لعب مذهب „الجبرية“، دوراً كبيراً في تاريخ الفكر والسياسة الإسلامية، سواء بشكله السلطوي البسيط، كما في الخلافة الأموية، أو بمنهجه الكلامي الأكثر تعقيداً، المنسوب للجهم بن صفوان، وهو، للمفارقة، أحد ضحايا تلك الخلافة. فما بدأ بوصفه نقاشاً عن تنزيه الذات الإلهية، بات مسائل سياسية حاسمة حول الإرادة والعدل، وكذلك السلطة. والطريف أنه ما يزال حتى اليوم محركاً للمخيّلة السياسية لكثير من الفاعلين في منطقتنا، ليس فقط من „الناس البسطاء“، وإنما أيضاً من „النخب“.
الفكرة الأساسية، التي يثيرها توحيد وتنزيه الجوهر الإلهي بشكل مطلق، هو مسؤوليتنا عن أفعالنا. هل لدينا إرادة مخالفة لإرادة الله؟ هذا شرك صريح. ولكن إذا قلنا إن كل أفعالنا هو إرادة إلهية، فستنتفي حينها ضرورة التكليف الشرعي، وعدالة الثواب والعقاب. لماذا يأمرنا وينهانا الله، إذا كانت كل أفعالنا مقدّرة من قبله؟ ولماذا يعذّبنا أو يكافئنا على أفعال نبعت من إرادته؟ سياسياً كان هذا سيعني أن السلطان لا يُحاسب على فعله، حتى لو ظلم وأجرم، فلو شاء الله لنزع عنه المُلك كما آتاه. وهي الفكرة التي حاول بنو أمية استغلالها حتى النهاية، لتبرير حكمهم وممارساته، إلا أن الجبريين لم يكونوا موالين للسلطة بالضرورة، فقد تمرّد الجهم بن صفوان على الأمويين من منطلق مشابه: الله ينزع الملك عمّن يشاء، ويستخدمنا لذلك، وبالتالي فلا يمكن إدانة التمرّد، حتى لو اعتبره البعض „فتنة“. في الحالتين، يبدو الأمر أعمق مما يبدو عليه للوهلة الأولى: لا تقوم الجبرية بتحويل البشر إلى مجرّد كائنات مُسيّرة، لا إرادة لها؛ بل تعفيهم، وتعفي فعلهم، من المسؤولية والمحاسبة، وتبيح لهم ما لا يمكن استساغته من أفعال. الإنسان، معدوم الإرادة، قد يكون في الوقت نفسه جبّاراً، ضارياً في استخدام القوة؛ ومبرّراً لتفوقه واستعلائه، بإرادة فوق إرادة البشر، ومفاهيمهم الدنيوية عن العدل. بالعودة لابن صفوان، فقد حاول التخفيف من العواقب العقائدية والأخلاقية لهذه الفكرة، بتأكيده على „الأفعال الباطنية“ للإنسان، والإيمان بوصفه „معرفة بالقلب“. الإنسان لا يُحاسب عن فعله، وإنما عن إيمانه، وكله بإرادة الله.
تفرّعت المذاهب الإسلامية بعدها كثيراً، أغلبيتها حاولت اتخاذ موقف وسط بين الجبرية، ونقيضها „القدرية“، بل يمكن القول إن الفكر الإسلامي برمته نشأ وتطور في تفاعل مع أسئلة هذين المذهبين. ولكن هذا لا يعني أن الأمر „تراثي“ لهذه الدرجة، فمسألة حرية الإرادة أساسية في التفكير الإنساني، من الفلسفة وحتى السياسة وعلم الأعصاب. وما زلنا نناقش مسألة الحرية والعدل بعلاقتها مع مفاهيم مثل „الطبيعة“ وقوانينها، و“الواقع الموضوعي“ وإكراهاته، و“الضرورة“ ووعينا بها. كما تسود في ثقافتنا السياسية مقولات تذمّ „الإرادوية“ في التعاطي السياسي مع الظروف والأحداث المختلفة. والغريب أن التفكير العربي في هذه المسائل غالباً ما يكون أقرب إلى علم الكلام الإسلامي، بصيغته البدائية، منه إلى الفلسفة والنظرية السياسية الحديثة، وكأننا بالفعل في العصر الأموي، ولم نصل حتى إلى ذروة علم الكلام في العصر العباسي.
يتبدّى ذلك أساساً في مواقف وخطابات، يمكن وصفها، ببعض التهكّم، بـ“الجهميّة“ (نسبة للجهم بن صفوان)، أولها مقولة „رد الفعل“ الشهيرة، فكل ممارسة، مهما كانت قمعية، أو حتى إجرامية وهمجية، يمكن تفسيرها بكونها ردة فعل، طبيعية وبديهية، على فعل وفاعل أولي، سواء كان الاستعمار، أو „الرجل الأبيض“، أو „الاستبداد“، أو „المظلومية“، ما يحرم القائمين على تلك „الردة“ من ولايتهم على أفعالهم، ويعفيهم من المسؤولة والمحاسبة؛ ويأخذ، في الوقت نفسه، نيتهم الباطنية، التي يفترض أنها بريئة ومشروعة، بعين الاعتبار. وثاني تلك المقولات ما يمكن تسميته „إرادة العالم“، الذي يُخطط بشكل محكم، فيخذلنا أو ينصرنا، ويؤتي لقادتنا المُلك، أو ينزعه عنهم، كما يشاء؛ ويسعى لتقسيم بلداننا أو إضعافها أو دعمها، وفقاً لإرادة لا يدركها إلا المحنّكون في السياسة و“التحليل الاستراتيجي“. ولكنها إرادة كاملة، تنبع من ذات كليّة القدرة، ومخطط قدري، يصنع مصيرنا، ولا جدوى من إرادتنا أمامه. كما أن كل الأفعال السياسية التي نراها، مخلوقة من قبل تلك الذات، وبرصفها إلى جانب بعضها، سنصل إلى المعنى الكلي للمُخطط.
لا ينطبق على هذا تعريف „نظرية المؤامرة“، فالأخيرة ليست كليّة وقدرية لهذه الدرجة، كما أنها لا تنفي الإرادة والمسؤولية. بالنسبة لمُنظّر المؤامرة، يمكن التصدي للمخطط الشرير، الذي يشمل هذا الجانب من الحياة أو ذاك، إذا تمت توعية الناس به، ودعوتهم لمواجهته، فيما نصفه هنا ينزع الإرادة والمسؤولية بشكل شبه كامل، ضمن حالة تاريخية/وجودية شاملة، تسلب البشر الفعل لمصلحة „رد الفعل“؛ وقدرتهم على صناعة مصيرهم، لمصلحة „واقعية“ إدراك „مخططات العالم“، الذي يريد هذا أو ذاك؛ ولا يُبقي إلا النوازع الباطنية، الموجودة في ما قد يكون „جوهرنا الطيب“، المزروع والمستقر فينا بشكل قَبْلي على ما يبدو. وبالتالي فهو بالفعل أقرب للجهميّة.
رغم هذا، علينا تذكّر أن الجهميّة انطلقت من تنزيه الذات الإلهية، أي كان لها عمق إيماني ولاهوتي، فيما تبدو جهميتنا المعاصرة أفقر من هذا بكثير، فكرياً وإيمانياً، فهي لا تشير إلى هم ثقافي أو سياسي فعلي، بقدر ما هي خطابات للتبرير، أو لتأكيد الانحيازات المسبقة، أو لتسويغ الانجرار وراء الانفعالات. ولا حمولة منطقية لها، كما فيما وصلنا من قول الجهم، بل أقرب للإنشائيات والتعاويذ. وهي لذلك مساهمة في إفقار واقعنا السياسي، بما لا يقلّ عمّا تدّعي محاربته، مثل الاستعمار والاستبداد. تتبّع الخطابات المتراكمة، التي أوصلتنا إلى هذه „الجهميّة“، قد لا تكون له فائدة عمليّة كبيرة اليوم، وربما الأجدى مناقشة وسائل التفكير الرديئة التي تنشرها، والتساؤل حول الطريقة الأنسب لتجاوزها.
فقر الدم السياسي
في سياسات „الجهميّة المعاصرة“ تنعدم الفاعلية السياسية نفسها، إذ لا يوجد إلا „ردود أفعال“ تنبع من جوهر واحد، غير منزّه، وإنما يمكن القول، إنه منزّه بشكل عكسي، بمعنى أن „الاستعمار“ أو „الاستبداد“ أو „الرجل الأبيض“ شر كامل ومطلق، بسيط وغير مركّب، لا يخالطه أي خير أو منفعة، وتنبثق عنه ردود فعل، تبدو شريرة، ولكن شرها مكتسب منه، وليس مسؤولية من يقومون بـ“الرد“. وليس بالضرورة أن تكون هنالك أي غاية سياسية أو تاريخية من „ردود الفعل“، بل يتجه الخطاب فقط إلى تبريرها بوصفها مظالم، أو بالأصح „مظلوميات“. لا يُنتج ذلك الخطاب بالنهاية، إلا هجاءً للجوهر الشرير، ومزيداً من التباكي بسببه. هذا هو العارض الأول للفقر السياسي، وهو غياب التفكير بالفاعلية والغاية، إذ لا يهم جدوى فعلك، أو معناه أو هدفه، المهم إعادة التأكيد على أنه ليس شراً أصيلاً، يستحق الإدانة أو المحاسبة، وإنما مجرد اكتساب من أصل، هو السبب. وربما يؤدي تراكم „ردود الفعل“، إلى تدمير الأصل أو القطيعة معه، لا ندري كيف، ووفق أي استراتيجية، وما البديل الذي سينتجه ذلك، ولماذا هو أفضل.
العارض الثاني هو رفض مبدأ التغيير الثقافي، بوصفه أمراً ثانوياً بالنسبة للجوهر المولّد لـ“ردود الأفعال“ (الذي يوصف أحياناً بـ“المادي“). يُذَمُّ المبدأ غالباً بوصفه „ثقافوية“ (دون معرفة أصل هذا اللفظ، أو معناه الدقيق). فمسائل مثل النقد الديني والاجتماعي، الجنسانية، الحقوق الفردية والجماعية، حرية المعتقد، التنوير، وغيرها، تعتبر مجرّد انحراف عن „التناقض الأساسي“، وهو اضطرار البشر، غير المسؤولين عن أفعالهم، للقيام بردود فعل على الشر الأصيل، و“المظلومية“ التي لا تنتهي. وبالتالي فإن إثارة تلك المسائل ستكون اصطداماً مع „الشعب“ أو „الناس“ أو „المهمّشين“ أو „السكّان الأصليين“، بل اعتداءً عليهم.
عندما لا تكون هناك إرادة أو فعالية، فبالطبع كل ما هو „ثقافوي“ مجرّد وهم، والأمور جبرية جداً. يطرح هذا سؤالاً جديّاً: لماذا العمل السياسي والثقافي أصلاً؟ ولماذا يكتب أنصار هذا الطرح، أو يدلون بآرائهم، أو ينتجون مواد ثقافية، ما دام كل هذا يخاطب وعي قارئهم ومستمعهم. وظواهر الوعي، وما ينبثق عنها من إرادة وفعل، ليست على ما يبدو إلا „ثقافوية“؟ يؤدي هذا إلى تجاهل شامل لكل المناحي الحياتية، مثل الأداءات، والخطابات، والعقائد، ولغة التواصل، وأدوات التفكير، والروايات المؤسسة، والأجهزة الأيديولوجية، والآليات الانضباطية والرقابية، التي تنتج „السياسي“ بمعناه الأوسع، بل وتنتج مقولات مثل „الناس“ و“الشعب“. أي سياسة يمكن أن يمارسها المرء إذا تجاهل كل هذا؟
الطريف أن التيارات الناجحة في المنطقة، وعلى رأسها الإسلام السياسي، لم تتجاهل يوماً تلك المناحي، بل كانت حاسمة في خطاباتها وممارساتها، لدرجة أنها بدَّتها، في أحيان ليست بالقليلة، على المطالبة باستلام السلطة، أو „المقاومة“. ما يجعل الفقر السياسي من سمات ما يسمى يساراً أو ليبرالية. يترك هذان التياران „الثقافوية“ للإسلاميين، ما يجعلهما دائماً في موقع تابع وذيلي لهم.
العارض الثالث للفقر السياسي هو خطابات اليأس والمسكنة، وهي غالباً خطابات عامية، ولكنها تجد صداها عند كثير من „النخب“. فما دام كل ما نراه من ظواهر هو جانب من مخطط „العالم“، فيما إرادتنا ورغبتنا، وكذلك وجودنا الاجتماعي وقوتنا الحياتية، ليست ذات قيمة، فليس لنا إلا أن نندب حظنا، وربما أن نتلذذ بمدى الاضطهاد المُحكم الذي نرزح تحته. وأقصى „رد فعل“ مقاوم، هو كتابة المراثي، الرديئة غالباً، حول ذلك العالم الذي خذلنا، وانتظار تغيّر الأوضاع من قبل „السادة هناك“، الذين يمكن أن يتداولوا ملكية الأرض التي نعيش عليها، وملكيتنا نحن أنفسنا، كما يشاؤون، وكأننا فلاحون أقنان. تصبح السياسة مجرد انتظار دعم من سيّد خارجي، أو محاولة عرض الخدمات عليه. وهذه ممارسة طبعت „ردود الفعل“ في المنطقة طيلة السنوات الماضية. إنها سياسة مصابة بفقر الدم تلك „الجهميّة الجديد“، التي تظنّ نفسها أحياناً „ماديّة“، أو „واقعيّة“، فلا تنتج إلا أجساداً وأفكاراً وإرادات هزيلة ومتعبة وشاحبة، ينقصها الكثير من الأوكسجين والتغذيّة؛ وغالباً مجتمعات ممزقة، غير قابلة لاستمرار الحياة.
عودة إلى الفعل
لا يحتاج المرء إلى كثير من „الإرادوية“ ليدرك فقر المنظور المشروح أعلاه، ولا يتطلب الأمر معارضة الجبرية بنمط من „القدريّة الجديدة“، التي تظن أن الإنسان يخلق أفعاله بكامل الحريّة، ويتحمّل وحده مسؤولية كل ما يجري في عالمه، بقدر ما يتطلب نقداً للمفاهيم الضعيفة، التي ينبني عليها جانب أساسي من الثقافة السياسية الناطقة بالعربية، وعلى رأسها مفهوم „رد الفعل“. فممارسات البشر ليست مجرّد انعكاس، بل „فعل“، يُنتج ضمن منظومات أيديولوجية واجتماعية وسياسية، سابقة بنيوياً على أي مظلمة أو حدث، وهي ما يحدد المعنى والتوجّه والخطاب. ليس كل من تعرّض لاضطهاد سيصبح متطرفاً أو قاتلاً أو همجياً بالضرورة؛ ولا رابط حتمياً، يمكن إثباته، بين ما نشهده من ظواهر سياسية وأيديولوجية مروّعة، وبين الألم والمعاناة التي يواجهها البشر المتعددون. يصبح الفعل مدمّراً وفاشلاً لأنه يستند إلى منظومات مُسبقة، تدعم بذاتها الإلغاء، وترفض المساواة، وتمنح الامتياز وادعاء التفوّق لفئات وأجناس وعقائد دون غيرها. كل هذا ليس نتيجة جوهر خارجي، شرّهُ منزّه؛ أو مخطط „العالم“، الذي يسلبنا الإرادة. تلك المنظومات المنتجة للفعل قابلة للنقد والتغيير، خاصة عندما تصبح معرقلاً لاستمرار الحياة. ولن يؤدي هذا إلى الفهم المبتذل لدى البعض، بأن العالم سيتغيّر بمجرّد أن نغيّر تفكيرنا، بل يعني مواجهة ممارسات، ومؤسسات، وأجهزة، وعقائد، وخطابات، وعلاقات اجتماعية، تولّد كلها مفاهيم أساسية عن الذات والآخر والعالم، وتحدد ممكنات السلوك والأداء. التغيير يأتي في سياق المواجهة، كما أن المواجهة تتطلب السعي لتأمين نوع من الحماية الذاتية، وهي أمر مادي للغاية، ويعني وقاية الحياة، وتنظيمها، بعيداً عن القوى المدمّرة لها. وسواء كان الإنسان مخيّراً أو مسيّراً أو مكتسباً للفعل، فهو في النهاية سيجد نفسه مضطراً للكفاح لأجل البقاء، خاصة في مجتمعات تتعرّض لكل أشكال الاعتداء، ولا تملك حتى ترف الخضوع. نتحدث عن „أغلبيات“ في منطقتنا، لم يعد استمرار حياتها ممكناً في الظروف الراهنة. المقاومة الضرورية قد تكون ذات أثر إيجابي، وقادرة على حفظ الحياة والكرامة بالحد الأدنى؛ وقد تنقلب إلى فوضى عبثية، كما حدث في كل مرة ركن فيها الناس إلى „الجهميّة الجديدة“، المصابة بفقر الدم، وضعف العقل.
كاتب سوري