العجب والإعجاب في مُسلسلات رمضان وآراء النخبة والعوام

كمال القاضي
حجم الخط
0

هناك دائماً مسافة بين المزاج العام للقاعدة الشعبية من جمهور الدراما التلفزيونية المصرية والعربية، وبين الذوق الخاص للمُثقفين، وهذه إشكاليه تؤرق باستمرار المُنتجين والمُخرجين والكُتاب وتضعهم في حيرة، حيث لا يستطيعون التوفيق بين كل الأذواق فينحازون بطبيعة الحال لرغبات القاعدة العريضة من المُستهلكين الرئيسيين للإبداع الدرامي باعتبارهم الأغلبية التي تُمثل قوة التأثير القصوى في مُعدلات المشاهدة بكافة النوافذ الفضائية والمنصات الإلكترونية.
وبناءً على قانون الكثرة يتم فرض المنتج الفني بمواصفاته القياسية الشعبية فيحدث الصدام بين ما يُقدم للعامة وما يطمح فيه المثقفون بوصفهم شريحة مؤثره أيضاً ولها ذوق خاص ترغب في وجوده بالخريطة الدرامية الموسمية وغير الموسمية. ويتضح التضاد بشكل كبير في المُنتج الدرامي عنه في المُنتج السينمائي، لأن التفاوت في الذوق السينمائي واضح ومُعلن وخاضع لاختيارات الأفراد، بعكس الدراما التلفزيونية التي تفرض نفسها على أفراد الأسرة بالكامل فينقسمون تجاهها ما بين رافض ومؤيد.
هذه الأزمة تكشف عنها المواسم الرئيسية على مدار السنة، لا سيما الموسم الرمضاني الذي جاءت نتائج الاستفتاء الجماهيري في نهايته مُربكة ومحيرة. فعلى سبيل المثال المُسلسلات التي تم عرضها وبدأت عمليات تقييمها بعد مشاهدة الكم الهائل من الحلقات ومتابعة عدد كبير من العناوين والشخصيات أوضحت عمق الهوة الفاصلة بين ذوق الطبقة المُثقفة والغالبية العظمى من المشاهدين في مختلف المناحي والمحيطات، فما يُجمع علية العامة من الناس بفئاتهم المتنوعة تختلف علية النخبة وتراه محض عرض ساذج لأحداث غير منطقية أو خرافية تداعب خيال الأكثرية لزوم الترويج والانتشار والربح. فمسلسل «المداح» الذي اتفقت علية نسبة غير قليلة من المُشاهدين هو من وجهة نظر بعض المُثقفين نموذج سيء لتغييب العقل وإشاعة الخرافة والدجل حتى وإن جاءت المُعالجة النهائية داحضة للفكرة الخرافية ومناوئة للدجل.
وكذا مسلسل «بيت الشدة» هو أيضاً نوع من إشباع الرغبة المرضية لدى البعض بإحالة الأحداث والحوادث الجسيمة إلى عالم الغيبيات لإعفاء العقل من التفكير وتعطيل حاسة المقاومة الطبيعية داخل الإنسان وإعجازه عن إيجاد حلول منطقية وجذرية لمشكلاته المُزمنة، وهو على حد قول المختلفين مع الطرح الدرامي نوع من الاستسهال والتواكل تؤدي نتائجه إلى زيادة عدد المرضى النفسيين داخل المُجتمعات البدائية الفقيرة.
أما مسلسل «الاختيار» فهو من وحي كُتاب السُلطة الذين يبحثون لأنفسهم عن أدوار تقربهم من مناطق النفوذ والتأثير، فالموضوع خاضع لتجهيزات الجهات السيادية ويفتقر للموضوعية برغم ما يتضمنه العمل من مشاهد وثائقية تنفي عنه شبهة الاختلاق أو التزييف، فكافة مُعطيات العمل التي جعلت من المُسلسل قيمة إبداعية مختلفة وأثارت إعجاب العوام من بسطاء المُتابعين والمشاهدين هي من وجهة نظر المُتحفظين على المُسلسل دلائل سلبية ونقاط ضعف!
ولم ينج مسلسل «بطلوع الروح» من حراب النقد ومساخر الرافضين واستهجانهم، كونهم أكبر من أن تنطلي عليهم حيل الدراما المنسوخة والمُقتبسة ومحاولات التأثير القوية من جانب المخرجة وأبطال العمل لإقناع السواد الأعظم من الناس بخطورة التنظيمات الإرهابية، وفي ذلك يتعلل أهل الهجاء والمختلفون مع ذوق العامة بأداء إلهام شاهين المُبالغ فيه وانفصامها الكامل عن الشخصية التي تؤديها بحجة أنها فنانة مُتحررة ولا يليق بها أداء الدور الذي جسدته وتقمصت فيه شخصية أم جهاد، المرأة القوية في تنظيم داعش الساعي إلى تأسيس دولة الخلافة الإسلامية على قواعد السمع والطاعة.
وعلى صعيد آخر لم يحدث الانسجام المطلوب بين مسلسل «فاتن أمل حربي» لنيلي كريم وبين الجبهة الثقافية، على الرغم من الطرح المُغاير، بل على العكس ثمة موجة من الرفض والنقد الحاد وجهت إلى البطلة وصُناع العمل على ذات الخلفيات التقليدية المُعتادة لاختلاف وجهات النظر حول بعض التفاصيل، وهو ما يؤكد على أن نيل الرضا التام والإجماع على إبداع مُعين مسألة بالغة الصعوبة.
ولعل الاستثناء الوحيد لارتفاع نسبة المؤيدين عن نسبة المعارضين تمثل في مسلسل «جزيرة غمام» للكاتب عبد الرحيم كمال والمخرج حسين المنباوي، مع مجموعة الأبطال أحمد أمين وفتحي عبد الوهاب وطارق لطفي ومي عز الدين ورياض الخولي، وذلك لأن أجواء المُسلسل اتسمت بالإثارة والتشويق واختلاف الرؤية لطبيعة الحياة في صعيد مصر، بالإضافة إلى عمق التناول والطرح على عكس ما هو مُعتاد، ولهذا حظي المُسلسل بالإعجاب ونجا أبطالة وبطلاته من معاول النقد الهدام. ولكن بقيت مُعظم الأعمال الرمضانية الأخرى محل خلاف واختلاف ما بين شرائح الجمهور المُختلفة وعلى رأسها بالطبع النُخب التي لا تسلم بسهولة بصحة الأشياء وتفتش دائماً في الجوهر عن ما يتفق مع ذوقها الخاص ومزاجها الشخصي فهي غالباً ما تقف على الجانب الآخر ترقب وتُمعن النظر في التفاصيل، لتُكسب الحركة النقدية هيبة وقوة وتربأ بنفسها عن الانقياد خلف القطيع طبقاً لوجهة نظر زعمائها من المُعارضين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية