مطلع سبعينات القرن الماضي أخذت الحركة المسرحية في العراق منحى التجديد في بنية العرض مع عدد من المخرجين الأكاديميين، ومنهم ابراهيم جلال وقاسم محمد وسامي عبد الحميد وصلاح القصب، وجاء التجديد مكرسا في المعالجات الأسلوبية، حيث افترقت عن بنية العرض الطبيعية والواقعية وذهبت ناحية المدارس التي أفرزتها تجارب الحداثة في المختبرات المسرحية الأوروبية ابتداء من المسرح الملحمي والطليعي وتجارب اللامعقول والعبث، والمسرح الاحتفالي والكباريه السياسي وانتهاء بالمسرح القائم على الرقص الدرامي أو “الكوريوغراف” وما زالت وتيرة التطوير والتجديد تدور لدى المخرجين الشباب .
جماليات الكوريوغراف
خلال الأعوام الأخيرة بدأ مصطلح “الكوريوغراف” متداولا لدى المسرحيين الشباب، وتم تقديم عدد من العروض التي تعتمده بشكل أساسي، ولعل الخاصية الأبرز لهذا المسرح أن الكلمة فيه تتراجع عن مركزيتها التي حظيت بها في المسرح التقليدي ابتداء من عهد المسرحيين الإغريق الأوائل (500 ق.م) وليحل الجسد في طاقته الإشارية بديلا عنها سواء في إطار وظيفتها الاجتماعية أو في المستوى المجازي الذي تتيحه مخزونات اللغة الأدبية واشتغالاتها.
الجسد في “الكوريوغراف” يتجاوز حدود امكاناته الفيزيولوجية لينتقل إلى منطقة التخييل والاشتغال الفني، وفي مثل هذه العروض يمنح المخرج جسد الممثل طاقة جمالية تخرجه من إطاره المادي إلى حيث يكون فضاء دراميا لتشكيل الأفكار في بنية صورية تتشابك فيها الأجساد في تكوينات جماعية وفردية.
العرض المسرحي الذي تم تقديمه في منتصف شهر يناير (كانون الثاني) 2019 من قبل فرقة المسرح الوطني التابعة لمديرية المسارح في وزارة الثقافة للمخرج محمد مؤيد والذي حمل عنوان “سيلفون” جاء وفق اشتراطات المنظور الذي يفرضه الكوريوغراف، حيث اعتمد الرقص الدرامي تقنية أساسية طيلة زمن العرض، وانطلاقا من أن الرقص لغة عالمية، في امكانها أن تصل إلى جميع الشعوب، كان جسد الممثل أداته في تفجير البنية الدرامية.
هنا لابد من الإشارة إلى أن مصطلح “كوريوغراف” يعني: فن الرقص أو فن تصميم الرقصة، والكلمة أصلها لاتيني ومكوّنة من مقطعين الأول “الكوريو” ويعني الحركة، والثاني “الغراف” ويعني رسم، بذلك يصبح المعنى “رسم الحركة”.
تشفير الجسد
اليوم بات هذا المصطلح متداولا وشائعا بين فناني المسرح، خاصة عندما يتعلق بتلك العروض التي يشكل فيها الرقص عنصرا أساسيا في إيصال الخطاب الفني في تمظهره الشكلي. وهنا المخرج تقتضي مهمته العمل على توسيع المساحة الدلالية التي ينطق بها جسد الممثل، وأن يزيح ايقونية مدلولها الاجتماعي والفيزيولوجي، بمعنى: الذهاب بعيدا بالجسد بما يحمله من ممكنات دلالية، وذلك باعتماد مفهوم الإزاحة للوصول إلى مدلولات تشفيرية متشظية ليس من السهل الامساك بها طالما هي تتحرك في منطقة التأويل. فالمخرج بناء على ذلك لا ينهض بدوره التقليدي في تفسير وترجمة وإيصال ما يمكن أن يستنهضه ويستوحيه من مخطوطة نص جاهز، بقدر ما يرتفع بمستويات مهمته المزدوجة باعتباره مؤلفا ومخرجا في الوقت ذاته، وهذا يعني أن لا مرجعية جاهزة يتكئ عليها في مرحلة البناء بقدر ما يكون جسد الممثل نقطة انطلاق وانتهاء والخريطة التي يُستدلُّ بها في بناء مشروع العرض، بذلك يكون الجسد نص العرض الذي يكتبه المخرج، ولا سيادة لأي عنصر غير مرئي في هذه البنية كما في عرض “سيلفون”.
فالمخرج ازاء هذا الدور المختلف تماما عن دوره في المسرح التقليدي يجد نفسه يتحرك في فراغ، وهذا الفراغ يقتضي منه أن يبتكر معجما لغويا جماليا قائما على علاماتية الجسد، مُزيحا بذلك محدودية دلالة اللغة الأدبية بذلك ينفتح الفضاء الدرامي أمام خطاب الجسد ولغته الاشارية في بعده الجمالي والدرامي.
هذه العروض لن تكتمل بنيتها الفنية إلا إذا كان للأصوات والايقاعات “البشرية + الآلية” حضور يتعالق ويتفاعل مع حركة وايقاع الجسد والاضاءة وقطع الديكور، فالتناغم ما بين هذه العناصر جميعها يشكل أبرز خواص عروض الكوريوغراف، والعلاقة بين هذه المفردات تتنوع في اتجاهاتها وأشكالها ما بين التداخل والتقاطع والتماهي، حسب المدلول الذي يقصده المخرج.
تداخل الأزمنة
في عرض “سيلفون” للمخرج محمد مؤيد استعاد ثلاثة أزمنة عراقية تبدأ بعد العام 2003 يشكل الموت عنوانها الرئيسي، وما زالت تتفاعل تداعياتها وظلالها على الواقع الاجتماعي، الزمن الأول بين 2006 –2007، والثاني جريمة سبايكر، والثالث رحلة الهروب الجماعية عن طريق البحر إلى أوروبا عام 2015. فالأزمنة الثلاثة أخذت الإنسان العراقي إلى موت عبثي، بعد أن عاش حياته مضطربا ومتأرجحا بين الحياة والموت، فكان على الجسد أن يعيد تشكيل الحكايات الفردية للموتى بما تحمله من تفاصيل مختلفة ما بين حكاية وأخرى لكل شخصية من شخصيات العرض قبل أن تلقى مصيرها وتغادر الحياة في لحظة غير منتظرة. بمعنى أن جميع الشخصيات كانت غائبة عن الحياة وهي تسرد لنا قصتها عبر جسدها، فنحن في زمن مضى ولسنا أمام حاضر أو مستقبل، لأنها ميتة ولا تقيم في عالمنا إنما في العالم الآخر.
إن خيار الرقص الدرامي أراد المخرج من خلاله أن يتجاوز ما هو منطقي ويكسر بلغة الجسد نمطية المألوف مثلما انكسر المنطق والمألوف في الواقع المادي المعاش، بذلك ابتعد في رؤيته عن كل ما يرتبط ويشير إلى جماليات الواقعية، خاصة باعتماده على الجسد أولا وأخيرا في بناء الفضاء الدرامي، لتنثال التشكيلات الصورية بشكل حر كما لو أن المتلقي يرى حلما تتداخل فيه الحكايات والأزمنة والأحداث والشخصيات والأمكنة في آن واحد.
سبق للمخرج أن قدم عام 2016 عرضا مسرحيا حمل العنوان نفسه وشارك به في النسخة 23 من مهرجان المسرح الأردني وحصل على الجائزة الذهبية الأولى، والعرض الأخير على الرغم من أنه يحمل جانبا من المتن الحكائي للعرض الأول إلاَّ أن المخرج أجرى تغييرا في بنية العرض الفنية بالشكل الذي ابتعد به كثيرا عن العمل الأول.
والسؤال الذي يطرح هنا: إلى أي مدى يمكن أن تكون مثل هذه الأعمال المسرحية متاحة للتداول والتفاعل مع الجمهور بشكل عام؟
وبعيدا عن المستوى الفني العالي الذي جاء حصيلة تمرين مكثف وطويل فإنه يبقى عرضا نخبويا يصلح أن يطوف المهرجانات الدولية ولكنه لن يحصد القبول المؤثر الذي يستحقه بعيدا عن جمهور المهرجانات، وهذا لا ينتقص أبدا من قيمته الفنية وما يحمله من رؤية إنسانية شفافة إزاء ما يتعرض له الإنسان العراقي من تحديات وجودية، فالعرض كان بمثابة صرخة احتجاج في إطار جمالي ضد صور الموت التي تواجهنا وتقتل أحلامنا وحكاياتنا الجميلة قبل أن تكتمل.