العالم بعد مرحلة اللقاح: آثار الوباء الاقتصادية والاجتماعية

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك ـ «القدس العربي»: ملايين من البشر في كل القارات والبلدان ينتظرون بفارغ الصبر وصول اللقاح الذي سيخلصهم من ويلات جائحة كورونا التي وصل عدد الذين أصيبوا بها هذه الأيام ما يزيد عن 70 مليون إنسان توفي منهم أكثر من مليون ونصف الميلون.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن هناك حاليًا أكثر من 50 نوعا من اللقاحات مرشحًة للاستخدام للوقاية والتعافي من وباء كوفيد-19. وغالبية هذه اللقاحات الآن قيد التجارب وبعضها أصبح جاهزا للاستعمال. وتعمل منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع العلماء ورجال الأعمال والمنظمات الصحية العالمية من خلال برنامج لتسريع الاستجابة للوباءACT ACCELERATOR وخاصة توزيع اللقاحات على الدول النامية. وعند الإقرار النهائي للقاح الآمن والفعال، فإن مكتب COVAX “كوفاكس” المكون من تحالف عريض من المنظمات الصحية والمجتمع المدني والقطاع الخاص بقيادة منظمة الصحة العالمية، سوف يعمل على تسهيل الوصول والتوزيع العادل لهذه اللقاحات لحماية الناس في جميع البلدان. وسيتم إعطاء الأولوية للأشخاص الأكثر عرضة للخطر. وفي الوقت الذي تعمل فيه المنظمة على طرح لقاح آمن وفعال بشكل عادل يشمل كل الدول وخاصة الدول النامية، تستمر جهود منظمة الصحة العالمية في إجراءات الصحة العامة الأساسية لوقف انتقال العدوى وتقليل الوفيات ما أمكن، فالعالم ما زال يواجه موجات متلاحقة من انتشار للوباء.
صندوق كوفاكس، الذي أنشأته منظمة الصحة العالمية كآلية تمويل لتقديم المساعدات واللقاحات لـ 92 من الدول النامية من ذوات الدخل المتوسط والمنخفض، يحتل موقعا بالغ الأهمية لضمان إيصال اللقاحات بشكل عادل لجميع الدول. والصندوق يتطلب استثمارا بقيمة ملياري دولار تقدم من الدول المانحة والمؤسسات الخيرية والقطاع الخاص بحلول نهاية هذا العام. وقد قدم الاتحاد الأوروبي قبل أيام مبلغ 500 مليون يورو لتوفير مليار لقاح للدول متوسطة ومنخفضة المداخيل. ولكن هذه المبالغ ما زالت متواضعة قياسا للاحتياجات.
كما أنشات منظمة الصحة العالمية بالشراكة مع اليونيسف تحالفا عالميا للقاح تحت اسم “GAVI” للمساعدة في تحضير جاهزية البلدان النامية للاستعداد لتلقي لقاح كوفيد-19 وتوزيعه بشكل عادل. وقد تم تطوير إرشادات وأدوات ودورات تدريبية ومواد توعوية قابلة للتكيف حسب الاحتياجات المحلية لدعم البلدان في التحضير للتطعيم ضد الوباء، والذي سيبدأ قريبا للعاملين في المجال الصحي أولا.
إذن منظمة الصحة العالمية وشركاؤها جاهزون لتوزيع اللقاح على 92 دولة فور وصول اللقاحات. لكن المشكلة لا تنتهي هنا. فآثار الوباء على المديين المتوسط والبعيد بحاجة إلى أكثر من اللقاح.

خطوات ضرورية

في حوار مع السفير منير أكرم، رئيس مجلس الأمم المتحدة الاقتصادي والاجتماعي “إيكوسوك” والممثل الدائم لباكستان لدى الأمم المتحدة، أكد أن المجتمع الدولي يجب أن يفكر في النتائج التي تركتها الجائحة حتى بعد انتشار اللقاحات واستخدامهاعلى مستوى العالم. لقد أدت الجائحة إلى اضطرابات شديدة في المجتمعات والاقتصادات في جميع أنحاء العالم وخلفت تأثيرات عميقة في ميادين الصحة والتعليم والنمو الاقتصادي والصحة النفسية، أدت كلها في كثير من الأحيان إلى ارتفاع نسبة النزوح والتوترات الداخلية وانهيار النظم الاجتماعية وتراجع الاقتصاد وتفاقم الفقر.
وكالعادة يكون أكثر المتضررين هم أكثر الناس فقرا في البلدان الأقل نموا وعددها 47 دولة. كثير من الفقراء فقدوا وسائل عيشهم بسبب الجائحة سواء بفقد الوظائف أو سبل

أكثر من 20 دولة تواجه انعدام الأمن الغذائي

العيش الأخرى. وكثير من الأعمال والشركات الخاصة الصغيرة إما أقفلت أبوابها أو ما زالت تعاني في محاولة للبقاء واقفة على قدميها.
وقال السفير أكرم، هناك تقارير تفيد بأن أكثر من 20 دولة تواجه انعدام الأمن الغذائي. وهناك خطر على الأسرة وبعض أنظمة الصحة العامة في البلدان النامية التي تتعرض لضغوط. “لذلك نحن بحاجة لمحاربة الفيروس وعواقبه”.
* لقد عانت فئات الشباب (25-40 سنة) الضرر الأكبر بسبب الجائحة. فالشباب هم الذين يدفعون الثمن بشكل غير متناسب وعليهم تقع العواقب طويلة الأمد للجائحة. فالتعليم تعثر أو تعطل، وهناك شعور لديهم بعدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد، وفقدان فرص العمل أو انعدامها، وآثار الجائحة على الصحة البدنية والنفسية، والرضوح الناجم عن العنف المنزلي، وما إلى ذلك. لقد تضرر أكثر من مليار طالب جراء إغلاق المدارس في جميع البلدان تقريباً، وفَقد شاب واحد من كل 6 شباب في العالم وظيفته أثناء الجائحة.
* في البلدان الـ 47 الأقل نموًا في العالم، لا توجد مياه نظيفة في نصف المرافق الصحية في الموقع. وهذا يعرض العاملين الصحيين والمرضى لخطر العدوى بجميع أنواعها، ويجعل الولادة أقل أمانًا، ويؤدي إلى مقاومة مضادات الميكروبات. وتعتبر معالجة هذه الفجوة أولوية ملحة لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف، ويجب أن تكون كذلك لبقية العالم. وتشير التقديرات الأولية إلى أن التأكد من أن جميع مرافق الرعاية الصحية في 47 دولة من أقل البلدان نمواً لديها خدمات أساسية للمياه والصرف الصحي والنظافة وإدارة النفايات والتنظيف سيكلف 3.6 مليار دولار أمريكي إضافية بين عامي 2021 و 2030.
* المرحلة التي تعمل عليها كوفاكس الآن- الشراء المبكر للقاحات، وتخطي مشكلة الملكية الفكرية التي أثيرت أخيرا أثناء السباق للتوصل إلى اللقاح، ووضع خطة توزيع شاملة للدول ال 92 متوسطة ومنخفضة المداخيل.
لدى COVAX الآن اتفاقيات سارية المفعول للوصول إلى ما يقرب من ملياري جرعة من العديد من اللقاحات المرشحة الواعدة، ووضع الأساس لجرعات إضافية يتم تأمينها من خلال مساهمات المانحين أثناء عمليات التطعيم.
هذه الاتفاقيات تعني أن جميع الاقتصادات المشاركة والمؤهلة البالغ عددها 190 في COVAX ستكون قادرة على الوصول إلى جرعات لحماية الفئات الضعيفة في النصف الأول من عام 2021. وسيتم توفير ما لا يقل عن 1.3 مليار جرعة ممولة من المانحين للدول الـ 92 والتي تستهدف تغطية سكانية تصل إلى 20٪ بحلول نهاية عام 2020.
لكن ما زالت هناك حاجة لخمسة مليارات دولار إضافية للقيام بمسح شامل للدول النامية المشمولة بالمساعدات. كما أن صندوق الأمين العام للمساعدات الطارئة الذي أنشأه في بداية الجائحة برأسمال يصل إلى مليار دولار ما زال بعيد المنال ولم يصل الصندوق إلا 140 مليون دولار. لقد تعهدت الدول الصناعية في مؤتمرات “تمويل التنمية” أن تقدم 0.7 في المئة من ناتج دخلها للقومي لمساعدة الدول النامية إلا أن هذه التعهدات لم يلتزم بها إلا حفنة من الدول.

التغييرات الهيكلية

وترى منظمة الصحة العالمية أن هناك حاجة ماسة للتغييرات الهيكلية التي يجب أن تتبع بعد مرحلة اللقاح. وكما قال الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، إن السمة المميزة لعصرنا هي عدم المساواة. فعالم ما بعد الجائحة يجب أن يستند إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على مبدأ العالمية الجديدة التي تخلق فرصًا متساوية لجميع من يحترم حقوق وحريات الجميع. وقال: “نحتاج إلى تغيير هيكلي في الهيكل المالي”.
العالم الآن يحتاج إلى مواءمة نظام التجارة الدولية مع أهداف التنمية المستدامة. في حاجة إلى نظام ضرائب دولي عادل، بحيث لا تستطيع الشركات تحويل الأرباح إلى خارج البلاد لتجنب الضرائب. العالم بحاجة إلى حل مسألة الفجوة في التدفقات المالية غير المشروعة، والتي تجرف مبالغ تصل إلى 300 مليار دولار كل عام من البلدان النامية وترحلها إلى ملاذات آمنة معظمها في البلدان المتقدمة.
جانب آخر مهم للتغيير الهيكلي هو الحاجة إلى الاستثمار في البنى التحتية المستدامة، والابتعاد عن اقتصاد الوقود الأحفوري. وتقدر متطلبات الاستثمار في البنية التحتية سنويًا بحوالي 1.5 تريليون دولار.
هذه هي التغييرات الهيكلة المطلوبة في عالم ما بعد الجائحة، إذا أراد المجتمع الدولي أن يبني بشكل أفضل اقتصادًا أخضر جديدًا يمنع ويتجنب كوارث الأوبئة والمناخ التي تواجه عالمنا اليوم وتهدد أجيال المستقبل، كما قال الأمين العام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية