لو لم تكن العدالة في حاجة للأفكار كي تُدرك وتمارَس لما كانت ‘الجمهورية’ لأفلاطون قد ابتدأت بالسؤال عن معناها، وعما إذا كانت مفهوماً مطلقاً أو جزءاً من لعبة القوة. وربما ليس صدفة أن كلمات كـ’الحقيقة’ و’الحق’ في اللغة العربية المرتبطتين بالمعرفة، تشاركان في الاشتقاق ‘الحق’ المرتبط بالعدالة فنقول ‘هذا من حقي’ احتجاجاً على ظلم ما. إن كل النصوص التأسيسية لفلسفة الأخلاق، دينية وفلسفية، صرحت أو أوحت بأن الفكر يهذب الأخلاق ويقود الإنسان لأن يقاوم رغباته ‘الأدنى’، ومنها السلطة أو بلغة الفلاسفة العرب: الكرامة والغلبة والرياسة. مع ذلك، فحتى أعتى الفلاسفة لم يسلموا مما قد يُرى الآن على أنه تمييز أو ظلم أو إقصاء، وكأن العَور حتمي في التفكير والسلوك الإنساني. لقد كشف ‘الاستشراق’ لإدوارد سعيد عن عقول عبقرية في عالم الأدب والفكر، لكنها لم تسلم من العوَر (فلوبير) أو ربما اختارته لقربها من السلطة (برنارد لويس). والمفارقة أنه من الممكن تتبع آراء ‘غير عادلة’ لمعظم الفلاسفة والأدباء الذين كتبوا في العدالة. ومن المفارقة أيضاً أن العالم الأكاديمي الآن يطالب بالنظر بـ’عين عادلة’ موضوعية إلى هؤلاء وعدم التسرع في الحكم على تصوراتهم غير العادلة للعدالة، بل محاولة فهمها في سياقها التاريخي. هل العدالة نسبية حقاً ومحكومة أبداً في تطورها نحو تحقيق شيء من المساواة والرضا البشري، لظروف خارجة عن الإنسان الذي يفترض تشومسكي أنه يحمل في داخله معنى العدالة؟ وهل لهذا تختلف المجتمعات عن بعضها في فهم العدالة ومحاولة تطبيقها تبعاً لوضعها الحضاري؟ لقد تساءل دومينيك أورفوا في كتابه عن ابن رشد، عن احتمال أن يحكم الأخير من موقعه الفقهي والقضائي (رغم كل ما يمثله من تنوير كفيلسوف عانى أيضاً ظلماً كبيراً)، لو كان أمامه كتاب سلمان رشدي، تماماً كما حكم عليه الذين أهدروا دمه في عالم التكفير في القرن العشرين، موحياً (لي) بأن العدالة في العالم الإسلامي لم تتطور كثيراً نحو إقصاء أقل أو تجاوز لمنطق السلطة، التي يزيد استبدادها كلما ارتبطت بالدين، بينما تطورت فعلاً في العالم الغربي الذي قطع أشواطاً بين محاكم التفتيش والحرية الكبيرة جداً في الاعتقاد الديني، ولم يعد فيه اقتراب السلطة من السماء عاملاً حاسماً أبداً في الرأي العام، رغم أن الدين لم ينفصل كلياً عن السلطة في ذلك الجزء من العالم: لم يكن مثلاً عيد الميلاد الذي أقامه بوش الابن لبابا الفاتيكان في البيت الأبيض محض احتفال عابر. في الفصل المعنون بالـ’قول في العدل’ في ‘آراء أهل المدينة الفاضلة’ للفارابي، يشرح الفيلسوف كيف أن معظم المجتمعات تعرف العدلَ بما تطبعت به: ‘فما في الطبع هو العدل، فالعدل إذاً التغالب’، ولذلك يكون ‘استعباد القاهر للمقهور هو أيضاً من العدل. وأن يفعل المقهور ما هو أنفع للقاهر هو أيضاً عدل. فهذه كلها هي العدل الطبيعي…’. ورغم أن النموذج الأفلاطوني اليوتوبي الذي يقترحه لا يعتبر محققاً للعدالة كما تُفَهم الآن، إلا أنه أدرك أن ‘المدينة الجماعية’ (الأقرب إلى الديمقراطية، وهي جاهلة في نظره)، ‘يمكن أن يُلتقط منها أجزاء للمدينة الفاضلة’. رآها أكثر المدن خيراً وشراً معاً: خيراً بسبب ما فيها من مساواة، وشراً لأنها تبقى محكومة بأهواء الناس ونزواتهم التي يستغلها الراغبون في ‘الغلبة’ في معركة التغالب ‘العادلة’ عندهم، وهي في الأصل فكرة أفلاطون الذي رأى أن مشكلة الديمقراطية هي في أنها ‘تحول الرغبات إلى حقوق’. نحن ربما محكومون، كما رأى فوكو، بتلك الدورة اللولبية بين اللذة والسلطة. لكن أكثر ما يثير الفزع قد نبه إليه دولوز وفوكو معاً: وهو أن تنجح السلطة في أن تجعل سواها راغباً في أن يُقمَع (حد الالتذاذ بالقمع)، وأن يرى في ذلك عدالة ما، ويأخذان ألمانيا النازية مثالاً صارخاً. ربما جميل هو الاعتقاد، على طريقة تشومسكي، بأن الإحساس بالظلم حتمي ومتشابه حد التطابق عند مجموعة من البشر يعيشون في نفس الظرف القمعي، السياسي أو الديني أو الاجتماعي: بأن كل العبيد عبر التاريخ أحسوا بظلم ما متشابه في النوع والدرجة، كما كل المستعمَرين، وكل المقموعين من قبل أنظمتهم الحاكمة، وكل المهمشين، وكل النساء من قبل مجتمعاتهن الذكورية، وكل من هم من الطرف الأدنى من السلم الطبقي، وكل من مُيز ضدهم عرقياً أو إقليمياً أو دينياً أو جنسياً. لكن وجود نماذج لا بأس بعددها ترى حقاً أن المستبد عادل، والمستعمِرَ محرر من الاستبداد، والرجل منصف للمرأة بأن ‘سمح’ لها بالتعليم والعمل؛ قد يدفع إلى السؤال حول ما إذا كان فوكو ودولوز على حق في أن السلطة قد تنجح في زرع انفصامها في الجماهير وجعلها ترغب باللاعدالة، أو اللاحرية في سبيل عدالة بمعنى ما. تماماً كما قبل الفرنسيون (بعد الثورة المبشرة بحقوق الإنسان) بأن ينتزع منهم ‘الإمبراطور’ نابليون ثلث الشعار الجميل: بأن يمنحهم ‘المساواة بلا حرية’ مأخوذين بما كان يحققه من توسع استعماري بالغ الإغراء. وليس أمراً جزئياً في هذا التاريخ أن نابوليون عرف التمييز الطبقي منذ دخوله مدرسة لا يشبهه فيها زملاؤه الارستقراطيون ذوو الأصول الفرنسية الصرفة. مثال آخر: لقد اعترفت مرة سيمون دو بوفوار بأنها حتى سن الأربعين لم تكن قد انتبهت تماماً إلى وضع المرأة كما كتبته في ‘الجنس الثاني’ وإلى هول الانفصام واللاعدالة تجاهها (ليس بشكل شخصي بل جمعي). وقد ذكرت مثلاً أن اليسار الفرنسي الذي كان يصرخ مطالباً بالمساواة بين الطبقات لم يكن، رجالاً ونساء، منتبهاً إلى اللامساوة بين الرجل والمرأة، إذ كانت معظم الأعمال المهمة في نشاطاته، إضافة إلى القرارات يقوم بها الرجال بينما تحضر النساء القهوة عن طيب خاطر. مثل هذا التشوه لا يزال حاضراً في السياق العربي إلى الآن (ولا يعني ذلك انتفاء وجوده في مكان آخر): لقد أصبح من الطبيعي مثلاً أن تجد من يعترض، ملء قلبه ولسانه، على الظلم الذي يعاني منه تحت احتلال أو استبداد مطالباً بالحرية والعدالة بين الناس بأكثر الشعارات حماسة، لكنه لا يقبل بالحد الأدنى من الحرية أو الانفتاح لأخته أو ابنته، بينما يقبلها لأخيه وابنه ويشجعهما عليها، وقد تكون من تفعل ذلك، للأسف، هي ‘الأم’ أيضاً التي ترى في اللامساواة عدالة عائلية واجتماعية، كما يحدث أن لا تحس البنت أيضاً بدرجة صارخة من الظلم تحت هذا الانفصام، بل قد ترغبه مرجحة بذلك فكرة دولوز وفوكو حول السلطة والرغبة بالقمع. من الواضح إذن هو أن هناك تشوهاً بالغاً في معنى العدالة عند الغالبية العظمى حتى تلك الثائرة، بل حتى تلك غير الراغبة في السلطة. وهو تشوه يصل، كما عند السلطة، حد الانفصام المقيت. ويكفي كمثال أن مواطني مصر (ونصفهم من النساء) الذين ثاروا بعد عقود من الظلم واللاعدالة، قد اختار معظمهم فعلاً نموذجاً ظنوه في لحظة ما قادراً على تطبيق ‘الحرية والعدالة’. بالطبع هناك دائماً من يعاند ليفتح أعين الناس على هذا التشوه، لكن التناقض والانفصام قد يحضران بمنتهى السلاسة وكأنه الأصل والأساس حتى عند كبار المعاندين في بلاد متقدمة جداً في التعليم. وربما يمثل تشومسكي وإدوارد سعيد نموذجاً استثنائياً لا سائداً بين المثقفين الأمريكيين، من حيث غياب الانفصام في مفهوم العدالة. لقد بدأ يتزايد مؤخراً تأثير ‘الملحدين الجدد’ في أمريكا، وهم علماء في الفيزياء والبيولوجيا وعلم الكون، وغيرهم من الذين يحاربون بشراسة خرافات الأديان ويعتبرونها قمعاً واستبداداً بالعقول وأساساً للكثير من اللاأخلاق في العالم. على أن بعض المنددين بهم يرون في توجه هؤلاء ‘أصولية دينية جديدة تدافع عن فكرة دين الدولة’ (تشومسكي)، ويشيرون، كما فعل إيجلتون وغالاوي، إلى الموقف السياسي الذي يدافع عنه بعض كبار الملحدين الجدد المنادين بالحرية، معتبراً أن بعضهم يخضع لأجندات سياسية إمبريالية التوجه لا عدالة فيها. وطالما أن التناقض يحضر حتى في سياقات كهذه أكثر تطورا مما لدينا الآن من حيث مستوى الفكر والعلم وأسس الجدل (وإن كان لدينا مثله وأكثر قبل ألف عام)، موحياً أن التشوه ربما حتمي في التفكير البشري، لذلك ربما ينبغي على مثقفي جزئنا من العالم الكف عن اجترار الفكرة التي طفحت بها الكتابات منذ بدايات الربيع العربي، أي تلك التي تعيد وتكرر كونه يفتقر إلى تنظير فكري وفلسفة وفولتير وروسو ويقارنون كل ما يحدث معنا بمنتهى العبقرية بالثورة الفرنسية كلما جاءت فرصة للانتقاد في ندوة أو مقال، ناسين أن حقوق الإنسان فرنسية الجذور لم تشمل لاحقاً شعب الجزائر؛ وأن تبكيت الضمير الذي يتسع فقط لغرف الغاز النازية مستكثَرا على المليون شهيد؛ وأن الشك الديكارتي لا يتسع للهولوكوست، بل هو مجرم حسب الدستور الفرنسي من يجرؤ على شك غير إنساني كهذا؛ وأن حرية اللباس تشمل كل الأذواق والمعتقدات إلا الحجاب الإسلامي. لقد أصبحت فرنسا تشبه كثيراً مواطنتها بريجيت باردو، التي اتسع صدرها لحيوانات الأرض كلها بما في ذلك خراف الأضاحي، ولم يتسع للمهاجرين البشر إلى فرنسا إذا كانوا مسلمين. لقد رأى جيرالد كوهين في كتابه ‘إنقاذ العدالة والمساواة’ أن اعتبار المجتمع عادلاً بصورة تقترب من المثالية لا يعتمد فقط على بنية مؤسساته، بل على سلوك أفراده وحملهم لمثال العدالة الاجتماعية كغاية يخلصون لها في حياتهم. لكن هل تحققَ شيء من هذا يوماً في أي اجتماع بشري عبر التاريخ، وهل ممكنٌ تحققه أم سيبقى حلماً مثالياً لا مكان له في الواقع؟ هل الثابت في مفهوم العدالة فكرة وممارسة عبر التاريخ، عند الأفراد والمؤسسات والدول، هو أنه ناقص أبداً عن الكمال؟ وهل مصير كل حركة تحرر هو استبداد في النهاية ولو من جهة أخرى، كما كان مصير اللينينية هو الستالينية؟ وهل لهذا ‘العدل’ هو من أسماء الله لأنه أكبر من قدرة البشر؟ لقد كانت روح الإسلام في بداياتها، كما الروح اللينينية، رغبة في العدالة، واعتراضاً على ظلم المستضعفين في مجتمع طبقي. لقد أذن العبد بلال الحبشي في الكعبة وصدم أرستقراطيي قريش في مشهد إنساني خالد تفسر دلالاتُه لماذا يعتنق الكثير من سود أمريكا الإسلام. وبعض النصوص الإسلامية تمتلئ فعلاً بأعظم ما قيل في الأخلاق والعدالة وبشاعة الظلم بلغة لا يختلف مؤمن أو ملحد على جمالها وتأثيرها البالغ في النفوس. لكن ثقافتنا ليست كلها ‘وأما اليتيم فلا تقهر’، و’أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين’، و’قل رب ارحمهما’، و’أحب لأخيك ما تحب لنفسك’، و’متى استعبدتم الناس’. فمنذ أن دخلت تلك الروح في لعبة السلطة، لم تسلم يوماً من انتقاء وإقصاء وتكفي ثقافة بسيطة في التاريخ لإدراك ذلك. الأحرار الذين ولدتهم أمهاتهم هكذا قد يُستعبدون حتى القتل بضمير مرتاح، إن لم يتفقوا مع الخيار العقائدي للسلطة، وتصبح من العدالة ألا تشملهم العدالة والأخوة والمعاني الجميلة: الملحد كافر والمرتد خائن وليس أخاك مهما كان مستضعفاً في الأرض. والمشكلة ربما أن المستضعفين عبر التاريخ البشري يندر أن يقفوا عند المطالبة بالحرية والعدالة، بل يستبسلون في سبيل أن يُجعلوا ‘أئمة’ ويصبحوا وحدهم ‘الوارثين’. يبقى المخرج الممكن الوحيد من بعض هذا التشوه هو من باب التعليم لا غير، على أن تخرج المعرفة تماماً عند الأفراد والمؤسسات من لعبة السلطة، وإلا بقي مجتمع البشر ناقصاً عدلاً أبداً وبقيت ‘الدنيا’، على رأي الأعرابي والمتنبي والمعري، ‘لِمَن غَلبَا’.