة، القمع، فقدان الثقة، وضمور الأمل. ومع ذلك، لا يزال حيّا. لم يعرف التاريخ شعبا أكثر قدرة على التكيّف مع الألم. العربي لا يحتاج إلى طبيب، لأنّه صار الطبيب والمريض والعلاج في الوقت نفسه. يتداوى بالأمل، ويضمّد جراحه بالكلمات، ويقنع نفسه كل صباح أن الغد سيكون أفضل، ولو كذبا. من الأحياء الشعبية التي تتكدّس فيها الأرواح، إلى القرى التي تئنّ من الجفاف والبطالة، تلوح دائما تلك القدرة السحرية على الضحك وسط المأساة. ضحكة العربي ليست علامة رضا، بل آلية دفاعية ضد الانهيار. لذا فهو يستحق جائزة نوبل في الطب لأنه اكتشف علاجا غريبا لا يُباع في الصيدليات: علاجُ الصبر. لأنّ أجيالا كاملة نجت من الجنون فقط بفضل قدرتها على الحلم، ولأنّ المرض لم يستطع أن ينتصر على الرغبة في الحياة.

في الكيمياء: تركيبة اللامعقول
أما في الكيمياء، فالعربي يمثل تركيبةٌ لا يمكن تفسيرها بالمعادلات. إنه مزيج من نقيضين: خصب الأرض وجفاف الروح، عمق التاريخ وضياع الحاضر، الحلم بالنهضة والاستسلام للقدر. لقد ورث أرضا من أغنى بقاع العالم بالموارد، لكنه يعيش أفقر تجارب التنمية. يجلس فوق النفط والذهب والقمح، لكنه يلهث وراء رغيف خبز. هو كيمياء التناقض بعينها، كائن قادر على أن يجمع بين الصبر واليأس، بين الإيمان والانكسار، بين الحنين والغضب. لو أن ألفريد نوبل عاش في القرن الحادي والعشرين، ورأى ما صنعته الأيديولوجيات والنزاعات في هذه الجغرافيا، لمنح جائزة الكيمياء لهذه الصيغة البشرية الفريدة: صيغة الإنسان الذي يُسحق كل يوم لكنه لا يذوب، الذي يُحرَم من كل شيء ومع ذلك يحتفظ بكرامته. في تركيبة العربي شيء من السحر: مادة لا تنصاع لقوانين الطبيعة، بل تخلق قوانينها الخاصة. وفي قلبه معملٌ خفيّ، يمزج فيه الأمل بالحزن، والذاكرة بالحنين، ليصنع ما يُشبه الحياة في ظلّ موتٍ طويل.

في الفيزياء: الصمود أمام أصلب المعادن
في الفيزياء، يتجلى العربي كمعجزة صلبة. فالقوة عنده لا تُقاس بما يملك من سلاح، بل بما يتحمله من وجع. لقد جرّبت عليه القوى الكبرى كل أشكال الضغط: حروب، حصارات، نكبات، تجويع، تهجير. ومع ذلك، ظل واقفا، كما لو أن جذوره مغروسة في جوف الأرض. من الخرطوم التي تئن تحت الركام، إلى بغداد التي ما زالت تعزف موسيقاها على أنقاضها، ومن دمشق التي أُغرقت بالدم، إلى غزة التي تكتب قانون المقاومة الجديد: «لا شيء أقوى مِن مَن لا يملك ما يخسره». فيزيائيا، العربي تحدّى الجاذبية: كل القوى التي أرادت إسقاطه لم تفلح، بل إنّ سقوطه الدائم صار شكلا من أشكال الوقوف. إنه كالمعدن الذي يزداد صلابة كلما وُضع في النار. وهذا وحده يكفيه جائزة نوبل في الفيزياء: لأنه البرهان الحيّ على أنّ الإرادة البشرية قد تكون أصلب من الحديد، وأبقى من الحجر.

في السلام: حلم لم يكتمل
السلام في العالم العربي ليس اتفاقية، بل أمنية مؤجلة. سلامٌ يُوقَّع على الورق، لكن يُلغى على أرض الواقع بطلقة أو قصف، ومع ذلك، فإن الشعوب العربية، لا أنظمتها، لا تزال تؤمن بأن السلام ليس ضعفا، بل حكمة من يعرف أن الحرب الأبدية استنزاف للروح. كم من أمٍّ عربية فقدت أبناءها وظلت تزرع الورد على قبورهم بدل أن تزرع الكراهية في قلبها؟ وكم من مدينةٍ دُمّرت فعاودت البناء؟
لو كانت نوبل تُمنح للشعوب التي تُصرّ على البقاء رغم الدمار، لكانت غزة على رأس القائمة، لأنها تُعيد تعريف مفهوم السلام كل يوم، لا بوصفه استسلاما، بل كقوة روحية تجعلها تنهض من تحت الركام لتقول للعالم: «نحن هنا».

ورثة الخراب وأحفاد الأمل
يظل السؤال المؤلم قائما: لماذا لم يحصل العرب، رغم كل هذا التاريخ والمعاناة، إلا على عدد ضئيل من جوائز نوبل؟ الجواب معقّد، لكنه يبدأ من الداخل. فالإبداع لا يولد في السجون، والعلم لا يزدهر في مناخ الخوف. الأنظمة الشمولية التي حكمت العالم العربي بعد الاستقلال لم تترك مساحة للحرية الفردية ولا الفكر النقدي. كان المثقف يُكافأ إذا صمت، ويُعاقب إذا فكر. فكيف تنمو العبقرية في أرض تُعاقب العقل؟ المدارس تحوّلت إلى مؤسسات لتكرار الماضي، والجامعات إلى أبراجٍ بلا روح، والمخابر إلى أسوارٍ تراقب الأفكار، قبل أن تراقب النتائج. هكذا تمّ اغتيال الإبداع في مهده، واستُبدلت الأسئلة بالأوامر، والتجريب بالطاعة. إلا أن المدهش أن هذه الأنظمة، رغم فسادها، لم تستطع وأد الحلم. فهو لا يزال، حتى في أقصى حالات اليأس، يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون مختلفا، وأنّ الحرية ليست سرابا. وهذا الإيمان وحده جائزة روحية تفوق كل نوبل الأرضية.

رحلة البحث عن نوبل المستحيلة
إنّ العالم العربي، في صورته الحالية، يبدو كمن يسير حافيا على شظايا التاريخ. لكنه، رغم النزف، لا يتوقف. كل جيلٍ يخرج من بين الرماد، يحمل حلما صغيرا، وكأنّ الخلاص مسألة وقتٍ وصبر. ربما لم ننتج بعد عالما يكتشف دواء جديدا، أو فيزيائيا يغيّر القوانين، أو كاتبا يهزّ ضمير الغرب كما فعل ماركيز وكامو، لكننا ننتج، في صمت، نوعا آخر من الإبداع: القدرة على النجاة. ننجو من الحروب بالحب، ومن القهر بالشعر، ومن العزلة بالموسيقى، ومن الخيبة بالضحك. هذه هي جوائز نوبل الحقيقية التي لا تمنحها لجنة في ستوكهولم، بل تمنحها الحياة نفسها لمن يستحقها. لا يحتاج العالم العربي إلى نوبل ليُثبت وجوده، بل يحتاج إلى مصالحة مع ذاته. نوبل، مهما كانت عظمتها، لا تساوي شيئا أمام الشعوب التي تعلّمت أن تعيش رغم كل شيء. ربما سيأتي يوم تُمنح فيه جائزة نوبل لأحدهم من هذه الأرض الجريحة، لكن الأجدر أن تُمنح للجماعة لا للفرد، للتاريخ لا للكتاب، للذاكرة لا للنصّ. ففي النهاية، ما نفع الميداليات إن كانت الأرواح ما تزال أسيرة؟ وما نفع التصفيق إن كانت الشعوب لا تسمع صوتها؟
جائزة نوبل، في معناها الأعمق، هي احتفاء بالإنسان حين ينتصر على العدم. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ العربي قد نالها بالفعل، لا بورقة رسمية، بل بما قدّمه من دروسٍ في الصبر، والبقاء، والإصرار على الحلم وسط الخراب. إنه لم يفُز بنوبل واحدة، بل بأربعٍ دفعة واحدة: في الأدب، لأنه كتب أوديسة المأساة الكوميدية الكبرى. وفي الطب، لأنه عالج نفسه بالأمل. وفي الكيمياء، لأنه جمع في ذاته كل المتناقضات. وفي الفيزياء، لأنه صمد أمام أصلب المعادن.
أما الجائزة الخامسة، والأكثر استحقاقا، فهي جائزة الإنسانية، لأن العربي، رغم كل ما سُلب منه، لم يفقد وجهه الإنساني بعد.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية