العرض المسرحي «أبي تحت الشجرة»: الأب الغائب يجب ألا يعود

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة -»القدس العربي»:  عانى المصريون كثيراً من تبعات غياب الأب، والغياب هنا ليس غياباً قدرياً بقدر ما هو شكل من أشكال الاضطرار، أو بمعنى أدق .. فخ اجتماعي. لم تستفحل ظاهرة هجرات المصريين للعمل ــ لا الدراسة ــ إلا بعد ظهور النفط في دول الخليج، ولم يكن المصري يتخيل أنه يمكنه مفارقة بلاده. لكن جاءت السبعينيات والسياسات الاقتصادية الضالة قبلها، ليجد المصري أنه لا مفر من مغادرة أرضه، والبحث عن الرزق في بلاد الغرباء، والعودة مُحملاً بأفكار ومعتقدات تلك البلاد، المختلفة كثيراً عن بلاده. وبما أن الطفرة الاقتصادية للمسافر وعائلته لا توازيها طفرة اجتماعية وأخلاقية، فلنا أن نتصوّر مدى الفارق والمأزق الذي تعانيه أسرة سافر ربّها، هنا تسقط الهيبة، وتسقط معها الكثير من القيم، لتحل محلها قيم استهلاكية مقيتة. ولنا أن نطالع صفحات الحوادث في الصحف الرسمية لنرى العديد من الجرائم التي يعود سببها إلى التفكك الأسري نتيجة غياب الأب. ولم تهمل الدراما هذه الكارثة التي غيّرت من طبيعة المجتمع المصري، سواء أعمال سينمائية أو تلفزيونية وحتى مسرحية، وإن تراوحت قيمتها الفنية والجمالية، ربما أهمها فيلم «عودة مواطن» عام 1986 من تأليف عاصم توفيق وإخراج محمد خان.
ويبدو أن هذه القضية لم تزل تستلفت انتباه الفنانين الآن، فيأتي العرض المسرحي «أبي تحت الشجرة» الذي يُعرض حالياً على مسرح السلام في القاهرة. العرض إنتاج فرقة المسرح الحديث، أداء هاني كمال، ولبنى الشيخ، ومنير مكرم، وشادي أسعد، ودينا هريدي، وأحمد عبد الهادي، ودعاء رمضان. ديكور يحيى صبيح. موسيقى محمد خالد. تأليف طارق رمضان، وإخراج إسلام إمام.

العزلة

كانت دراما الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت عندما تتصدى لقضية الأب المسافر، محاولة إيضاح مظاهر التفكك الأسري الناتج عن ذلك، تتوسل بتكنولوجيا ومظاهر تلك الفترة ــ اختراعات مهولة ــ كالفيديو كاسيت على سبيل المثال، إضافة إلى المخدرات المُخلّقة، وما شابه ــ فالحشيش والأفيون أصبحا من مخلفات الماضي ــ فأصبحت هناك أنماط يجب أن تتوفر عند عرض المأساة، هذه الأنماط التي أصبحت منفّرة في العديد من الأعمال وصارت كلاشيهات للموضوع. ولكن معالجة الفكرة في الوقت الحالي تستلزم فكرة العزلة التي تعيشها غالبية الأسر المصرية ــ عزلة التكنولوجيا ــ فكل فرد يعيش عالماً افتراضياً يتماشى وميوله واهتماماته، فسواء سافر الأب أو ظل بين أسرته فهناك حالة من العزلة يعيشها الجميع، ولكن ماذا لو غاب وحضر فجأة، محاولاً فرض رؤيته وثقافته، التي تأثرت بدورها بالمكان الذي كان يعمل به؟ فالعزلة هنا مضاعفة وأثرها في غاية السوء.

الغائب

تدور حكاية العرض المسرحي عن أسرة مثالية العدد، زوج، وزوجة، وابن وابنة. يعود الزوج بعد غياب ثلاث سنوات، والمفاجأة أنه قرر البقاء مع أسرته، ورغب عن السفر مرّة أخرى. هنا يثور الجميع، فهناك العديد من الأشياء التي يريدونها، ولم يحققها الأب بعد، فهو لا يعدو كونه مصدراً للنقود ليس أكثر. ذلك رغم امتلاكهم منازل عدة، وشاليه في الساحل الشمالي، ومبلغا كبيرا في البنوك. فالمسألة ليست في ما هو كائن، بل فكرة الشرَه نفسها، وبالأساس فكرة وجوده بينهم، وهم ليسوا على استعداد لتغيير حياتهم من أجله، خاصة وأن اهتماماتهم لا تتقابل مع أفكاره واهتماماته، فالزوجة منشغلة بصديقات النادي، وهي في قرارة نفسها تعاقبه على سفره بعد كل ذلك، لأن حياتها تضررت بسببه، فتقابله بالمثل، بمعنى .. من أفعالكم سُلِط عليكم. من ناحية أخرى فالزوجة بالغت في تدليل ابنها وابنتها، وهو ما ظهر عند استقبال الأب، فقط ما يشغلهم هو ما أحضره لهم من أشياء، فكل منهم انشغل بالحقيبة التي تخصه، وبعدها انفضوا من حوله، حتى زوجته تركته لينام بمفرده. ولا ننسى الكلاشيه الدائم لمثل هذه الحالات، فالولد مدمن مخدرات والبنت تعرف أكثر من شاب، شيء لزوم الانحلال الأخلاقي.

غائب آخر

يقوم العمل بإجراء مقارنة بين حالة هذا الأب، وشخصية أخرى تعاني مما يعانيه، وهو بواب الفيلا. فهو بدوره ترك أسرته في الصعيد بحثاً عن الرزق. وهي مقارنة لافتة، فاغتراب الجنوبي في القاهرة له آثاره السلبية عليه وعلى أسرته. فالرجل بدوره يعاني من انصراف ابنه وابنته عنه، رغم أنه وفر لهما سُبل الراحة، فكل منهما لديه هاتف محمول، ويبخلان عليه بمجرد السؤال، يعني الحال من بعضه.

اللعبة

وبعد حالة التشابه هذه بين الرجلين، يتفق كل منها على لعبة، ربما يشعر الأبناء باحتياجهم لهذا الأب أو ذاك. وهي أن يقوم البواب باستفزاز الابن ــ عصبي ومتهور دائماً بما أنه مدمن ــ فيقوم بضربه، هنا يمثل البواب الموت، ولا يصبح أمام الابن القاتل ــ فرضاً ــ إلا اللجوء إلى والده أخيراً ليحل له المشكلة أو الكارثة التي وقع فيها. وعلى الجانب الآخر يستشعر ابنا البواب أهمية وجود الأب عند فقده.

يجب ألا يعود

ولكن .. هل ستسير الخطة كما هو مُقدّر لها؟ بالبطع لا، فالمفاجأة الدرامية تتمثل في إلصاق تهمة القتل بالأب، الوحيد الذي يجب أن يظل بعيداً عن دائرة وجودهم، لذا تضحي به أسرته، فلا ضرر في غيابه هذه المرّة، حتى ولو كان السجن مصيره، بينما يقبل ابنا البواب مبلغاً كبيراً من المال، تعويضاً عن مقتل أبيهما. المفاجأة الأكبر تتمثل في اختفاء البواب، حتى لا يتم اكتشاف اللعبة نهائياً، فلا تضطر أسرته إلى رد المال. وفي الأخير تقوم الزوجة نفسها بإبلاغ البوليس عن زوجها بتهمة قتل البواب، حتى تستقيم حياتهم مرّة أخرى بعيداً عن هذا العائد الغريب.

العرض المسرحي

حاول العرض الابتعاد عن الحِس التراجيدي، وتقديم الفكرة من خلال الكوميديا السوداء، واللعب على المفارقات، حتى يصبح أخف وطأة، وأن يكون مشجعاً على الضحك. لكنه اعتمد على المبالغة كثيراً، خاصة في حالة البواب الصعيدي وأسرته، وهي طريقة أدائية مُستمدة من تراث سينمائي ودرامي جاهل بالجنوب وناسه، من حيث اللهجة وطريقة الكلام، وما شابه من النكات الخائبة والساذجة، والمبالغة في الملابس وحركات أجساد الممثلين، رغم أن فكرة المقارنة بين حالة الرجلين جيدة في ذاتها، إلا أن المبالغة ابتعدت عنها وأفسدتها في النهاية. كذلك كان العرض من المقدر له أن يكون ضمن عروض الأونلاين خلال أزمة كورونا، ولكن بما أن الكورونا لا محل لها من الإعراب في مصر، فقد تم تقديمه على خشبة المسرح، فجاء وكأنه سهرة تلفزيونية مُمَسْرَحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية