دمشق – «القدس العربي» : كشفت الجولة الثالثة من أعمال «اللجنة الدستورية» حول سوريا، والتي كانت قد عقدت في «جنيف» السويسرية أواخر شهر آب/أغسطس الفائت، عن فجوات عميقة بين النظام والمعارضة السورية، ورغم المؤشرات الواردة عن إمكانية عقد جولة جديدة خلال الفترة الزمنية المقبلة، إلا أن الخلاف لا يبدو أنه يسير في طريقه نحو الانفراج، ولعل ذلك ما أشار إليه المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي خلال إحاطته لمجلس الأمن، حيث لفت إلى أن الصراع في سوريا لا يمكن حله عن طريق إصلاح دستوري أو دستور جديد فقط، كما أن التقدم في اللجنة الدستورية يمكن أن يفتح الباب لعملية أعمق وأوسع.
نائب وزير الخارجية التركي يبحث مع المبعوث الأممي تطورات سوريا و«الدستورية»
وما يوحي بمدى صعوبة التقدم في ملفات اللجنة الدستورية، تصريح رئيس الائتلاف الوطني المعارض د. نصر الحريري الثلاثاء حيث قال «إن جولات اللجنة الدستورية، لم ينتج عنها أي نتائج ملموسة رغم الجهود التي يقوم بها المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسون». الحريري، أشار خلال لقاء جمعه مع المبعوث الكندي إلى سوريا غريغوري غالغان، إلى ضرورة وجود ضغط أكبر على النظام وداعميه لإرغامهم على الجلوس على طاولة المفاوضات من أجل تطبيق كامل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن بخصوص الشأن السوري ولا سيما القرار 2254.
وأكد المبعوث الكندي على أن اللجنة الدستورية السورية لم تتمكن من تحقيق غايتها حتى الآن. كما اعتبر الرئيس الأسبق للجنة التفاوض السورية، ورئيس الائتلاف الحالي، أن ما يقوم به النظام السوري وداعميه من خروقات وجرائم، وآخرها كان الهجوم الروسي الكبير والمتعمد لأحد مقرات الجيش الوطني السوري المعارض في ريف إدلب، وأشار الحريري إلى أن هناك رسائل سياسية وعسكرية روسية مشتركة من هذا الهجوم، وأضاف: «نحن نعرف السلوك الروسي. هم يختلقون الذرائع لاستمرار حملتهم العسكرية. لأنهم يؤمنون بالنهج العسكري على حساب الحل السياسي».
العريضي: لا إنجاز في «الدستورية»
ومن دمشق، كان وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم قد أكد أن جميع مراحل أعمال لجنة مناقشة الدستور يجب أن تتم بقيادة وملكية سورية فقط، وأضاف خلال لقائه المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، منتصف شهر الشهر الفائت، أن اللجنة منذ أن تشكلت وانطلقت أعمالها «باتت سيدة نفسها، وهي التي تقرر التوصيات التي يمكن أن تخرج بها وكيفية سير أعمالها» بحيث تتم «كل تلك العملية بقيادة وملكية سورية فقط، وعلى أساس أن الشعب السوري هو صاحب الحق الحصري في تقرير مستقبل بلاده». وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت أغسطس/ آب الماضي، تعليق المحادثات حول الدستور السوري في جنيف بعدما تبين إصابة مشاركين بوباء «كوفيد-19» وذلك بعد بضع ساعات من بدء الاجتماعات.
موقف المعارضة السورية تجاه اللجنة الدستورية، يشير إلى أن «كل المسارات التفاوضية حتى الآن لم تنجز أي شيء» وهو ما كشف عنه المتحدث الرسمي باسم هيئة التفاوض د. يحيى العريضي، لـ «القدس العربي». وقال إن اللجنة الدستورية «لم تنجز أي شيء وهذا حصل بفعل فاعل وليس اختياراً من قبلنا أو ضعفاً منا أو شيئاً من هذا القبيل». وعبر المتحدث عن إيمان المعارضة السورية «بالحل السياسي لإخراج البلاد من محنتها، إلا أن النظام لا تزال معادلته تتراوح حول إما أحكمها أو أدمرها، وذلك بدعم سياسي من داعميه روسيا وإيران». ومنذ البداية، القرارات الدولية كانت لإيجاد حل سياسي، وأحد أهم العناصر الأساسية فيها هي المسألة العسكرية، والإنسانية، إلا أن روسيا اختارت الحل العسكري ولاسيما في مناطق خفض التصعيد، التي عادت وسيطرت عليها.
أما بالنسبة للمسألة السياسية، فقال «العريضي» لـ «القدس العربي» أرادت موسكو إدخال اللجنة الدستورية ضمن مسار أستانة، عبر تقديم فكرة تقسيم القرار الدولي 2254، إلى جملة من المحاور، ورغم ذلك، سارت المعارضة مع هذه المسألة، وخاصة «اللجنة الدستورية» لإيجاد حل سياسي. إلا أن النظام ومن خلفه روسيا وإيران عملت على إجهاض ذلك، فروسيا أرادت أن تكون الراعية والمرجعية للجنة الدستورية التي طرحت فكرتها في مؤتمر سوتشي، لكنها لم تفلح بذلك، ومن هنا جاءت عرقلة روسيا لأعمال اللجنة.
موسكو، وفق المسؤول المعارض، تريد استملاك اللجنة لتفصيل حل سياسي بالطريقة التي تناسبها، بهدف إعادة تأهيل النظام من خلال ذلك، وقال «الآن موسكو تسلك خطوة جديدة نحو التحايل على ذلك بما يخص الأمور الإنسانية عبر عقد مؤتمر لعودة اللاجئين إلى سوريا، ومن جانب آخر تهيئ المناخ لانتخابات عام 2021 وفي المحصلة يضعون عراقيل بوجه اللجنة الدستورية».
فالنظام السوري وضع لها سقفاً سياسياً واعتبرها لعبة سياسية، أما روسيا فاعتبرت أن لا حدود زمنية للجنة الدستورية وذلك على لسان وزير خارجيتها.
توتر في دمشق
ومن الواضح أن زيارة المبعوث الدولي منتصف تشرين الأول / أكتوبر الماضي، إلى دمشق لم تكن على ما يرام من حيث النتائج والتعامل الذي لقيه من وزير خارجية النظام وليد المعلم، بالرغم من اعتبار المعلم أن اللجنة الدستورية عملها مستقل ولكن الأكثر وضوحًا؛ أن المخرجات إن لم تكن تراعي مصالحهم في سبيل بقاء الأسد في السلطة فلن يقبلوا بالمنتج.
كما أن الإحاطة الأخيرة للمبعوث الدولي بيدرسون لم تكن، وفق قراءة السياسي السوري المعارض درويش خليفة مرضية للنظام ولكن في المقابل امتدحتها المعارضة الرسمية، مع العلم أن الإحاطة كانت على شكل تقرير يسرد الأحداث كافة على الجغرافيا السورية، شاملة اغتيال القائد العسكري أدهم الكراد ومفتي دمشق محمد عدنان افيوني، مروراً بقصف طيران النظام وحلفائه على معسكر فيلق الشام في ريف إدلب. إضافة، إلى التطرق لموافقة الرئيس المشترك هادي البحرة على المقترح المقدم من قبل بيدرسون ورفضه من قبل الكزبري ممثل النظام في رئاسة اللجنة، وبالتالي المعارضة مازالت متمسكة ببنود القرار الدولي 2254. بينما النظام مازال يتعامل بعنجهية مع أي مطالب وقرارات دولية تهدف لإنهاء الصراع والانتقال للحل السياسي.
وقال خليفة لـ «القدس العربي»: على ما يبدو حاول بيدرسون من خلال إحاطته نقل الكرة لملعب الأسرة الدولية ليتحركوا في سبيل إنهاء مأساة الشعب السوري التي تجاوزت مدة الحرب العالمية الثانية، في حين أن المعارضة تحتاج موقفاً واضحاً منهم يحدد الجدوى من استمرار اللجنة الدستورية في عملها.
وبحث نائب وزير الخارجية التركي سادات أونال، مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، غير بيدرسون، التطورات في سوريا، وأنشطة اللجنة الدستورية. وأفيد أن أونال التقى مع بيدرسون في العاصمة أنقرة حيث تبادل الجانبان وجهات النظر حول الوضع الراهن في سوريا، وأنشطة اللجنة الدستورية حسب وكالة الأناضول. وانعقدت أعمال الاجتماع الثالث للجنة الدستورية السورية في مدينة جنيف السويسرية، بين يومي 24 و29 أغسطس/ آب الماضي. يشار أن اللجنة الدستورية تضطلع بمهمة إعادة صياغة الدستور السوري، وهي هيئة مكونة من 150 عضوا مقسمين بالتساوي بين المعارضة والنظام ومنظمات المجتمع المدني.