العقل السُنّي والشيعي ومآزق تهديد الاندماج الاجتماعي

حجم الخط
4

ما زلنا نعاين فورة في الأعمال البحثية المخصصة لدراسة الظاهرة الدينية (الحركية تحديدا)، بُعيد اندلاع أحداث ‘الربيع العربي’، بسبب صعود أسهم لائحة من التيارات الإسلامية (إخوانية أو سلفية)، على غرار ما جرى مباشرة بعد صدمة اعتداءات نيويورك وواشنطن، والتي تسببت في بروز العديد من الخبراء والباحثين من شتى البقاع.
الكتاب والباحثون والإعلاميون حائرون في متابعة ما يجري، سواء تعلق الأمر بالأقلام العربية أو الغربية، بخلاف الوضع والرصد السائد مع صناع القرار، هنا وهناك، حيث نعاين في الواقع استفادة من دروس صدمة الاعتداءات إياها، وهي الاستفادة التي نطلع عليها بشكل جلي مثلا في بعض الدول العربية، وخاصة للمفارقة، في الدولة التي لم تمر بالضرورة من منعطف إسقاط رموز الأنظمة دون سقوط الأنظمة في حد ذاتها.
في سياق التفاعل البحثي إذا مع رياح ‘الربيع العربي/ الإسلامي’، يأتي صدور كتاب الباحث السعودي عبد الله البريدي الذي يحمل عنوان: ‘السلفية الشيعية والسُنّية: بحث في تأثيرها على الاندماج الاجتماعي’. (صدر الكتاب عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط 1، 2013، وجاء في 110 صفحة من الحجم المتوسط).
العمل مساهمة في جهود عقلنة الحراك الفكري العربي، عبر نقله، كما نقرأ في مقدمته، من التراشق المؤدلج إلى الحوار الممنهج، إذ ليست الغاية الوصول إلى ما يشبه الإدانة الفكرية للعقل السلفي، بل إثراء العمل النقدي الجاد بما يوجه البوصلة الفكرية للنسق السلفي صوب مشروعنا الحضاري العربي الإسلامي. (ص 9)
يمكن تصنيف الدراسة ضمن الأعمال البحثية الأولى التي تتصدى للمعالجة المنهجية النقدية ‘الشفيفة’ لكل من ‘العقل السلفي الشيعي’ و’العقل السلفي السني’ باعتبارهما مُهددين للاندماج الاجتماعي في عالمنا العربي ـ بيت القصيد في العمل ـ مع القيام بعملية توصيف للعقل السلفي في الرواقين السُنّي والشيعي واستجلاب وتحليل لنماذج تطبيقية معاصرة تُبرهن على خطورة هذه السلفية على اندماجنا الاجتماعي ومشروع التكتل والوحدة والنهضة العربية. كما يكتسب البحث شيئا من الأهمية التنظيرية في حقل علم النفس الاجتماعي، عبر اقتراح تعريف علمي لتصنيف وبلورة نموذج مبدئي يجهد لأن يربط بعض دلالات التصنيف ببعض بواعثه وآثاره.
جاءت محاور الكتاب مُوزعة على ستة فصول: بحث السلفية والاندماج الاجتماعي: البواعث والمنهج؛ مدخل إلى الاندماج الاجتماعي في السياق الطائفي؛ السلفية في الرواقين السُنّي والشيعي: رؤية تحليلية عامة؛ التصنيف والتنميط والهوية والتعصب في محيط العقل السلفي؛ نماذج من الخطاب السلفي المقوض للاندماج الاجتماعي؛ وأخيرا، المشكل السلفي والفعلان البحثي والثقافي، وقد أضاف المؤلف ملحقا مصورا لبعض الممارسات السلفية من الطائفتين السنية والشيعية، نقلا خصوصا عن مواقع إلكترونية وأشرطة ‘يوتيوب’، وغيرها.
يرى المؤلف أن هناك تواشجا بين رؤى ومشاريع دول الهيمنة والعقل السلفي، فكلاهما يقتات على التحشيد والتحزب الطائفي المفضي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى إضعاف الاندماج الاجتماعي، مع قدر من الإرباك والفوضى والتشرذم والتفكك والتقسيم في فضائنا العربي، ويمكن الجزم أن هذا المعطى ينطبق أيضا على تعامل صناع القرار في الغرب مع أداء التيارات الإخوانية، وليس التيارات السلفية (في شقيها السُنّي والشيعي).
في سياق تفكيك النسق السلفي (السني والشيعي)، توَسّل المؤلف بمنهجية مُركبة، من خلال استخدام المنهج الوصفي التحليلي، مع التوثيق الدقيق، مؤكدا في هذا الصدد أنه لا ينتقد شخصا أو يستهدف شخصا معينا، كما تعودنا في التفاعل النقدي مع أدبيات الإسلاميين (من التيار الإخواني والسلفي على حد سواء، وبدرجة أقل التيار الصوفي..)، وإنما يتحدث عن نسق ثقافي أو نسق فكري، وهو النسق الذي نحتاج إلى المزيد من الدراسات والأبحاث من أجل تفكيكه ووضعه في وضعه الطبيعي حتى لا يبقى مقدسا وممنوعا من التفكير فيه وحوله، بالصيغة التي نعاينها في الدراسات والمقالات الصادرة عن الأقلام المنتمية إليه أو المحسوبة عليه، والتي ـ كما عاينا ذلك في الساحة المغربية مثلا ـ لا ترى في التسلف أي تهديد للتديّن المغربي، مقابل توقفها فقط عند التهديد الشيعي أو تهديد التبشير والتنصير، ولعل أهم حسنات عمل عبد الله البريدي، أنه يُصنف التسلف السُنّي ضمن أهم أعطاب الاندماج الاجتماعي.
ورُبّ معترض عن دلالات حديث أو توقف الباحث عند سلفية شيعية، مقابل المتداول عند الحديث عن السلفية، أي كون المصطلح ظل لصيقا بالسُنّة، أو ‘أهل السُنّة والجماعة’، لولا أنه يُوضح ويُفند هذا الاعتراض بالإشارة إلى أن السلفية الشيعية، باتت ‘حقيقة لا يمكن ردها، فهي حاضرة بوصفها نسقا فكريا يمكن تتبعه وتوصيفه عبر محددات علمية معينة’. (ص 33).
فيما يتعلق بالفكر السلفي، وعلى اختلاف درجاته، فإنه، برأي عبد الله البريدي، يُفصل ثوبا بمقاسات وألوان سلفية ثم يطالب الجميع بارتدائه، من دون مراعاة تغير الأحجام والخامات والاحتياجات، وبجانب ما يترتب على ‘المثالية السلفية’ المصحوبة بذلك اللون من التسليم للنص، يضفي العقل السلفي على التطبيقات البشرية السلفية نوعا من القداسة ويقاوم عملية تحليلها ومناقشتها فضلا عن تقومها ونقدها’. (جدير بالذكر، أن المؤلف كان ضمن لائحة الباحثين المشاركين في أشغال المؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري تحت شعار ‘المفاهيم والتحديات’ بجامعة الملك سعود ممثلة في كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري في الفترة 22ـ25 جمادى الأولى لعام 1430هـ).
ويضيف البريدي أن العقل السلفي ـ في شقيه السني والشيعي ـ يتجاوز التصنيف الطبيعي/ التلقائي إلى التصنيف السلبي، ولعل الاشتغال المكثف من قبل السلفية السنية والشيعية على مسائل ومباحث معينة كالجرح والتعديل يعضد هذه النتيجة، حيث عكفت السلفية على تربية أتباعها على تتبع الأخطاء العقدية وغيرها لدى المخالف، لدرجة أنه نشأت لدى السلفي السُنّي ـ على سبيل المثال ـ فرقة تسمى بـ’الفرقة الردودية’ نسبة إلى الاشتغال المكثف بتصنيف الناس والرد عليهم.
بناء على اجتهادات العديد من الباحثين (ونخص بالذكر محمود قمبر، ضحى السويدي وفتحي جروان)، يخلص الكاتب إلى أن العقل السلفي ـ السُنّي والشيعي ـ على درجة كبيرة من البساطة الفكرية، وعاجز عن استخدام الكثير من عمليات التفكير العليا، ومنها ما يُعرف بما وراء التفكير، أي التفكير في طريقة التفكير، الأمر الذي يُبعده عن الإفادة من تلك الأدوات الذهنية الفعالة في التعرف إلى ما يُقبل وما لا يُقبل من عمليات التصنيف والتنميط. والفضاء الإعلامي والافتراضي (الإنترنت) يشهد بشيوع ‘العقلية الردودية’ سالفة الذكر، بين التيارات السلفية الشيعية والسنية، ومنها ما يبث على قنوات متلفزة كثيرة مثل ‘المستقلة’ و’صفا’ و’فدك’ و’نور الحسين’، وغيرها كثير.
يمكن قراءة العمل باعتباره مقدمة لدراسات أعمق وأدق تفصيلا في تفكيك نسق سلفي (سُنّي وشيعي) يحتل واجهة الساحة في المجال التداولي الإسلامي، ومنخرط في معارك ‘الصراع على الإسلام’ بتعبير رضوان السيد، أو مصر على ‘اختطاف الإسلام’ من أهله، بالصيغة التي نعاينها مجددا في الساحة العربية بعيد اندلاع أحداث ‘الربيع العربي’/ الإسلامي الحركي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية