لا يمر يوم الا وتتصدر اخبار العرب مساحات اعلامية واسعة ومؤتمرات دولية عريضة تفرض نفسها على المتابع المهتم وغير المهتم فتصدمه بمأساويتها او دمويتها او طرافتها فتتندر الشعوب المراقبة وحكوماتها بهذا المشهد القديم الجديد بينما يعيش العربي مترقبا انفراج ازمة زادت عن حدها وتجاوزت كل معايير العيش الكريم والامان والامل وكلها اصبحت بعيدة المنال في الموطن الاصلي او في دول المهجر حيث اكتظت الساحات بهجرة ارتبطت باقتصاد متدهور او وضع سياسي متأزم تلازم فيه قمع الانظمة بالاستهتار بكل مقومات الانسانية والعدالة والكرامة. وبالفعل قد تحولنا الى حديث الامم الاخرى وساحة صراعاتها المشتعلة.
سياسيا تبقى المنطقة العربية منطقة استراتيجية لاقتناص الفرص الاقتصادية لما فيها من ثروات نفطية ومعادن وفرص استثمار تنتظر وضعا امنيا مستقرا. فأوروبا تعتبر المنطقة بوابتها التي يجب السيطرة عليها كي لا تصدر الفائض البشري من الهجرات ان تؤثر على استقرارها الاقتصادي بينما تريدها ساحة مفتوحة وقريبة تستغل ثرواتها الطبيعية اما الولايات المتحدة فتريد هذه المنطقة ان تظل ساحة هيمنة تابعة لها في صراعها مع اقتصاديات متطورة وبوابة تعاند عند عتباتها الهيمنة الروسية او الصينية فترتبط بأنظمة تفتقد للشرعية وتمدها بكل انواع المساعدة والدعم العسكري لتبقى على عهدها وولائها وتنصب نفسها حامية لامنها من مخاطر اختراقها من قبل العدو المقابل.
وتبرز على الساحة قوى اقليمية تحاول جاهدة ان تستغل الصراع العالمي على المنطقة العربية فتتبلور محاور كالمحور التركي والايراني والسعودي لتلعب دورها في تأزيم الوضع وتخوض معارك بالوكالة علها هي ايضا ان تخرج من الصراع بمساحات اوسع للهيمنة ومد النفوذ. ويترتب على هذا الصراع نكبة اجتماعية وسياسية واقتصادية يعيشها العربي المغيب ويتفرج عليها اصحاب النفوذ القابعون في ابراجهم المحصنة. واجتماعيا تحولت المنطقة العربية الى ساحة حرب ين ايديولوجيات متباينة وطائفيات متحاربة فتكت بالسلم الاجتماعي خاصة وانها اصبحت مسلحة لا تكتفي بعرض بضاعتها في السوق الفكرية تجادل سلميا لتكسب الاتباع والمروجين. ورغم ان المجتمعات العربية من اكثر المجتمعات تنوعا على مستوى العرق والاثنية والطائفية الا انها تواجه اليوم تحديا يفرض عليها تطهيرها من هذا التنوع والاختلاف تحت ذرائع مختلفة معظمها سياسي يهدف الى تصفية الآخر واجتثاثه او تهجيره مستغلا خطابا دينيا قديما يعاد صياغته ليسقط على وضع حالي متأزم مما يسهل الاصطفاف والتخندق خلف شعارات قوية تهدف الى الغاء الآخر المختلف. ولا يسلم الوضع الاجتماعي من تداعيات الصراع العالمي والاقليمي على المنطقة فقد وصل الى المجتمع وفتك بعلاقة المرأة والرجل. بعضهم يريد ان يأتي التحرر والنهضة عن طريق تعرية الاجساد وعرضها على صفحات العوالم الافتراضية والآخر يريدها مغيبة تماما. منهم من يعتبر الصدور العارية حضارة وثورة جسد ومنهم من يفرض البراقع كجدار عازل منهم من يروج لحضارة مجلات الكوزموبوليتان والاستهلاك وآخر يروج لفتاوى تجيز العنف ضد من يتجاوز الحدود المسموح بها.
اما سياسيا يقف العرب على مفترق طرق منهم من يتوسل للقوى الخارجية كي تضرب عدوه ومنهم من يفضل الانتقائية فيدين التدخل الخارجي العسكري في ثورات لا تزال قائمة ومنهم من يشجب ويندد. والمعارضات تدين هذا التدخل في بلد وتجيزه في آخر فتسقط الايديولوجيات واصحابها في مستنقع اللاوعي والسياسة المتحركة وحالة الصراع العالمي على الهيمنة في المنطقة.
اما الانظمة فمنها من يعتبر ضرب شعبه بالطائرات والمدفعية مقاومة واخر يأخذ من الوضع المتأزم ذريعة لاخراس كل صوت يطالب بعدالة فيقمع على الخفيف ويتماهى باستباحة ابسط الحقوق من باب الحفاظ على الامن والامان ويصرف المليارات على تحصين الانظمة عسكريا واستخباراتيا على حساب امن هذا المجتمع.
ومفارقات الساحة العربية تبدو اكثر سوداوية على المستوى الاقتصادي حيث برزت طبقة مخملية تنتفع من قربها للسلطة لتكدس الربح السريع على حساب الاكثرية المجاهدة طلبا للرزق المشروع وحصتها من فائض الثروة لكنها مكبلة بحلقات الفساد والاقصائية التي انهكت اقتصاد اكثر من دولة عربية. فارتبطت السياسة بالاقتصاد ارتباطا وثيقا جعل فرص التنمية تتراجع وتتقهقر خلف اسوار السرية والزبونية وبدل التنمية تكدست البطالة عند اكبر شريحة شبابية في سلم الهرم الاجتماعي وتحولت الهجرة الى الحل الاخير الذي يطلبه الكثير من المؤهلات الشبابية المعطلة والمعيبة. فجاء العربي الى المهجر اما مثقلا بقيود السياسة العنيفة وهربا من انعدام الحريات او القمع المباشر او مثقلا بالفقر والتهميش الاقتصادي. ورغم ان منهم من استطاع ان يقف على قدميه ويؤسس لبناء حياة افضل الا انه اليوم يجد نفسه بين فكي كماشة الوطن والمهجر فهو العربي المتهم على عدة جبهات في مهجره. وهو الذي يأتي بما يسمى الفكر المتطرف فيعرب اسلام الآخرين والتي اصبحت تهمة موجهة له وكأن الاسلام نزل بلغة سنسكريتية.
وتعلق المجتمعات المتلقية للهجرة العربية كل مشاكلها ومعضلاتها علي كتفي هذا العربي المهاجر فتحمله مسؤولية مشاكلها المعقدة وتهرب من مواجهتها ليصبح ما يسمى بالاسلام المتطرف رأس المشكلة والعقبة الاولى في اندماج المهاجرين في مجتمعات ترفضهم اصلا وتعتبرهم عبئا اقتصاديا وثقافيا تتمنى التخلص منه خاصة لحظة الازمات الاقتصادية. وتعتبر المجتمعات المتلقية لهجرات العرب ان سياساتها الخارجية لا تؤثر في ما يحصل على ساحاتها الداخلية او ان حروبها الجديدة التي تقتل من بعيد وبطائرات بدون طيار ليس لها اي علاقة من قريب او بعيد على قضية اندماج العرب والمسلمين في المجتمعات المستقبلة للهجرة. فالعنف صاحب اوجه متعددة منها القتل من بعيد والآخر القريب الذي يأخذ من السكين والساطور سلاحا يرعب ويزيد من تأصل الصورة النمطية عن ذاك المهاجر العنيف والذي هو امتداد للعنف المستشري في الساحات العربية مهما كان القاتل والمجرم بعيدا عرقيا عن العرب واجتماعيا عن ثقافتهم.
وان كان هذا العربي القادم مسالما يلهث خلف سياحة او لذة فهو ايضا متهم في الغرب باسرافه وتبذيره في طلب الملذات والانس بعيدا عن ارضه وقيودها وبين التطرف والاسراف تبقى صورة هذا العربي موضع شك وازدراء وشجب وادانة. فنكبة العربي كشخص او نظام او مجموعة بشرية اصبحت مستشرية لدرجة لم يبددها الا حراك العامين المنصرمين والذي اتى ببعض التطور الايجابي لكنه عاد ليتأصل من جديد تحت ذرائع متعددة منها عدم جاهزيته للتحول الديمقراطي وتطرفه الذي ليس له سوى اعادة الصياغة خاصة بعد انفتاح الساحة العامة في بعض دول الربيع العربي وكلها تصب في مصلحة استبعاد التغيير الحقيقي وفرص نجاحه. والاغرب من ذلك هو انخراط بعض العرب في تأصيل هذا الخطاب السلبي والترويج له خاصة في دول لم تصلها رياح التغيير بعد حيث ينبري بعض المثقفين في تجريم ثقافة العربي عندما يعتبرونها قاصرة على استيعاب شروط الديمقراطية فيجلدون هذا العربي مع جلاديه النظاميين والعالميين.
يمر العالم العربي في مرحلة حرجة اهم ملامحها انهيار المنظومة السياسية والثقافية التي هيمنت على الساحة لعقود طويلة والتي افرزت نكبة تبلورت على الصعيد النفسي والاقتصادي والثقافي لن تخرج منه المنطقة الا بمعجزة من اهم قواعدها خروج المنطقة العربية من ساحة الصراع الدولي والاقليمي حتى يأتي التطور الطبيعي بعيدا عن الارتباط بمصالح الهيمنة فتتطور تجربة العربي بعيدا عن الاستقطاب وتتحول صراعات المرحلة الحالية السياسية والاجتماعية الى صراعات سلمية تفتخر بالاختلاف والتنوع دون ان تدينه وتقاتله بالسلاح.
ومن اجل ان يحصل هذا لا بد ان تتحرر المنظومة السياسية العربية من التبعية للخارج الاقليمي والعالمي وتنتهي مرحلة الاختلاف في الانظمة حيث يعيش بعض العرب في انظمة تحاول ان تنتشل شعوبها من عقود التدمير السياسي بعد الثورات واخرى لا تزال تمثل ابشع انماط التخلف السياسي والديكتاتورية. انقسام المنطقة العربية سياسيا وتباين مستويات الانفتاح السياسي بين انظمة رجعية واخرى تسير على طريق التعددية وبين انظمة ثورية واخرى تحارب الثورة والتغيير قد انهك المنطقة خلال العامين المنصرمين وفتك بالسلم الاجتماعي وهدر من الاموال والثروات ما هتك. واصبح العربي مرهونا لارادات الغير المستميتة في تكريس موقعه كتابع للاخرين ومنطقة نفوذه حتى تلاشت قدرته على تحديد مسيرة التنمية والتغيير. فنكبة هذا العربي مزدوجة يعيشها في الوطن والمهجر ولن يتخلص منها الا بالعمل الجماعي المستقل عن انظمته التي فتكت به والعالم الخارجي المتسابق على اقتناص موقع له على ارضه. وقد يبدو المشهد مأساويا هذه اللحظة الا ان بوادر التغيير بدأت ولن تتراجع مهما انحدر الوضع الى اسوأ.
‘ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية