يتعرض قطاع غزة لموجة عنيفة من التصعيد الإسرائيلي المتواصل منذ شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية فجر الثلاثاء الماضي، بعد اغتيال ثلاثة من القادة العسكريين البارزين في سرايا القدس الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، حيث أعقب هذا الهجوم المباغت من قبل إسرائيل موجة من التصعيد من قبل الفصائل، ورافق ذلك ضرب الطائرات الإسرائيلية للمدنيين واستهداف منازل الآمنين وضرب خطوط الكهرباء والمياه وأراض زراعية في مناطق متفرقة من القطاع.
ومنذ بدء الجيش العملية العسكرية على القطاع التي أطلق عليها اسم «السهم الواقي» تفرض إسرائيل إغلاقاً كاملاً على القطاع، حيث أمر الجيش بإغلاق معبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد مع قطاع غزة، والذي يتم من خلاله إدخال السلع الغذائية والمعدات الطبية بشكل يومي، إضافة إلى إغلاق معبر بيت حانون- إيرز والمخصص لنقل المواطنين والحالات الإنسانية والمرضى والوفود الأجنبية، ونتيجة لاستمرار الإغلاق مع تصاعد العملية، يعاني المحاصرون داخل القطاع من أوضاع إنسانية صعبة مع قرب نفاد العديد من السلع الأساسية، وتفاقم معاناة المرضى الذين يداومون على الذهاب لمستشفيات القدس والداخل لتلقي العلاج، إلى جانب منع الوفود الأجنبية من الصحافيين والأطباء من مغادرة القطاع.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان «مكتب غزة» أدان استمرار الاحتلال الإسرائيلي التضييق على سكان قطاع غزة، من خلال إغلاق كافة المعابر في أعقاب الهجوم العسكري الذي طال منشآت مدنية وأدى إلى قتل عدد من الأطفال والنساء، مشيراً إلى أن إغلاق معبر بيت حانون- إيرز حرم المئات من المرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة من الخروج لتلقي العلاج، واعتبر هذا الإجراء سيناريو قتل متعمد لمئات المرضى، مؤكداً أن استمرار تشديد الحصار من قبل الجيش على غزة يهدد حياة مئات المرضى، كما يهدد القطاعات الصحية المتهالكة والتي تستقبل المئات من المرضى وتعاني من عجز كبير في الخدمات نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
وزارة الصحة الفلسطينية في غزة بدورها قالت، إن الاحتلال الإسرائيلي يواصل حرمان مرضى القطاع من تلقي علاجهم بإغلاقه معبر بيت حانون- إيرز، مؤكدةً على أن هذا الإجراء التعسفي مخالف للقانون الدولي الإنساني، فيما أعلنت الوزارة أن أكثر من 450 مريضاً ومرافقيهم منهم 27 حالة حرجة، يمنعهم الاحتلال من مغادرة غزة لتلقي العلاج في مستشفيات القدس والضفة الغربية والداخل المحتل.
شركة توزيع الكهرباء الوحيدة في غزة، توقعت توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، والتي تعمل بطاقة إنتاجية من خلال مولدين فقط من أصل 6 مولدات كبيرة بعد إغلاق معبر كرم أبو سالم الذي تدخل عبره شاحنات الوقود الخاصة بتشغيل المحطة، في حين تسبب القصف الإسرائيلي في تعطل الخطوط الواصلة من الداخل إلى كل من محافظة رفح وخان يونس والمنطقة الوسطى، وفي حال توقف محطة التوليد عن العمل بشكل كامل، فإن ذلك يعني خلق أزمات إنسانية واجتماعية وصحية خطيرة.
استهداف الأطفال
والنساء والبيوت
في سياق ذلك أدانت دول عربية ودولية العدوان الإسرائيلي الواقع على قطاع غزة الذي وصفته بالدنيء، والذي استهدف الأطفال والنساء والبيوت، محملةً الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد وتبعاته الخطيرة على حياة السكان المنهكين، كما قال المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينيسلاند، «أشعر بقلق للغاية من التطورات في غزة بعدما شنت إسرائيل عملية عسكرية استهدفت أعضاءً في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية» مضيفاً أن الضربات الجوية قتلت أطفالاً ونساءً إضافة إلى أطباء مدنيين.
إلى ذلك، حذرت غرفة تجارة وصناعة وزراعة غزة من خطورة التداعيات الكارثية المترتبة على مواصلة سلطات الاحتلال العدوان وإغلاق المعابر، مناشدة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لإنهاء العدوان بشكل فوري، وإعادة فتح المعابر وإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، حيث أكد رئيس مجلس إدارة الغرفة المهندس عائد أبو رمضان على أن استمرار العدوان وإغلاق المعابر سيفاقمان من سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية نتيجة لاستمرار الحصار الإسرائيلي، ونبه إلى أن استمرار العدوان أدى إلى توقف الإنتاجية وإغلاق المنشآت الاقتصادية في القطاعات المختلفة التجارية والصناعية والقطاع السياحي والزراعي والخدماتي والقطاع المصرفي، بالإضافة إلى الخسائر المباشرة في بعض المنشآت التي تعرضت للقصف المباشر، علاوة على استهداف مباشر للمواطنين والممتلكات العامة والخاصة، كما أكد أبو رمضان أن استمرار إغلاق معبر كرم أبو سالم من شأنه أن يؤدي إلى نقص شديد في السلع والبضائع، ويحول دون دخول الشاحنات إلى قطاع غزة، لافتاً إلى أن القطاعات الصناعية المختلفة تعاني من عدم قدرة العمال على الوصول إلى أماكن عملهم، بسبب العدوان الغاشم وتردي الحالة الأمنية. وفي تعقيبه على ذلك أكد الكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور أن العملية العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة باءت بالفشل ولم تحقق أهدافها كما ادعى قادة الجيش، فرغم اغتيال القادة البارزين للجهاد الإسلامي وصواريخ المقاومة لا تزال وتنهمر بكثافة على كافة المدن الإسرائيلية، بعد أن فاجأت المقاومة العدو بتكتيكات جديدة بضرباتها الصاروخية، وكسرت معادلة ردع المقاومة التي تحاول إسرائيل أن تفرضها.
وأوضح منصور لـ«القدس العربي»: أن إسرائيل تحاول الخروج من مأزقها أمام شراسة ضربات المقاومة بابتزاز المواطنين المدنيين للضغط على الفصائل العسكرية، فهي تمارس في كل موجة تصعيد سياسة الضغط والابتزاز ضد الفلسطينيين بإغلاق المعابر، وبالتحديد كرم أبو سالم كونه المعبر الوحيد لمرور الوقود للسيارات ومحطة التوليد ومختلف البضائع والسلع، وهذا الإغلاق في حال استمراره لعدة أيام فإنه يعرقل حياة المواطنين ويهددها. وأضاف حتى بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي كما في كل تصعيد سابق، تستمر معاناة السكان في غزة من مخرجات الحرب لفترة زمنية طويلة، نتيجة الدمار الكبير الذي يلحق بالأراضي الزراعية وخطوط الكهرباء والمياه، وهذه الأعطال تحتاج إلى تمويل وفترة طويلة لإعادة إصلاحها كي تعود الحياة لطبيعتها، وخلالها يدفع فاتورتها المواطنون الذين يعانون من نقص في الإمدادات الأساسية.
يشار إلى أن كافة المرافق العاملة في غزة تعاني من شلل تام على خلفية تصاعد الهجمات الإسرائيلية، حيث تعطلت مصالح المواطنين نتيجة الإغلاق الشامل في قطاع غزة، ويزداد تخوفهم من استمرار الأزمات الواقعة عليهم، في ظل إصرار إسرائيل على بقاء سياسة خنق قطاع غزة والتضييق على سكانه.